ترجمة

ديناميات النظام الأدبي العربي: تفكيك ثنائية المركز والهامش والشرعنة الجمالية

مصطفى رياض مصطفى رياض 19.08.2026

Snir, R. (2017). Modern Arabic literature: A theoretical framework. Edinburgh University Press.

سنير، ر. (2017). الأدب العربي الحديث: إطار نظري. مطبعة جامعة إدنبرة.

يقدم كتاب «الأدب العربي الحديث: إطار نظري» (Modern Arabic Literature: A Theoretical Framework) للباحث والناقد روفين سنير (Reuven Snir)، الصادر عن مطبعة جامعة إدنبرة عام 2017، مشروعًا نظريًّا ومنهجيًّا متكاملًا لإعادة قراءة الأدب العربي وتأريخه بصورة وافية وموسعة. تنطلق مقدمة الكتاب من نقد المناهج الاستشراقية والأكاديمية التقليدية التي حصرت دراساتها في الإنتاج النخبوي الرسمي المكتوب بالفصحى والموجه للبالغين، متجاهلة بذلك قطاعات عريضة من الإبداع الأدبي. ويوضح المؤلف أن التبدلات التاريخية والنوعية التي طرأت على الأدب العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر تفوق في عمقها واتساعها التحولات التي تلت ظهور الإسلام، منتقدًا النظرة الضيقة التي سادت لدى باحثين مثل بيير كاشيا ممن زعموا وجود فجوات في الأدب العربي لإغفالهم الآداب الترفيهية والشعبية، الأمر الذي استدعى تأسيس نموذج وظيفي قادر على استيعاب المشهد الإبداعي العربي بجميع تشعباته.

يتأسس الإطار النظري للكتاب على منجزات الشعرية التاريخية، مستفيدًا من طروحات الشكلانية الروسية ونظرية الأنظمة المتعددة لإيتامار إيفن زوهر، حيث يُعرَّف النظام الأدبي العربي بوصفه شبكة علاقات مستقلة وذاتية التطور تضم سائر النصوص المكتوبة بالعربية أو المنقولة إليها، بصرف النظر عن الأحكام التقويمية المسبقة. ويستند سنير إلى المفاهيم الجمالية المعاصرة للشرعنة الفنية (كما نظّر لها ريتشارد شوسترمان) للتأكيد على أن التمييز بين «الأدب المكرَّس» و«الأدب غير المكرَّس» يمثل توصيفًا وظيفيًّا وسوسيولوجيًّا لتموضع النصوص داخل الذاكرة الثقافية الجماعية، وليس حكمًا مطلقًا على قيمتها الذاتية، الأمر الذي يوجب إدخال الأدب الشعبي والهامشي ضمن دائرة التحليل المنهجي بوصفه عنصرًا أساسيًّا في دورة الحياة الأدبية وحركيتها التجديدية من خلال جدلية الألفة ونزع الألفة.

وفي تحليله لديناميكيات النظام الأدبي عبر المقطع التزامني، يقسم المؤلف الإنتاج النصي إلى ستة أنظمة فرعية متفاعلة تتوزع بين قطبي التكريس واللاتكريس. يضم قطاع الأدب المكرَّس نصوص الكبار كالشعر الفصيح والرواية والقصة والمسرح الرسمي، إضافة إلى أدب الأطفال التعليمي الملتزم بالمعايير التربوية واللغوية للرواد، والترجمات الرصينة للأعمال الكلاسيكية العالمية. وفي هذا السياق، يرصد المؤلف تهميش المركز الثقافي الرسمي لظاهرة «الأدب الإسلامي» الحديث (الذي نظّر له سيد قطب ومحمد قطب ونجيب الكيلاني) على الرغم من حضوره الجماهيري وانتشاره الواسع ونتاجه المتعدد في الرواية والمسرح وأدب السجون والخيال العلمي الهادف، الأمر الذي جعله بمنزلة نظام شبه منعزل على حواف المؤسسة الأدبية التقليدية.

