منوعات

امين صالح , من اجل حفنة من الوفاء

مقداد عبد الرضا مقداد عبد الرضا 15.09.2026

مقداد عبد الرضا / جريدة الصباح

سنوات مضت وأنا ما زلت ذلك المأخوذ بسينما ثيو أنجلوبولوس، منه تعلمت التأني والروية، ومنه تعلمت كيف أنصت إلى إيليني كارانددرو التي ساهمت بوضع أغلب أعماله الموسيقية. أتوقف كثيراً عند تحديقة أوليسيس، أحدق في لعب الممثلين الجوالين، منظر في السديم، خطوات اللقلق المعلقة.  تحديقات جمّة وضعني فيها هذا العبقري الذي راح بمزاج مراهق من فوق دراجة، يا للأسى. من هو أنجلوبولوس هذا الذي يرسم أعذب القصائد وأطولها دون أن ينتابني أي ملل؟ من يدلني على أطلسه؟ قرأت هنا وهناك بعض القصاصات. مهرجان كان يقف طويلًا ويصفق له يوم أن جمع الأبدية في يوم واحد. من هو هذا اليوناني الذي يسير الهوينا؟ فجأة يقع بين يدي كتاب براءة التحديقة الأولى: عالم ثيو أنجلوبولوس. أحدق طويلًا، أتعلم كثيراً.  اليونان تنفتح أبوابها مثل فجر يتسلل منه الضوء بهدوء. تحديقات جمّة، لكن لمن يتوجب عليّ أن أتوجه بالشكر؟ يلوح البحريني مهموم السينما الأستاذ أمين صالح، مشكوراً وبإسهاب طيب أغوص في ذاك الأطلس الرحب.  تترى كتب صالح عن السينما: النحت في الزمن عن شاعر السينما تاركوفسكي، سينما مطرزة بالبراءة عن كيارستمي، حوار مع الساحر فلليني، الوجه والظل، السينما التدميرية. إذاً ومن أجل كل هذا كيف نرد له الشكر ونحمل له العرفان على حسن صنيعه؟ سبعة عشر صديقًا ومعرفيًا يدبّجون تحياتهم للجهد الذي يبذله أمين صالح المنشغل بالكتابة والتحديق.

