فلاح حكمت اسحق*

الجامعة، منذ الترويج لمفهومها وإشاعة أهميتها المترافقة مع تأسيس الدولة الحديثة، ظلّت واحدة من أكثر البنى المؤسساتية عنتاً في المحافظة على سياقات عملها وكونها الحافظة لتراث العقلنة والثقافة فضلاً عن وظيفتها الجوهرية في صناعة ومناقلة المعرفة. ظلّت هذه الرؤية الكلاسيكية سائدة حتى مع ثورة التقنيات وتغيّر شكل العالم ووظيفة المعرفة معاً. الجامعات الأولى كانت أقرب لمؤسسات لاهوتية أورثوذوكسية الروح، ثم جرى تليين هذه النزعة اللاهوتية مع تغيّر الرؤية لوظيفة المعرفة وأهميتها في الحياة البشرية.

الكتابة عن التعليم الجامعي، وقبل هذا عن مفهوم الجامعة وتطوّرها خلال بضعة عقود، موضوعة أظنّها مشبعة بأعلى أشكال اللذة المعرفية، والكتب في هذا الميدان كثيرة. أعتقد أنّ مثل هذه الكتابات تتطلّبُ باحثاً ينذرُ حياته الأكاديمية لهذه المهمّة العسيرة. ربّما سننتهي، مثلما انتهيت، إلى أنّ الباحث السوسيولوجي والأنثروبولوجي جوناثان ر. كول Jonahan R. Cole، أستاذ جامعة كولومبيا المميز، واحدٌ من القادرين على النهوض بهذه المسؤولية الجسيمة التي اختصّها بسلسلة رائعة من كتبه. في كتابه “الجامعة الأمريكية العظيمة “ The Great American University، وهو مترجمٌ إلى العربية، يناقش كول العوامل التي جعلت الجامعات البحثية الأمريكية تتصدر المشهد الأكاديمي العالمي، متناولاً التوازن الدقيق بين حرية البحث العلمي والتمويل المؤسس، ومعرّجاً على إشكالات جوهرية في هذا الشأن. الفصل الأخير من هذا الكتاب البدين (يتجاوز 600 صفحة) عنونَهُ كول (رؤية للمستقبل: كيف نحافظ على الجامعة العظيمة كمنارة معرفية عالمية؟). كتب كول كتابه هذا قبل ما يقربُ من عشر سنوات، وأظنّه لو شاء له القدر أن يكتب هذا الفصل في أيامنا هذه لاختار له العنوان البديل: (هل ستبقى الجامعة العظيمة منارة معرفية عالمية؟). مياه مصطخبة فاضت وجرت تحت أساسات التعليم الجامعي في العقد الأخير، وهو الأمر الذي ينذرُ بتغيير حتمي في مفهوم الجامعة ووظيفتها المعرفية.
كلّ تغيير جوهري في حياتنا، أفراداً أم مؤسساتٍ، يبدأ بسؤال يبدو خارجاً عن سياق الأدبيات المتداولة. في لحظات التحول الكبرى، لا تتغيّر المؤسسات أوّلاً بل تتغير الأسئلة!!. السبب واضح: المؤسسات أبطأ في التغيير من الأسئلة، وكذلك لأنّ الأسئلة تخلقُ حافزاً للتفكّر والعزم على التغيير. التعليم ليس استثناءً من هذه المقايسة المُخْتَبَرة: حين تتغير الأسئلة التي نطرحها بشأن التعليم فهذا يعني أنّ بُنْية التعليم الكلاسيكي بدأت بالإهتزاز انتظاراً لتغيير متوقّع قادم بتنا نشهد مقدّماته الموضوعيّة.
حتّى سنوات قليلة مضت كان الحديثُ عن أفول دور الجامعة (الكلاسيكيّة) يبدو نوعاً من المبالغة أو الإستفزاز الفكري أو السياحة في ملكوت الألعاب الذهنيّة غير القابلة للتطبيق اليومي واسع النطاق. كانت الجامعات تُحسَبُ آخر قلاع المعرفة الرصينة، وحارسي مواريث الشرعية العلمية وتقاليدها، والمسلك الإلزامي نحو المستقبل المهني والإجتماعي الموصوف بِـ (المرموق). اليوم تبدّل الحال؛ إذْ مع التسارع غير المسبوق في تطوّر الذكاء الإصطناعي، لم يَعُد السؤالُ: هل ستتغير الجامعة؟ بل أصبح: ما الذي سيبقى منها، وما الذي سيطاله تغيير جذري؟
تصريحاتٌ كثيرة مثيرة للجدل الواسع – على شاكلة وصف الجامعات بأنّها (أماكن للهو) ومحرقة لأموال طائلة غير مجدية بالمفهوم الإستثماري الصلب – لم تعُدْ صادمة كما كانت؛ فالتغيير لا يطالُ شكل التعليم وحده بل يتعدّاهُ إلى فلسفة المعرفة نفسها. نحن، على ما يبدو، نقف عند بداية عصر تنوير جديد، لا يحرّرُ العقل من الخرافة وسلطة الهرم التعليمي فحسب بل يحرّرُ المعرفة من الإحتكار، ومن قيود الزمان والمكان، ومن منطق النُدْرة الذي حكم التعليم طويلاً.