يقابل ذلك قطاع الأدب غير المكرَّس الذي يتسع لنصوص البالغين المكتوبة بالعامية كشعر الزجل والموال، فضلًا عن الروايات البوليسية وروايات الجيب، والخيال العلمي، والقصص العاطفية والتجارية، إلى جانب نصوص الأطفال الشعبية ومجلات الكوميكس المصورة، والترجمات الرائجة للروايات الترفيهية. ويبرز دور الزجل بوصفه وسيطًا تعبيريًّا مؤثرًا على أيدي شعراء كبار مثل بيرم التونسي وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي ومظفر النواب، حيث تقاطع هذا الفن مع الفضاءات الغنائية والإعلامية والتحولات السياسية، على الرغم من القيود التي فرضتها المؤسسات الرسمية لمنعه من احتلال موقع الصدارة، الأمر الذي يوضح طبيعة الصراع على الشرعية اللغوية والجمالية داخل الثقافة الواحدة.

ويؤكد الكتاب أن الحدود الفاصلة بين المكرس وغير المكرس مرنة وقابلة للتبدل التاريخي، ويقدم نص «ألف ليلة وليلة» مثالًا تطبيقيًّا محوريًّا؛ إذ صُنّف لقرون عديدة ضمن النصوص الغثة والمبتذلة في نظر النخب العربية التقليدية، غير أن تلقيه الواسع في الفضاء الأوروبي وترجمته إلى اللغات الغربية مهّدا السبيل لإعادة تكريسه كلاسيكيةً عالمية وعربية رفيعة، الأمر الذي جعله يتحول إلى منبع إلهام نصي للأدباء العرب المعاصرين مثل نجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور، ومظهرًا بارزًا من مظاهر التفاعل الخصب بين المركز والهامش.

وعلى صعيد التطور التاريخي والتفاعل بين الأنظمة المختلفة، يستعرض المؤلف شبكة العلاقات المعقدة بين الأدب والحقول غير الأدبية كالسياسة والجندر والاقتصاد والإعلام. ويتجلى ذلك في توظيف النصوص في مسارات بناء الدولة الوطنية وترسيخ الهويات القومية ومناهضة الديكتاتوريات، وهو ما ظهر جليًّا مع اندلاع أحداث «الربيع العربي» عام 2011م وما رافقها من انفجار في الخطابات النقدية وشعر الاحتجاج، إلى جانب صعود الكتابة النسوية منذ سبعينيات القرن العشرين، الأمر الذي فكك المركزيات الذكورية وأعاد صياغة المشهد الإبداعي، إضافة إلى ما أحدثته الثورة الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة من تفكيك لآليات النشر والرقابة التقليدية وإتاحة فضاءات واسعة للأدب التفاعلي.

وفيما يخص تاريخ الأنظمة وتطور الأجناس، يرفض الكتاب فرضية القطيعة الكاملة بين الأدب العربي الكلاسيكي ونظيره الحديث، مؤكدًا استمرارية التقاليد التعبيرية وتطويرها في قوالب جديدة. ويتتبع سنير مسارات التطور النوعي في الشعر منذ مدرسة الإحياء، مرورًا بالرومانسية وشعر التفعيلة، ووصولًا إلى قصيدة النثر، فضلًا عن تطور الرواية من بدايات التعريب والمقامات إلى الواقعية والتجريب، وتشكل الفن المسرحي العربي وتمايزه بين العروض الاجتماعية المعتمدة على اللهجات والعروض التاريخية الفصيحة.

وفي خاتمة هذا العرض الشامل، يناقش المؤلف أطروحة «الجمهورية الأدبية الإسلامية الوسيطة» لمحسن جاسم الموسوي مقارنًا إياها بملامح ما يمكن تسميته جمهورية أدبية عربية حديثة تتخطى الحدود الجغرافية والسياسية. ويخلص الكتاب إلى أن الإحاطة بالأدب العربي المعاصر وفهم حركيته التاريخية يقتضيان التخلي عن الأحكام الانطباعية، وتبني رؤية شمولية تدمج الهامش بالمركز والمترجم بالأصيل والشعبي بالنخبوي، الأمر الذي يفتح آفاقًا بحثية رائدة ومستقبلية لقراءة التراث الإبداعي العربي ككل عضوي متنامٍ.

مصطفى رياض
عن الكاتب
مصطفى رياض

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←