ينتمي أمين صالح إلى جيل عربي عرف السينما أولًا من خلال شغف المشاهدة، قبل أن تتحول لديه إلى معرفة وثقافة وممارسة يومية. ولم تكن الشاشة بالنسبة إليه وسيلة للمتعة العابرة، بل نافذة على ثقافات وأساليب وحساسيات فنية مختلفة. ومع مرور السنوات، يتحول الفيلم إلى نص مفتوح للقراءة، يمكن العودة إليه مرة بعد أخرى واكتشاف تفاصيل جديدة في كل مشاهدة. تكمن خصوصية الكتابة السينمائية الجادة في قدرتها على تجاوز الحكاية. فالفيلم ليس القصة وحدها، وليس ما تقوله الشخصيات أو ما يحدث لها، وإنما هو بناء متكامل تشارك فيه الكاميرا والإضاءة والمونتاج والموسيقى والصمت وحركة الممثل داخل المكان. (للسينما، كوسيلة تعبير، مدى تعبيري غير اعتيادي؛ فهي تشترك مع الفنون التشكيلية في حقيقة كونها تكويناً مرئياً يسقط على سطح ذي بعدين، ومع الرقص في قدرتها على معالجة الحركة المنسقة، ومع المسرح في قدرتها على خلق كثافة درامية للأحداث، ومع الموسيقى في قدرتها على التأليف في إطار الإيقاع والجمل الزمانية، كما يمكن تواجد الأغنية والآلة الموسيقية، ومع الشعر في قدرتها على وضع الصور إلى جانب بعضها، بالتجريد المعروف في اللغة). والناقد الذي يتوقف عند الحكاية يفقد جانبًا أساسيًا من معنى السينما، لأنها فن يقول بالصورة أحيانًا ما تعجز الكلمات عن قوله. لهذا تبدو تجربة أمين صالح مرتبطة بالبحث في اللغة الخاصة بكل مخرج. فالمخرج الحقيقي لا يُعرف فقط بالموضوعات التي يختارها، وإنما بالطريقة التي يرى بها العالم.هناك من يبني أفلامه على الإيقاع البطيء، ومن يعتمد الصمت، ومن يجعل المكان شخصية قائمة بذاتها، فيما يضع آخرون الإنسان في مواجهة ذاكرته أو خوفه أو وحدته. مهمة الكاتب هنا ليست إصدار الأحكام السريعة، بل محاولة الدخول إلى ذلك العالم وفهم منطقه الداخلي.وهذا النوع من الكتابة يحتاج إلى فضول دائم. فالناقد لا يستطيع الاكتفاء بما يعرفه، لأن السينما نفسها لا تتوقف عن التحول. مدارس تظهر، وأجيال جديدة تدخل المشهد، وتجارب تأتي من بلدان لم تكن حاضرة بقوة في الثقافة السينمائية. ومن يريد متابعة هذا العالم يحتاج إلى قراءة مستمرة، وإلى معرفة بالتاريخ والفنون والأدب والموسيقى والفلسفة، لأن الفيلم وكما أسلفنا في النهاية يلتقي بكل هذه الحقول ويستفيد منها. وربما لهذا السبب احتلت الترجمة مساحة مهمة في مشروع أمين صالح. فالترجمة عنده ليست نقلاً لغوياً محضاً، وإنما جسر يصل القارئ العربي بتجارب سينمائية قد تظل بعيدة عنه لولا وجود من يقدمها إليه. وعبر هذا الجهد دخلت إلى دائرة القراءة العربية أسماء وتجارب وحوارات ونصوص تتصل بمخرجين وسينمائيين من ثقافات مختلفة.إن أهمية هذا العمل تتضاعف حين ندرك مقدار ما تفتقده المكتبة العربية من الكتب السينمائية المترجمة، ولا سيما الكتب التي تتجاوز المعلومات العامة إلى تجارب المخرجين أنفسهم: كيف يفكرون؟ كيف يختارون الممثل؟ كيف يتعاملون مع الضوء؟ ولماذا يفضلون لقطة طويلة على سلسلة من اللقطات القصيرة؟ وكيف تتحول فكرة صغيرة في ذهن المخرج إلى عالم كامل على الشاشة؟ من هنا تصبح الكتابة عن المخرجين محاولة للاقتراب من عملية الخلق السينمائي ذاتها. فالمشاهد يرى النتيجة النهائية، لكنه لا يرى غالبًا سنوات التفكير والشك والتجريب التي تقف خلفها. والكاتب السينمائي يستطيع أن يفتح نافذة على هذه المنطقة الخفية، فيجعل القارئ شريكًا في اكتشاف الكيفية التي يولد بها الفيلم.  وفي زمن أصبحت فيه الأفلام متاحة بكثافة غير مسبوقة عبر المنصات الرقمية، تبدو الحاجة إلى النقد أكثر إلحاحًا، لا أقل. فوفرة الأفلام لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة. قد يشاهد الإنسان مئات الأعمال ويبقى أسير النظرة نفسها، بينما يمكن لفيلم واحد، إذا جرى تأمله بعمق، أن يغير فهمه للسينما. كما أن سرعة الاستهلاك المعاصر خلقت نوعًا من المشاهدة التي تنتقل من فيلم إلى آخر قبل أن تترك للصورة وقتًا كي تستقر في الذاكرة. وهنا تستعيد الكتابة النقدية وظيفتها الأساسية: إبطاء المشاهدة، والعودة إلى اللقطة، والتساؤل عن معناها، وربطها بما سبقها وما سيأتي بعدها.إن مسيرة أمين صالح الطويلة تكتسب قيمتها من هذا الإصرار على إبقاء العلاقة بالسينما حية ومتجددة. فالكاتب الذي يواصل اكتشاف الأفلام بعد عقود من المشاهدة لا يتعامل مع السينما بوصفها أرشيفاً انتهى، وإنما فنًا لا تزال أمامه احتمالات مجهولة.ولعل أجمل ما يمكن أن تمنحه تجربة كهذه للأجيال الجديدة هو الإيمان بأن الثقافة السينمائية لا تُبنى بكثرة المشاهدة وحدها، وإنما بنوعية السؤال الذي نطرحه أمام الشاشة.  فالفيلم ينتهي حين تظهر أسماء العاملين عليه، لكن بالنسبة إلى الناقد الحقيقي قد تكون تلك اللحظة هي بداية الفيلم من جديد؛ هذه المرة داخل الذاكرة، حيث تتحول الصورة إلى سؤال، والسؤال إلى كتابة.. أخيراً لا بد من توجيه الشكر لمؤسسة جسور وجهدها في رفدنا بهذا التحديق، الكتاب، البديع. See less

مقداد عبد الرضا
عن الكاتب
مقداد عبد الرضا

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←