مع تنامي إمكانيّات الذكاء الإصطناعي العالم يفرض سؤالٌ نفسه بقوّة:
هل دخلْنا عصر (علّمْ نفسك بنفسك)؟ لا أقصدُ بالتعليم هنا ذلك المعنى السطحيّ، مفرط الاختزالية في جوهره المفاهيمي، الذي يختزل التعلّم في دورات سريعة ومهارات سُوقية للإمساك بناصية خبرة محدّدة؛ بل أقصدُ التعليم بمعناه الجذري الذي جوهره السؤال التالي: هل أصبح الإنسان قادراً، للمرة الأولى في التاريخ، على بناء تجربة تعليمية كاملة، مُصمّمة بطريقة مخصوصة وقصدية له دون آخرين، على نحوٍ يتكيّفُ مع قدراته وسرعته واهتماماته، من غير الإعتماد الحتمي على مؤسّسة أكاديميّة مشخّصة (جامعة مثلاً) أو منهاج موحّد كما جرى الحال عليه في التعليم الكلاسيكي؟
الذكاء الإصطناعي لا يقدّم محتوى فقط بل يقدّم تجربة تفاعلية حيّة.
لا يشرحُ المعلومة فحسب بل يُصغي إلى طريقة التفكير، يلاحظ تردّد المتعلّم، ويعيد الصياغة حتى تصبح الفكرة مفهومة حقّاً. هذا ما يجعل التحوّل أعمق من مجرّد تطور تقني كلاسيكي.

*****
مفاعيلُ هذا التحوّل أعظم ممّا نتخيّل.
أوّلاً: نحنُ نشهدُ شيوع مفهومٍ يستبدلُ المعرفة كخدمة بالجامعة كسُلْطة. ظلّت الجامعات منذ سنواتها التأسيسيّة الأولى تمثّلُ سلطة رمزية بقدر ما كانت مؤسسة تعليمية. هي لم تحتكر المعرفة ذاتها؛ لكنها احتكرت تنظيمها، ومنح الشرعية الإجتماعية لمن يمتلكها. الشهادة الجامعية من جانبها لم تكن مجرد وثيقة رسميّة بل إعلاناً رسميّاً -مدعوماً بمرجعيّة سطوة القانون- بالكفاءة والإنتماء إلى طبقة المتعلّمين مع ما يمنحه هذا الإعلان من امتيازات رمزية ومادية. من البديهي أنّ هذه السلطة تشرع بالتآكل شيئاً فشيئاً حين تصبح أدوات التعلّم المتقدّم مجّانيّة ومُتاحة للجميع. حين يمتلك الفرد (معلّماً ذكيّاً)، يعمل بلا توقف، ويشرح بلا ملل، ويواكب تطور الفرد لحظة بلحظة من غير محدّدات الزمان والمكان والجغرافية والعِرْق والخلفيات السلالية والتراتبيات الطبقية فحينها نكون في خضمّ ثورة تعليمية جارفة تتمثّلُ فيها ديمقراطية حقيقية تكسر قواعد النخبوية الجامعية المصنوعة بالمال وحده. الأرستقراطية المعرفية التخبوية الجديدة المؤسّسة على القدرات الفردية المُمْتَحَنة من غير تحيّزات مسبّقة هي -بالتأكيد- أكثر أهمية وإنتاجاً من كلّ الأرستقراطيات السابقة لها.
ما يحدث اليوم يشبه -في عمق تأثيره الإنساني- ما أحدثته الطباعةُ في عصر النهضة؛ غير أنّ الطباعة وفّرت الكتاب، بينما يوفّر الذكاء الإصطناعي العقل المُساعد ليكون شريكاً معرفيّاً دائميّاً بديلاً عن وسيط أوحد جامد محكوم بمحدوديات عديدة.
الأمر الثاني: يختصُّ بالتعلّم الشخصي (وهو شكلٌ من أشكال التعلّم الذاتي). صار أقرب لممارسة يومية بعد أن ظلّ محض حلم يوتوبي عسير المنال في عقول أفراد خسروا -وخسرنا معهم- مواهبهم الثمينة التي دُفِنَتْ تحت رماد التعليم الكلاسيكي الذي يشتت الكثير من الموارد والطاقات، وقبل هذا الزمن الثمين. أثمنُ أنماط التعليم هو التعلّم الشخصي لأنّه مدفوعٌ بعنصر الشغف والرغبة في الإنجاز والإستكشاف وكسب معارف جديدة في أوقات قياسيّة ضمن حدود سنوات النشأة الأولى حيث العقل في أوج تألّقه المعرفي؛ لكنّما الواقع المدرسي والجامعي جعل تطبيق هذه الفكرة في معظم بيئات العالم شبه مستحيل. السياق واحد مع الجميع: مدرّس واحد، عشرات الطلّاب، منهاج موحّد، وزمن دراسي لا يسمح بالإنصات للفروق الفردية. اليوم، يغيّرُ الذكاء الإصطناعي هذه المعادلة غير العادلة؛ فهو قادر على تشخيص مستوى المتعلم بدقة، ومن ثمّ تكييف الشرح وفق نمطه الذهني، وإعادة المحاولة بلا حُكْم أو توبيخ، وتقديم تجربة تعليمية قائمة على التفاعل الفوري.
