(مقاربات نقدية أولية لـ “أصغي إلى رمادي”- فصول من سيرة ذاتية)*
مقدمة:
تجنح السيرة الذاتية التقليدية عادة إلى المزج ما بين السرد التاريخي والأدبي وكثيراً ما يعتاش الثاني على الأول إلا أن الكاتب الطموح يتمرد على هذا القدر فيسعى لتحويل سيرته الذاتية إلى عمل أدبي ينفلت من إطار التصنيف المتعارف عليه للسير فيغدو العمل بمثابة رواية للأنا والآخر أيضاً. الكاتب العراقي حميد العقابي يتمرد على النمط المتعارف عليه للسير الذاتية من خلال الاستعانة بالسرد الروائي المتخيل ليكمل عبره فصول حياته التي كان قد قطع منها ما يزيد قليلاً عن أربعة عقود حين كتب عمله القيم “أصغي إلى رمادي”.[1]
بهذا المعنى فالكاتب في سرده بقصد الشهادة يعي تماماً أنها ستكون ناقصة لذا فهو يكملها بعدة الروائي المستندة إلى خياله ووعيه وبهذا يتخلص من السرد التاريخي التقليدي لمراحل حياته كما أنه يجترح رواية عبر سيرة حياته المغلقة بنهاية وضعها هو بنفسه بعيداً عن أقلام الآخرين من كتاب السير والتراجم. وفي هذا تكمن جدة المحاولة/ المجازفة التي جرؤ عليها الكاتب بسردية فيها من الرمزية المدفوعة إلى أقصى ممكناتها ما ينقذها من السقوط في النهايات العادية المنتمية فقط إلى الواقع المعاش.
كتاب الشاعر والكاتب العراقي المميز حميد العقابي “أصغي إلى رمادي” (فصول من سيرة ذاتية) يطرح أمام القارئ جملة من الثيمات الفكرية والادبية والحياتية أيضاً، بدءاً بالعنوان الفرعي “المضلِّل” للعمل بوصفه سيرة ذاتية وانتهاء بخاتمة الرواية التي خصص لها الجزء الثاني من الكتاب. من هنا فهو يستدعي عدداً كبيراً من المقتربات لدراسته نقدياً مما يجعل عملية الإحاطة بها في هذه الدراسة الأولية ضرباً من التنطع وإجحافاً لا نرغب فيه حتماً، وتبقى هذه السطور بمثابة إضاءات تعين على القراءة ولا توجهها.
كتابة السيرة والمهمة المستحيلة:
بوسع الكاتب عموماً، وكاتب السيرة الذاتية خصوصاً، أن يقنع القارئ بأي شيء سوى بصدقه الذي هو أمر منوط ومرهون بالقارئ وحده ولا سلطان للكاتب عليه. فهو قد يفلح في مهمته في خلق عوالم موازية للواقع وقد يتفوق في ذلك بحكم خبرته وحذلقته، ولكن ما يعجز عنه هو أن يجعل القارئ يصدق هذه العوالم وتلك الخبرات الانسانية ذلك أن الأمر مرهون بمنجز الكاتب وبصورته لدى القارئ. بمعنى آخر، إنه ما يفيض عن النص ليدخل في الجانب الخفي من عملية الكتابة وبعدها الأخلاقي الذي يسري كشفرة سرية في النص لتصل المتلقي، أو ربما لا تصله أبداً. والقارئ بدوره يشعر بصدق الكاتب فوراً ومنذ السطور الأولى أو لا يشعر، وكم من كتاب قرأناه وعجزنا عن إتمامه أو اختتمناه بشعور عميق بالخديعة أو الاستغفال لإحساسنا بأن الكاتب يمارس بهلوانية لغوية لإقناع القارئ بمصداقيته.
وهكذا تكاد تكون مهمة مستحيلة تلك التي يطمح إليها الكاتب لأنه كلما راودها فرت منه، وكلما تعمدها نأت عنه. والأمر يشتد وضوحاً ويتجلى في كتابة السيرة الذاتية على وجه التحديد، هذا الجنس الأدبي الذي شح في أدبنا العربي القديم والحديث معاً، ربما لانعدام الوعي بفردانية حياة الأشخاص الذي يدفع لاحقاً إلى التأمل والبوح والرغبة في تسجيل التجربة، بخلاف ما حدث في الغرب الذي شهد تطور النزعة الفردية منذ قرون. وكذلك لأسباب تتعلق بالموروث الإجتماعي وتابواته المتمثلة بالثالوث الأزلي: الدين والسياسة والجنس[2]، إذ كيف يتسنى لكاتب أن يكتب سيرته دون أن يخوض في هذا المثلث الخطر أو دون أن يلامس أضلاعه وهي ركائز الحياة بشقيها المادي والروحي!!
من هنا فإن التصدي لكتابة السيرة الشخصية بحد ذاته هو جرأة على التصدي لهذه المحرمات، وهو زعم كبير بأن التجربة الشخصية المعاشة تستحق التسجيل ومن ثم القراءة من قبل الآخرين، وهو إدعاء آخر لا بد من تبريره إبداعياً.
انطلاقاً من هذه المقدمة بوسعنا أن نقول إن الشاعر والكاتب حميد العقابي أراد ان يوصل إلينا مجموعة رسائل عبر كتابه ” أصغي إلى رمادي”، أولاها، إنه يمتلك تجربة إنسانية ثرّة، وإن لديه الجرأة على القول والقدرة على اقناع الآخر بأنه” رأى” وبأن ما رآه جدير بالتسجيل وبدعوة القارئ لمقاسمته إياه بلا إدعاء أو غرور. وهو يفعل ذلك متحاشياً بذكاء ما يسقط فيه بعض الكتاب في مقتبل العمر عندما يتخيلون سير ذاتية رامبوية لا علاقة لها سوى بأوهامهم ورغباتهم المكبوتة في اجتراح حيوات لم يدنوا منها قط إلا على مستوى الحلم أو الرغبة.
[1] ” أصغي إلى رمادي”- فصول من سيرة ذاتية. حميد العقابي. دار الينابيع، ط 1، دمشق، 2002.
[2] برغم كل ماشهدته منطقتنا العربية من تحولات في العقود الأخيرة وانتكاسات خطيرة في الأعوام الحالية تبقى دراسة الكاتب الراحل بوعلي ياسين في الدين والجنس والصراع الطبقي، “الثالوث المحرم” الصادرة عام 1972، صالحة في هذا الصدد.