استعراب واستشراق

إدوارد سعيد وبرنارد لويس: الجرح والسكّين

عبد الله إبراهيم عبد الله إبراهيم 08.10.2026

ليس في واردي الحديث عن العلاقة المتوتّرة بين إدوارد سعيد وبرنارد لويس؛ فقد كتب كلٌّ منهما عن الآخر، والخلاف بينهما مشهور بين الدارسين للاستشراق، وفيه كَشَفَ سعيد تحامُل لويس عليه، وردَّ الأخير بأنّ الأوّل غير مؤهّل للخوض في الاستشراق، فهو أستاذ أدب، وليس ضليعاً في التاريخ.
ومع ذلك، فقد تداعت أصداء تلك الخصومة إلى ذهني حينما تقدّمت في قراءة سيرة لويس “هوامش على قرن مضى”، وقارنْتها بسيرة سعيد “خارج المكان”، التي قرأتها قَبل أكثر من عشرين سنة، والمفارقة أنّ الاستشراق لا يكاد يكون له فيهما موقع مركزيّ، مع أنّ الرجليْن انخرطا في معمعته، وشغل كلّ منهما، في سيرته، بأمرٍ مختلف. عنيَ لويس باستعراض حياته الأكاديميّة الطويلة، ومؤلّفاته الكثيرة، وعلاقاته بالسياسات البريطانيّة والأميركيّة في الشرق الأوسط مُحاوِراً ومُستشاراً، وعنيَ سعيد بأمر اقتلاعه من وطنه فلسطين، وتلقينه الثقافة الاستعماريّة في كليّة “فيكتوريا” في القاهرة إبّان صباه وشبابه، ثمّ انتقاله من مكانٍ إلى آخر، من دون أن يعثر على مكانٍ يستقرّ فيه.
والاختلاف في محتوى السيرتَيْن يكشف عن اختلافٍ أعمق في موقع كلّ منهما من ناحية التجربة التي يرويها، والهويّة التي يَنتمي إليها. كنتُ قرأتُ معظم كُتب سعيد ولويس قَبل أن أقرأ سيرتيْهما، بدأتُ في ذلك منذ حوالى منتصف الثمانينيّات من القرن العشرين، أي قَبل حوالى أربعين سنة من زمن كتابة هذه المقالة؛ ومضيتُ في ذلك ما استطعت. ومن ثمّ فلم أقرأ سيرتيْهما خالياً من تلك التجربة. في الحقيقة، كنت أترقّب ثمرها، لأنّني من الآخذين بأهميّة السياق التاريخي الحامل لأحداث السيرة الذاتيّة، وأراها تتنزّل في التخوم الفاصلة/ الواصلة بين السرد والتاريخ، بغاية بناء الهويّة الشخصيّة لكاتبها، واعتباره شاهداً على عصره.
قرأتُ “خارج المكان” في ذروة اهتمامي بإدوارد سعيد، والكتابة عن بعض أعماله، فوجدتُ أسلوبَه أرفع من أسلوب لويس، وطريقتَه في الكتابة تروق لي لأنّها تُراعي أعراف الكتابة السرديّة التي أُدافع عنها. وإلى كلّ ذلك، وهو الأهمّ عندي، أنّ سعيداً لا يَكتب مدّعياً موقع الفاعل كما هو شأن لويس، وإنّما يروي متأثّراً بما وَقع عليه من ضرر؛ فلا يَجعل من نفسه بطلاً للتاريخ، بل يَجعل تجربتَه موضوعاً لبيان ما صنعه التاريخ به. وبعبارةٍ أخرى، فهو يَكتب من منظور الضحيّة الذي لم يَفقد وطنه فحسب، بل تلقّى تعليماً استعماريّاً أسهم في قطْعِ صِلتِه بهويّته الثقافيّة، ثمّ حاول، في النصف الثاني من حياته، استعادتَها؛ لكنّها استعادةُ مَن كان “خارج المكان”؛ فإدوارد عالق بين الأمكنة والأزمنة والثقافات. وقد أَكسب ذلك الموقعُ القَلِقُ سيرَتَهُ حساسيّةً خاصّة لا تتوافر في سيرة لويس، الذي كان قريباً من دوائر القوّة الاستعماريّة التي صنعت تاريخ الشرق الأوسط، ومنه تاريخ فلسطين، وطن إدوارد سعيد.
