أدب ونقد

أقدام عفاف في (التانكي) وما وراء (التانكي)

إنعام جابر إنعام جابر 29.09.2026

إنعام جابر

في روايتها (التانكي) الصادرة في 2019 عن منشورات المتوسط في طبعتها الأولى تقدم لنا عالية ممدوح سيرة تتمدد من شارع التانكي وتنتهي في البوزار في باريس.

 تقدمنا عالية ممدوح من الصفحة الأولى من الرواية الى عائلتها عن طريق (صميم) المؤلف الذي سيتولى كتابة الحكاية فتعرفنا على أيوب الوالد وبيبي فاطم والوالدة مكيّة والخالة سنية والخالة فتحية والابن البكر هلال وهي، الأبنة عفاف صاحبة السيرة الجدلية.

وتظل عفاف الخيط الذي يربط كل المشاهد وكل الأحاديث وقطع الذاكرة المتناثرة على ألسنة الأهل والأصدقاء والصديقات والأم والخالات والأب والعم مختار المحامي الذي بقي أعزبا ولم يقرر الزواج والخال سامي الذي مات منتحرا وهو في ريعان الشباب وصديقة عفاف، طرب، الخزّافة، ومعاذ الالوسي أستاذ الفن في أكاديمية الفنون الجميلة الذي أثّر على عفاف فقررت أن تترك كلية الهندسة وهي في المرحلة الثانية إلى اكاديمية الفنون الجميلة والدكتور كارل فالينو الذي تراجعه عفاف، ويونس النحات وغيرهم و كلهم يساعدون عفاف في فهم نفسها وتساعدهم هي في فهم أنفسهم. ويقول كارل فالينو كانت عفاف تضايقها فوق التصور كلمات مثل:

هل أنت مهاجرة؟ أم لاجئة؟ أم منفيّة؟

فتطلق قهقهة ساخرة، وهي تجيب الدكتورة مليكة ادريس قائلة: أرى نفسي في الحالات الثلاث وأكثر، مربوطة اليدين من الخلف، ووجهي نحو الحائط، والجدار ممتليء بثقوب من الرصاص، لكني أسير في شوارع مدينتكم الجميلة …والتي دائما تذكرني، أنني نسيت شيئا ما هنا، فأنكس رأسي، وأبصر قدمي، وأنا أحبهما جدا جدا. فعندما نترك بلدنا، يا ترى هل تبقى أقدامنا هناك، ونحضر بعكازين لطيفين يثيران الشفقة في نظراتكم الينا.. ربما نحضر بقدم واحدة فقط، وضدّا لأرادتنا، ونترك الثانية هناك، وأيضا ضد ارادتنا.”

في حقيقة الأمر ترددت كثيرا وشعرت بالألم وأنا أحاول الكتابة عن رواية التانكي، أقول شعرت بالألم لأني شعرت أنني أتعامل مع نص شعري وليس قصصي، قصيدة طويلة مكتوبة بإيقاعات متنوعة عن عوالم متعددة تجول فيها نفس يصعب وصفها والحديث عن طبيعتها وعن أحاسيسها ومشاعرها، وكاتب هذه القصيدة يمشي ليس لا على هدى الخرائط ولكن وفق خطوط ترسمها ” القنادر” التي تصحبها الأقدام، بلدان وأماكن وأقدام وقنادر “كانت قندرتي وانا أجوب بها الشوارع والأمكنة كلها شديدة القرب مني، وكان اعجابي بقدمي يزداد تيها، فأراه أمامي وقد تحول الى شخصية،

“فقدمي هي الأنا التي أخاف عليها الاندثار، فكنت استدعيها الى صفي أكثر من أي رجل آخر أو.. أو بلد أو مدينة أو خالة أو عشيق.. قدمي شخصية واقعية أكثر مني”.

الكل مشغول بعفاف وعفاف أولهم وفي المقدمة وهي تربطهم ببعض وهم يرتبطون بها وهم وهي مشغولون بالعراق ومن أجل العراق ولا سيما عراق شارع التانكي الذي عاشوا فيه واضطر البعض مغادرته وهجرانه بعد أن تراكمت المآسي وانتحرت الآمال وانقطع الرجاء وبعد أن استحال أمر بناء عالم جديد حرص أستاذ، معاذ الآلوسي، على بنائه متمثلا بذلك العالم المكعب، وصار هباء منثورا.  

كان هلال، أخو عفاف، أيضا من الفارّين من الوطن الحلم ومن الذين فشل معاذ الآلوسي من جذبه الى المكعب “أنا هلال أيوب وفيما بعد، وأنا أشاهد حمولة الراجمات والصواريخ الأمريكية، أرى وأقرأ وأترجم ما أسقط في الحرب الأولى علينا التي استمرت 42 يوما وألقيت 88.55 طنا من الذخائر، ما يعادل سبع قنابل ذرية من حجم هيروشيما، أي ما يعادل قنبلة ذرية في كل أسبوع.”

صحيح (التانكي) رواية سيريه ولكنها تمتاز بأسلوب يزيد من كثافة الأصوات فيها فيتداخل الخاص بالعام والتاريخي بالواقعي والخيال بما وراء الخيال، والذاكرة بالألم. تبدأ عالية ممدوح الرواية في شارع التانكي وتنهيها في شارع التانكي وأهل شارع التانكي، حوارات ومناقشات وهلوسات ومناجات وأحلام وأمراض أجنبية وبلدية، والقنادر والأقدام فيها تتولى مهمة حصد الغربة وفتح الطرقات وتشرع بحوار لا ينقطع تعود بها الى بيبي فاطم والخالتين فتحية وسنية وخالها، سامي، الذي انتحر وهو في ريعان الشباب وعمها، مختار، المحامي، وابيها، أيوب، مشت معهم في شارع التانكي وعاشت في منطقة السفينة وبقيت (القندرة) القارب الذي ينقذها من نفسها ومن هواجس عوالم الفن والرسم والمعارض.  وبقي هذا المنقذ السحري (القندرة-الحذاء) في الوقت ذاته غريبا عنها رغم قربه منها” ففي غالب الأحيان لا يتعرف على قدمها، فيكبر نمرة جديدة فيتضاعف رضوخها للقنادر…”

أكرر أن رواية ا(لتانكي) قصيدة يصعب الالمام بكل عوالمها. وربما يكون البديل هو أن يشعر القاريء بنكهة خرائط الأمكنة فيها ويتيه مرتاحا في ارجاء خرائط النفوس فيها.

ولا أدري إن كان القارئ سيشعر مثلي بعد الانتهاء من قراءتها- أنا قرأتها ولكني أشعر أني لم أقرأها!

إنعام جابر
عن الكاتب
إنعام جابر

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←