فلسطينيات

باسم والخندق بين الخاء والحاء

ألدو نيكوسيا ألدو نيكوسيا 29.09.2026

باسم والخندق بين الخاء والحاء

من خلال تدريسي العربية لاحظت أن معظم الطلبة الطليان يشوهون نطق الحاء والعين أكثر من الخاء والغين، وبفضل هذه التجربة أدركت مدى بُعد لكنة الأشكناز الأوروبيين الصهاينة عن القواعد الصوتية للعبرية.

ألدو نيكوسيا

26 سبتمبر 2026 من موقع www.rehba.net

منذ 78 سنة يحاول المشروع الاستعماري الإسرائيلي طمس الملامح الثقافية للشعب الفلسطيني من خلال تهميش اللغة العربية. في رواية باسم خندقجي “قناع بلون السماء” (2023)، يتخذ البطل نور قناع هوية يهودي أشكنازي، مقلدًا لغته ومراجعها الثقافية، ويخوض معه مواجهةً حادة. لإظهار مدى عملية المسخ الممنهج ضد الشعب الفلسطيني، يستنجد الكاتب ببعض المقارنات الميتالغوية بين العربية والعبرية. فلا شك أن الصراع يجري حتى في ملعب اللغة، خصوصًا في مجال علم الدلالات الصوتية، فيركز الراوي على عدم وجود بعض الحروف في العبرية الأشكنازية مقارنة مع العبرية الشرقية. مثلا في الأشكنازية الحاء والعين يتم استبدالهما بالخاء والهمزة، إضافة إلى مظاهر صوتية أخرى مثل نطق الراء القريب جدا من الغين.

حرفا الغين والخاء لهما مخرج في أدنى الحلق أي الجهة الأقرب للفم. في الجهة الأعمق يوجد مخرج حرف الحاء، نفس الشيء بالنسبة لحرف الغين فإذا ابتعدنا عن مخرجه للداخل، أصبح الحرف المنطوق هو العين. بشكل مجازي، يعني ذلك أن الحرفين العربيين أعمق من نفس الحروف العبرية التي يشوهوها الأشكناز. ولا أحد ينكر هنا أن الحاء رقيقة والخاء والغين غليظتان.

من خلال دوراتي لتدريس العربية في جامعتي لاحظت أن معظم الطلبة الطليان يشوهون نطق الحاء والعين أكثر من الخاء والغين، لأنهما حرفان موجودان في بعض اللغات الأوروبية. في نفس الوقت، بفضل هذه التجربة أدركت مدى بُعد لكنة الأشكناز الأوروبيين عن القواعد الصوتية للعبرية. فعلا الحاء صوت حلقي احتكاكي، ويتطلب إصداره زفيراً شديداً، مثل النفخ لإطفاء شمعة، أو تضبيب مرآة بالنفس.

أما الخاء فهو صوت احتكاكي حلقي، بلا نفخ ولا تفاعل مع أي مرآة. لا أخفي كراهيتي لحرفي الخاء والغين، على حد سواء، فلا أزال أحذر دائما طلبتي خلال الدروس: “عندما تصطدمون بأحد من هذين الحرفين في بداية الكلمة فلا تتوقعوا أي معنى إيجابي للكلمة، على الإطلاق”.

كثيرًا ما يدل حرف الخاء في بداية الكلمة على معاني الانفصال والخلوة. كما يرتبط بالخفايا، مثل حرف الغين، وإذا أخذنا بأُذن وعين الاعتبار معظم الكلمات التي يرد فيها هذا الحرف، في بدايتها فنجدها مسمّيات أو صفات قذرة أو محرمة مثل: خسارة، خسف، خساسة، خيبة، خدعة، خزي، خمج، خيانة، خضوع، خنوع، خبل، خمول، خبث، خراب، خمر، خنزير، خوف، خذلان، خدش، خرق، خرف، خصومة، خطر، خطأ، خطف، خلل.. إلخ. ومن بين الكلمات التي تنتهي بهذا الحرف هناك: وسخ، مسخ، فسخ، صرخ، وبَّخ، شرخ.. إلخ.

حولت اللكنة الأشكنازية حتى صوت الكاف إلى الخاء، حسب موقعها في الكلمة، مما يجعل هذه اللغة أكثر خائيةً.

في رواية “قناع بلون السماء”، يستطيع نور، وهو شاب فلسطيني من مخيم للاجئين، لَبسَ قناع هوية اسرائيلي أشكنازي، بسبب مظهره الخارجي (عيناه زرقاوان وشعره طويل فاتح اللون)، إضافة الى إخراجه الكثير لهذه الخاءات الأشكنازية من فمه.

