من الكتاب القاتل إلى التأويل القاتل
رواية: أولاد حارتنا للكاتب المصري نجيب محفوظ نموذجا
أ.د. حسن المودن
1 – أسئلة وافتراضات أولية:
كلما عدت إلى قراءة رواية الكاتب المصري نجيب محفوظ: أولاد حارتنا، إلا وشغلتني أسئلة سأحاول ترتيبها على الشكل الآتي:
من الأسئلة الأولى: ما الذي كان وراء محاولة اغتيال الكاتب العربي الوحيد الفائز بجائزة نوبل: أهو الكتاب أم التأويل؟ أهو هذه الرواية التي صدرت أول مرة خلال الخمسينيات أم هو تأويل معين للرواية هو الذي كان وراء محاولة الاغتيال خلال التسعينيات؟ وماذا عن هذه المسافة الزمانية الفاصلة بين زمن الإصدار وزمن محاولة الاغتيال؟ لماذا تأخرت محاولة الاغتيال لعقود تتجاوز الثلاثة: أكان لابد من كل هذا الوقت لكي يولد تأويل معين للرواية، ثم ينشأ وينتشر ويترسخ إلى أن كان السبب وراء محاولة اغتيال الكاتب؟
ومن تلك الأسئلة، تتولد أسئلة ثانية: ذلك الشخص الذي كان وراء محاولة الاغتيال، أكان واحداً من القراء، أكان قارئا للرواية: أيمكن للقارئ أن يقتل كاتبه بسبب كتاباته؟ أحدث أن قتل قارئ كاتبا من الكتاب؟ هل هناك من قراءة تسعى إلى قتل كتابة ما؟ وإذا كان من الممكن أن نتحدث عن قتلٍ رمزي تمارسه قراءة ما ضد كتابة ما، فهل حدث أن وقعَ قتلٌ فعليٌّ للكاتب من قبل قارئه أو قرائه؟ أكانت الفكرة التي بناها هذا الشخص عن رواية نجيب محفوظ فكرته أم أنها تعود إلى جهة ما، إلى مؤسسة ما، إلى جماعة ما؟ وماذا يعني أن يتبنى شخصٌ التأويلَ الذي وضعته جماعةٌ ينتمي إليها أو يريد أن ينتسب إليها، من دون أن يكون قد قرأ الكتاب موضوع التأويل؟ ماذا يمكن أن يقول التحليل النفسي عن هذا الذي لم يقرأ الكتاب لكنه تبنى تأويلا يعود إلى جهة أو مؤسسة أو جماعة ما؟ وماذا يعني أننا لم نعد نرد على كتابٍ اختلفنا معه بكتاب أو بمقالة تشرح وجهة نظرنا أو حتى باللجوء الى القضاء والعدل، بل صار الرد فعلا إجراميا وسلوكا إرهابيا؟ كيف انتقلنا من الحوار والسجال والجدال إلى العنف والإرهاب والإجرام؟
وهنا، تأتي الأسئلة الأخيرة في هذه المحاولة: هل هذا التأويل الذي كان وراء محاولة الاغتيال هو التأويل الوحيد والأوحد للرواية؟ أليست الرواية نصا أدبيا قابلا لتأويلات متعددة؟ وماذا لو قدمنا تأويلا آخر للرواية قد يبرؤها من تلك التهمة التي كانت السبب وراء محاولة الاغتيال؟
2 – من الكتاب القاتل إلى التأويل القاتل:
يمكن أن نفترض أن رواية نجيب محفوظ: أولاد حارتنا كانت الكتاب الذي كاد يقتل صاحبه، فهو في نظر البعض كتاب تجرأ على الأنبياء والذات الالهية، وذلك ما لا ينبغي له أن يكون موضوعا للرواية، هذا الجنس الأدبي الذي لم يعمر بعد طويلا وقتئذ، مصريا وعربيا، ولم يكن ربما يؤخذ مأخذ جدٍّ، وهو جنس أدبيٌّ ليس بعدُ موضع رضا بعض مؤسسات المجتمع الثقافية والدينية والسياسية، أو بعض التيارات والجماعات..