وقرأتُ سيرة برنارد لويس في سياقٍ تحليلي للظاهرة الاستشراقيّة، والفصل في أمر علاقتها الشائكة بالإرث الشرقي، وبالقوى التي تولّت إعادة تشكيله وفق ما تريد؛ فهو ليس وسيطاً نزيهاً بين الغربيّين وأهل الإرث الشرقي، وإنّما وصيٌّ على ما يتعيّن أن يعرفوه عنهم، وما لا يتعيّن، وعلى الطريقة التي ينبغي أن يُفهم بها ذلك الإرث. والأهمّ أنّ تجربته لم تبقَ في حدود الموقع الأكاديمي؛ فانتقلت معرفتُه بالشرق من حَرَمِ الجامعة إلى دوائر السياسة، فلم يَعُد الاستشراقُ عنده معرفةً مستقلّة بذاتها بقدر ما صارت معرفةً قابلة للتحويل إلى غرضٍ سياسيٍّ فاعلٍ في ترتيب العلاقة بين الغرب والشرق. ليست تلك تهمة يُرمى بها لويس من دون دليل، فقد صرَّح في سيرته أنّه من الذين يكتبون عن الإرث الشرقي نيابةً عن الشرقيّين الذين لم تتوافر لهم الفُرص للكتابة عنه، لأنّهم يعيشون في مجتمعات غير حرّة، وينبغي أن ينوب الأحرارُ عنهم في كتابة تاريخ مجتمعاتهم. وتلك وصاية وليست وساطة: فالوسيط يُعرّف بصورة الآخر لمجتمعه. أمّا الوصي فيتولّى تحديد الصورة التي ينبغي أن تكون عليها تلك المجتمعات. وصاية صريحة، صدرتْ عن عظمة اللّسان، لا عن عضلته؛ ومصدرها الثقة المفرطة في أن يتولّى المستشرق تمثيلَ ثقافة الشرق. أي أنّه مَن يملك حقَّ الكلام عن الشرق، وحقَّ تفسير إرثه، وتحويل معرفته به إلى سلطة تسيطر عليه.
وفي وقتٍ غاصَ فيه سعيد في تجربته الذاتيّة، وبخاصّة طفولته وصباه، وبين الأسباب التي أرغمته على الانفصال عن مكانٍ أصيل، وعدم النجاح في الاتّصال بمكانٍ دخيل، وهي قضيّة ترتقي إلى المنزلة الأولى في الأهميّة في العصر الحديث، ظهرَ لويس عاجزاً عن الخوض في تلك القضيّة الشائكة؛ لأنّه لم يكُن مضطرّاً إلى أن يعيش تمزّقها بالطريقة نفسها، مع أنّ هويّته المُلتبسة تُمكّنه من طرْقِ تلك القضيّة الشائكة ذاتها، وتعرّض للانتقال من بريطانيا إلى الولايات المتّحدة، كما تعرّض سعيد من قَبله إلى التجربة عينها، ولكن لأسبابٍ مختلفة تماماً. كان سعيد نتاجَ تاريخٍ اقتلَع صاحبَه من مكانه. أمّا لويس فكان جزءاً من جهازٍ معرفيّ غربيّ اتَّجه إلى فهْم ذلك المكان من خارجه، ثمّ امتلكَ، بحكم موقعه، قدرةً على التأثير في الطريقة التي يُعاد بها تعريفه، وأسهم في إحلال قوم الظافر محلّ قوم الخاسر بناءً على سرديّةٍ مزيّفة. ففي محاولة منه لتجاوُز موقعه الدينيّ القلق، اتّجه إلى خدمة المشروع البريطاني، ثمّ بالغَ في ذلك، بعد انتقاله إلى الولايات المتّحدة، حينما وضع خبرتَه في خدمة مشروع الهيْمنة الأميركيّة. كشفتْ سيرتُه خدمتَه في الاستخبارات البريطانيّة، وعلاقاتِه الواسعة بالملوك والرؤساء ورجال السياسة في الشرق الأوسط، وتقديمه المشورة لصانعي القرار في أخطر القضايا الخاصّة به.
وكان على صلةٍ وثيقة بالإدارة الأميركيّة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول من العام 2001، ونهار احتلال العراق في 20 مارس/ آذار من العام 2003. وكان يجتمع بنائب الرئيس الأميركي في مكتبه، ويتباحث مع فريقه في شؤون المنطقة. قال “كانت مهمّتي ليست تقديم اقتراحات سياسيّة، وإنّما توفير المعلومات الأساسيّة، أي بعض التفاصيل والمعلومات التي يَجري أخذها في الاعتبار عند صنْع القرارات السياسيّة”.