من بين القضايا الكولونيالية، تتناول هذه الرواية إشكالية الهيمنة اللغوية في سياق الاحتلال الإسرائيلي في عصرنا الراهن، منعكسة وضعًا لغويًا يشهد إقبالًا متناميًا لدى العديد من الفلسطينيين تجاه اللغة العبرية داخل حدود فلسطين المحتلة عام 1967، بدافع الضرورة الاقتصادية، وتسهيل إجراءات الدولة الصهيونية ولفهم المجتمع الإسرائيلي. وقد كانت الحرب على اللغة العربية سياسةً مُطبقة منذ السنوات الأولى لتأسيس الكيان الصهيوني، بهدف طمس الثقافة الفلسطينية.

أحيانًا، يشي خيار تبني النطق الأشكنازي من قبل الفلسطينيين في فلسطين المحتلة عام 1948 بدخول مرحلة جديدة متوهمة من “الاندماج”. يُصوّر فيلم “حمى البحر المتوسط” (2022)، للمخرجة الفلسطينية مها حاج، هذه الظاهرة الخطيرة بوضوح. عندما تتحدث ابنة وليد، بطل الفيلم، العبرية في المنزل، يُوبخها هو على ذلك. ثم في مشهد آخر يحذر وليد جاره بضرورة الحفاظ على أسماء الأماكن العربية في حيفا.

في رواية “قناع بلون السماء”، يخبرنا الراوي العليم بترتيب اللغات الثلاث لدى البطل: “كانت العربية لغة قلبه، والإنجليزية لغة عقله، والعبرية لغة ظله وملامحه الأشكنازية”. فهو يريد تعلمها “لكي يحمي نفسه ممن يتفوهونها”. على إثر ارتداء هذا القناع يصاب نور بأزمة وجودية تستحضر عقدة محاكاة المستعمَر للمستعمِر، ولكن مبرره معقول وهو الكشف عن أسرار مريم المجدلية.

يؤكد الراوي أكثر من مرة على مراحل نضوج البطل الفكري. فمن مرحلة يحس فيها بقوة جاذبية اللغة العبرية بلكنتها الأشكنازية إلى مرحلة السأم من تلك اللغة “الخائية”. يساهم في إحداث هذا التحول الجذري شخصية شابة فلسطينية، حاملة جواز سفر إسرائيلي بنوع من الاشمئزاز، تشتغل معه في موقع التنقيب الأثري. اسمها سماء إسماعيل وذلك الخيار ليس من قبيل المصادفة. فهكذا يعقّب نور على اسمها وأصلها: “إسماعيل من حيفا، يا لحرفي العين والحاء، حين نزلا بردًا وسلامًا على قلبه!”. ثم يضيف لشرح مدى انفعاله: “بضع كلمات عربية يا رجل لطرد برد الغربة.. بضع دفء مستمد من حروف عربية.”

النتيجة الحتمية لهذا النضوج في شخصية نور هو تخليه عن القناع الذي توفره له بطاقة هويته الإسرائيلية. فيستبدل “الماسك” أو “المسخ” (القناع السماوي بلكنته الأشكنازية) بوجود سماء أُخرى وهي رفيقته الفلسطينية. يتصالح نور مع نفسه ولغته ومع سماء، فيتخلى عن الخاء المخدوشة باتجاه الحاء المحررة.

تعود رواية “سادن المحرقة”(2024) لباسم خندقجي إلى هذه الظواهر الصوتية، ولكن هذه المرة ينقلب الوضع رأسا على عقب، لخلق مشهد متماثل، من القطب المعاكس: أور شابيرا وهو نفس الجندي الإسرايئلي أحد أبطال “قناع بلون السماء” يحلم …بالعربية أحلامًا “مختلة” لأنها “تتردد في أرجائها أصداء الهمس المخيف للغة العربية”. ثم يقرر تعلمها من مريم الفلسطينية من الجليل، فيصف الراوي لهجتها بأنها “خفيفة ومتخففة من الخاء والشين والقاف”.

هكذا يتواصل موضوع هوس خندقجي بالحروف، خاصة بحرف الخاء. ربما بالنسبة له يمثل هذا جانبًا من الصمود والكفاح للحرية من عالم أصوات الشخير المحتل.

ألدو نيكوسيا
عن الكاتب
ألدو نيكوسيا

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←