وتبعا لهذا الافتراض، يمكن أن نلحق هذا الكتاب بتلك الكتب المسمومة القاتلة التي تناولتها بالدرس بعض الدراسات النقدية العربية المعاصرة: وعلى سبيل التمثيل، فالناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو يفتتح التمهيد لكتابه: العين والإبرة، دراسة في: ألف ليلة وليلة بهذه الجملة: ” قيل إنه ليس بوسع أي أحد قراءة ألف ليلة وليلة من أولها إلى آخرها دون أن يموت.”[1]. وما قد نفهمه من هذه القولة الافتتاحية للدراسة أن الكتاب قد يكون قاتلا لقارئه، وخاصة إذا قرأه من بدايته إلى نهايته، ولكن قد نتساءل مع عبد الفتاح كيليطو: هل من الممكن أن نقرأ حكايات ألف ليلة وليلة كلها، وهل هناك من حكاية نهائية في هذا الكتاب، هل هو كتاب له نهاية؟
لكن الفصل الثالث من كتاب كيليطو، وعنوانه: الكتاب القاتل، يقدم نماذج من الكتب المسمومة القاتلة، ولكن يتعلق الأمر أساسا بالكتاب الذي يقتل قراءه؛ ومن أشهر هذه النماذج، رواية: اسم الوردة للكاتب الإيطالي أمبيرطو إيكو. ففي هذه الرواية، يتضح أن الضحايا قد ماتوا على إثر قراءة كتاب مسموم كانت أوراقه ملتصقا بعضها ببعض، ولكي يتم فصلها عن بعضها، كان القراء يبلّون أصابعهم بألسنتهم. ويتعلق الأمر هنا بالكتاب الثاني من: فن الشعر لأرسطو الذي كان يعتقد الجميع بأنه قد ضاع.[2]
لكن كتاب نجيب محفوظ لم يكن هو نفسه القاتل المسموم كما في رواية أمبيرطو إيكو: اسم الوردة، فلم تكن أوراقه وصفحاته مسمومة تقتل كل قارئ يتصفح الكتاب؛ ولذلك نفترض أن التأويل – تأويل المادة التخييلية التي يحتويها كتاب: أولاد حارتنا – هو الذي كاد يكون قاتلا، لا للقارئ، بل للكاتب نفسه.
يسجل ويتني س. بودمان، في كتابه: شعرية إبليس، أن عدداً من الدارسين والباحثين والنقاد يعتبرون هذه الرواية ” واحدة من الأعمال القليلة في الأدب العربي الحديث التي تتناول مباشرة موضوعا دينيا مثيراً للشقاق والجدل”[3]. فهي، في نظرهم، رواية ترصد حياة عائلة في حيٍّ من أحياء القاهرة، بوصفها رمزاً للعائلة البشرية، ويرمز فيها الجبلاوي إلى الله، فهو سيد العائلة والحارة، ويرمز الأبناء إلى الأنبياء( أدهم هو آدم، جبل هو موسى، ورفاعة هو عيسى، وقاسم هو محمد..)، أما إبليس فتمثله شخصية إدريس..[4].
والسؤال هو: أكانت الرواية تتناول فعلا موضوعا دينيا أم أن التأويل هو الذي كان دينيا؟ لماذا هيمن هذا النوع من التأويل الديني في قراءة عمل أدبي تخييلي؟ وهل يمكن أن نقول إن محاولة الاغتيال قد جاءت مباشرة بعد أن نال نجيب محفوظ جائزة نوبل؟ أيعني ذلك ظهور تأويل آخر للرواية، أكان هذا التأويل ذا طابع ديني أم أنه كان نقديا أدبيا؟ أكان الصراع بين تأويلين وراء محاولة الاغتيال؟
ما يبدو لافتا أننا أمام تأويل ديني للرواية كان بلا شك هو الدافع إلى محاولة اغتيال كاتبها؛ وهذا ما يسمح لنا بأن نتحدث عن التأويل القاتل. ولكن أليس من الممكن اليوم أن نعيد قراءة هذه الرواية من منظور مختلف وبتأويل جديد؟
بدلَ هذا التأويل – الذي سميناه بالتأويل الديني؟ – نفترض أن المقاربة النفسانية بإمكانها أن ترى شيئا آخر في هذه الرواية لم تلتفت إليه العديد من القراءات والدراسات والتعليقات التي كانت هي موضوعها وبغزارة.
3- من أجل تأويل جديد:
صراع الإخوة في رواية: أولاد حارتنا
نشرت رواية الروائي المصري نجيب محفوظ بالعربية تحت عنوان: أولاد حارتنا[5]، وظهرت لأول مرة في سلسلة حلقات بجريدة الأهرام المصرية، وذلك سنة 1959؛ وترجمت إلى الانجليزية تحت عنوان: أبناء الجبلاوي؛ ونظن هذا العنوان الأكثر إيحاءً بالموضوعة المركزية في هذه الرواية: التنافس والصراع بين أبناء الجبلاوي.