الأمر الثالث: نحن نشهدُ إنتقالة متصاعدة من خصخصة التعليم إلى شخصنته. الفارق النوعي بين الشخصنة والخصخصة شاسع وله مرجعياته الأخلاقية والسياسيّة. الخصخصة تنطلق من منطق السوق: تحويل التعليم إلى سلعة، وربْطُ الجودة بالقدرة على الدفع، وتعميق الفوارق الإجتماعية تحت لافتة مكذوبة عنوانها (حرّية الإختيار). أمّا شخصنة التعليم، كما يتيحها الذكاء الإصطناعي، فتنطلق من منطق مختلف تماماً: مواءمة التعلم مع القدرات الفردية، والميول، وسرعة الاستيعاب، والكفاءات الفعلية لكلّ إنسان. الذكاء الإصطناعي لا يسأل المتعلّم: كم تملك؟بل يسأله: كيف تفكّر؟ وأين أنت الآن؟ وما الطريق الأنسب لتتقدّم؟ حتى لو كانت بعض البرامج الدراسية غير مجانية فلن تزيد تكاليفها عن قدر بسيط من الدولارات. أين هذه التكلفة المُيسّرةُ من الرسوم الجامعية التي باتت تثقلُ ميزانية الأفراد في معظم بلدان العالم؟
الأمر الرابع: سيُعادُ النظر بمفهوم التخصّص الجامعي. عصرُ التنوير الأول غيّر معنى الفلسفة والعلم؛ أمّا عصر التنوير الجديد، عصر الذكاء الإصطناعي العام، فسيعيدُ تعريف التخصصات ذاتها. نحن أمام تحوّل جوهري في منطق التخصّص لا في محتواه فقط: ستتحوّل التخصّصات الصلبة إلى مسارات مرنة، وستُعاد صياغةُ العلوم الإنسانية بأدوات تحليل لغوي ومعرفي متقدمة، وستظهر تخصّصات هجينة تجمع التقنية بالفلسفة والأخلاق والسلوك الإنساني. في هذا السياق التعليمي يتراجع وزن المعلومة لصالح الفهم، والقدرة على السؤال، والخيال النقدي.
كذلك سيعادُ النظر في قيمة الشهادة الجامعيّة، وهذا هو التأثير الخامس للتعليم المدعوم بالذكاء الإصطناعي. حين يصبح بالإمكان قياسُ المهارة بأداء فعلي، وتوثيقّ التعلم بسجلّات أداء متراكمة؛ فما الذي ستخدمه شهادة جامعية قائمة على بضع إمتحانات؟ البديل الحقيقي والعادل عن الإمتحانات هو التقييم القائم على الأداء الحقيقي لا على الحفظ المؤقت. بهذه المقاربة سيتحوّل التعليم من مرحلة زمنية محددة إلى مسار حياة مفتوح. التعليم الحقيقي هو تعليم مستمرّ لا ينتهي بسنوات جامعية محدّدة. هذه هي فلسفة التعليم الجديدة.
*****
لكن ماذا عن الجامعات؟ هل ستختفي؟ لا أظنّ ذلك. لن تختفي الجامعات لكنها ستتغيّر بالتأكيد. ستتراجع وظيفتها في نقل المعرفة، وستصبح فضاءات للبحث والتجريب والحوار الإنساني، بينما سيتولّى الذكاء الإصطناعي مهمة التعليم المباشر.
التغافل عن هذا التحوّل التعليمي تحت ستار الحكمة التقليديّة ليس خياراً محايداً أو حكيماً. سيكون موقفاً مكلفاً. العالَمُ لا ينتظر المتخاذلين، والمعرفة لا تجمّدُ نفسها احتراماً للمناهج القديمة أو تماشياً مع طمأنينة زائفة عشناها طويلاً.
أظنّ أنّ هذا التعليم سيكون طوق نجاتنا الأخير بعد أن خسرنا كلّ الفرص الأخرى. ربّما قد ينجح لأنّه مرهون بجهد الأفراد، ولا يتطلّبُ بُنْية تحتيّة مكلفة، وقبل هذا هو ساحة متاحة للأذكياء والشغوفين بعيداً عن تغالب الفاسدين أو زعيق الصاخبين.
* كاتب ومهندس من العراق
You must be logged in to post a comment.