يتعلق الأمر بعائلة مصرية، عائلة ربها هو السيد الجبلاوي، والصراع الأساس الذي يميز هذه العائلة لم يكن بين الأب والأبناء، بل الصراع بين الأبناء، وإن كان الأب/ رب العائلة هو سبب هذا الصراع، لأنه فضَّلَ الابنَ الأصغر على الابن الأكبر. وبتعبير آخر، من الممكن أن نزعم أن الموضوعة المركزية: الإخوة الأعداء هي التي تناولها محفوظ بالسرد والكتابة من خلال محكي أدبي روائي موضوعه الأساس هو: عائلة بشرية، ممثلة في عائلة مصرية من العصر الحديث، ظهرَ صراعٌ بين أبنائها بسبب تفضيل الأب للأخ الأصغر على الأخ الأكبر..
ولذلك نفترض أن هذه الرواية التي ظهرت( سنة 1959)، أي سنوات قليلة بعد ظهور رواية نيكوس كازانتزاكي: الإخوة الأعداء( 1945)، كانت من الروايات العربية الأولى التي دشنت الانتقال من سؤال الأب( الذي كان مركز السرد والكتابة في روايات محفوظ السابقة، وثلاثيته خير مثال) إلى سؤال الأخ، فلم يعد الأمر متعلقا بعقدة أوديب، أي الصراع بين الابن والأب، بل عاد يتعلق بعقدة أخرى هي التي بدأت تظهر على أنها الأكثر أهمية بالنسبة إلى الرواية، وخاصة ما بعد الحربين العالميتين: عقدة الأخوة. فالصراع لم يعد بين الأب والابن، ولم يعد موضوع الصراع هو المرأة / الأم، كما في مسرحيات التراجيدي الإغريقي سوفوكل، بل إن الصراع الأساس هو بين الأخ وأخيه، وموضوع الصراع هو الأب: مَن مِنَ الإخوة يستحق أن يكون وريثاً للأب، وأن يتولى بالإدارة والرئاسة إرثَه المادي والرمزي؟
تبدأ الحكاية في رواية نجيب محفوظ بحدث كبير وخطير: استدعى الجبلاوي، الأب، أبناءه الخمسة، وأعلن فيهم أن أدهم هو الذي سيدير ممتلكاته. وكان ذلك صدمة بالنسبة إلى إدريس الذي كان الجميع يتوقعون أنه هو الذي سيشرف على ممتلكات الأب، لأنه الابن البكري والأخ الأكبر. وهو لم يفهم سببا لهذا التفضيل مع أنه وأشقاؤه أبناء خيرة النساء، في حين أن أدهم هو الأخ الأصغر، وفوق ذلك فهو ابن جارية سوداء من سلالة الخدم والعبيد.ولهذه الأسباب رفض إدريس أن يطيع أباه في أمره، وقرر أن لا يعود إلى بيت أخوه الأصغر أدهم هو رئيسه.
ولنسجل أيضا أن باقي الإخوة والأقارب كانوا يلومون أدهم، لأنهم رأوا في تعيينه مديراً لممتلكات العائلة ظلماً وعدواناً. وعلى الرغم من أن أدهم كان حريصا على أن يعود أخوه إدريس إلى العائلة والبيت، معتبراً الأخوة قيمة عليا تفرض عليه أن يعود به إلى البيت وسط أهله مكرما معززاً، فإن إدريس كان يعتبر أن العائلة التي تقوم على الظلم والعدوان لا يمكن أن تكون مكانا لهذه القيمة العليا: الأخوة. ولذلك اختار أن لا تكون هناك أخوة على الإطلاق بدل أخوة قائمة على الاستبداد والزيف والظلم والعدوان.
الخلاصة أنه إذا أردنا أن نعيد قراءة رواية: أولاد حارتنا للروائي المصري نجيب محفوظ، فلابد أن ننتبه إلى أنها من الروايات العربية الأولى التي جعلت من الأخوة سؤالها المركزي، وبالتأكيد في علاقة بمسألة الأب، فالأب هو سبب الصراع بين الأبناء وهو موضوعه أيضا، في بعديه: المادي( الممتلكات) والرمزي( الإدارة والرئاسة)، والسؤال الأساس هو: مَنْ يستحق أن يكون وريثاً للأب، ماديّاً ورمزيّاً؟
ولذلك، فإننا أمام رواية عربية تلفت الانتباه إلى أن عقدة الأخوة هي المدخل الرئيس من أجل فهم أو تفسير العائلة أو المجتمع، كما يبنيهما الإنسان، وأنه لا يمكن أن نقارب ” الرواية العائلية ” للإنسان من دون أن نستحضر تنافس الإخوة وصراعهم، ومن دون أن نأخذ بعين الاعتبار هذا الصراع بين الأخ الأكبر والأخ الأصغر. وما ينبغي له، في افتراضنا، أن يلتفت إليه الدارسون هو هذه الموضوعة: الإخوة الأعداء، التي لم تنل بعد ما تستحق من البحث والدرس، في الدراسات النقدية كما في التحليلات النفسية.
نجيب محفوظ، في افتراضي، قد حاول أن يقول بروايته ما سبق أن قالته روايات أخرى: أليس من دون دلالة أن تكون مسألة الأخ بكل هذا الحضور في الأدب الروائي الحديث: من الكاتب الفرنسي غي دو موباسان في القرن التاسع عشر إلى الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو الذي لم تكن روايته الأخيرة، سنة قبل وفاته، إلا بعنوان: قايين(2009)، مروراً بالكاتب الروسي دوستويفسكي في القرن التاسع عشر، والكاتب اليوناني كازانتزاكي في القرن العشرين؟ ألا يمكن أن نفترض أن نجيب محفوظ قد تناول بالرواية والتخييل سؤالا كان دوما حاضراً، بقوة وإلحاح، ومنذ أقدم الأزمنة، في العديد من المحكيات الأسطورية والدينية والأدبية: ماذا لو عدنا إلى قراءة الأساطير القديمة من أجل أن نلاحظ المكانة التي يحتلها الصراع بين الإخوة؟ ماذا عن مسألة الأخ في التراجيديا الإغريقية، وخاصة عند إسخيلوس الذي يُعتبَر أبَ المسرح الإغريقي، بل وعند سوفوكليس الذي قليلا ما نأخذ مجموع مسرحياته بعين الاعتبار؟ أليس من دون دلالة أن تكون أول مسرحية يؤلِّفها المسرحي الفرنسي جان راسين في القرن السادس عشر هي إعادة كتابة لمسرحية سوفوكليس التي تدور حول صراع الشقيقين؟ ماذا عن القصص الديني الذي ينطلق من أن القصة الأولى في تاريخ الإنسان هي قصة صراع بين أخوين: قابيل وهابيل؟ ولماذا خصَّ القرآن الكريم قصة النبي يوسف بسورة كاملة؟
ويبقى السؤال: أيتعلق ذلك التأويل القاتل بالكاتب الذي تجرأ فتناول موضوعا دينيا ممنوعا، وفوق ذلك من خلال جنس الرواية، بطريقة قد تكون استفزت أفراداً ومؤسسات وجماعات؛ أم أن ذلك التأويل جاء عنيفا وكاد يكون قاتلا للكاتب لأن الرواية لامست الجرح السري للمجتمع العربي الحديث: صراعٌ بين الإخوة العرب حول مَن يحقُّ له أن يكون وريثا للأب، للخطاب، للسلطة؟ لكن أهو جرح سريٌ خاصٌّ بالعرب، أليس الصراع بين الإخوة هو جوهر المجتمع الإنساني منذ بداياته الأولى؟ ألا تستحق رواية نجيب محفوظ: أولاد حارتنا نظرة أخرى، عناية مغايرة، على الأقل لأنها عادت بطريقتها الخاصة إلى سؤال إشكالي يهم فعلا العائلة البشرية، وطرحته باستمرار في تراثها، الأسطوري والديني والأدبي: ماذا عن هذا الصراع الأبدي بين الإخوة؟
[1] – عبد الفتاح كيليطو: العين والإبرة، دراسة في ألف ليلة وليلة، ترجمة مصطفى النحال، مراجعة محمد برادة،
نشر الفنك، 1996.
[2] – عبد الفتاح كيليطو: نفسه، ص 54.
[3] – ويتني س. بودمان: شعرية إبليس، بودمان، اللاهوت السردي في القران، ترجمة رفعة السيد علي، منشورات الجمل،
بيروت بغداد، 2017. ص 402.
[4] – نفسه، ص 402 – 403.
[5] – محفوظ، نجيب: أولاد حارتنا، دار الآداب، بيروت، 1986( الطبعة الأولى سنة 1959).