وفي وقتٍ جاءت سيرةُ سعيد متماسكة، قويّة الاعتراف، مشدودة إلى سؤال المكان والهويّة والاقتلاع، جاءت سيرةُ لويس مُشتّتة، حاملةً قدراً كبيراً من الإنكار، أو على الأقلّ من الامتناع عن مُساءلة الذّات التّابعة. وبَدل أن يكتب سيرةً معمّقة تتوقّف على التحوّلات التي صنعتْ موقفه من الشرق، تمادى في ذكْرِ أسفاره، وكُتبه، ولقاءاته برجالات الدول في الشرق الأوسط وفي غيرها، ووصْف الولائم والاجتماعات والمناسبات الشخصيّة، وكأنّ كثرة الأسماء والأماكن تكفي لتخلع الأهميّة على سيرته. ولو لم يكُن جزءاً من دوائر المعرفة التي كان أصحاب القرار يحتاجون إليها، لما أُتيح له ذلك الحضور في الاجتماعات واللّقاءات والمناسبات التي يَفخر بذكرِها.
أمّا سعيد، فعلى الرّغم من نزعة الكبرياء التي غمرت سيرته، فقد أُرغم على أن يكون من ضمن سرب الضحايا في التاريخ، وكان واعياً لذلك، ما جَعله غاضباً ومتبرّماً. وبذلك يتّخذ النّزاع بين الرجليْن بُعداً يتجاوز الخلاف الشخصي أو الأكاديمي: إنّه نزاع بين مَن يكتب التاريخ من موقع القوّة، ومَن يكتب ذاته وقد صنعتها آثار تلك القوّة. ومن عجائب مظاهر الغرور أن يلوم الجلّاد الضحيّة، أو أن يطلب من الضحيّة أن تتخلّى عن ذاكرتها حتّى لا تزعج راحةَ الجلّاد. أَدرك سعيد أنّ الصراع على السرديّة ليس منفصلاً عن الصراع على القوّة؛ فمَن يَملك تفسير الماضي يستطيع، في أحيانٍ كثيرة، أن يُحدِّد موقع الضحيّة والجلّاد فيه.
تبدو سيرةُ سعيد من عنوانها، وكأنّها سيرةُ المكان المفقود بقدر ما هي سيرة صاحبه، وكأنّه يحاول، بالسرد، أن يستعيدَ ما عجزَ التاريخ عن إبقائه له، فهي كناية عمّا عجزَ الآخرون عن الإفصاح عنه، لا لأنّها تتحدّث باسمهم، وإنّما لأنّها تكشف تجربة الاقتلاع من الداخل.
أمّا سيرة لويس فمتبجّحة، ولا يَظهر فيها إلّا في كونه تابعاً يؤدّي خدمةً وظيفيّة برداء المُستشرِق. فالشخص الذي يقدّم نفسه شاهداً على تاريخ الشرق الأوسط يتغافل عن كونه شاهداً من داخل خطّة أكبر لصوْغِ ذلك التاريخ وفقَ المصالح الغربيّة. فسيرتُه دليلٌ على كيفيّة توظيف المعرفة الاستشراقيّة في تدبير السياسة الاستعماريّة.
وأميل إلى التصريح بما انتهيت إليه قارئاً، مع فارق الوقت بين قراءتي السيرتَيْن، وقد زاد على عقدَيْن من الزمان: ليس من العدل وضْع سيرة لويس في منزلة سيرة سعيد. فهما لا تصدران عن الموقع التاريخيّ ذاته، ولا تنظران إلى العلاقة بين الذّات والتاريخ بالعيْن نفسها. في “خارج المكان” يحاول سعيد أن يفهم كيف صَنع الاقتلاعُ ذاتاً ظلّت تبحث عن وطنها من دون أن تَعثر عليه، وفي “هوامش على قرن مضى” يحاول لويس أن يثبت كيف جعلته معرفته بالشرق حاضراً في دوائر القرار التي صنعتْ تاريخَ فقدان ذلك الوطن. الأولى سيرة إنسان يَكتب من أَثَرِ الجرح، والثانية سيرة رجل يكتب وفي يده السكّين. وإنّما الجرح والسكّين كناية عن النّزاع الثابت بين الضحايا والجلّادين: وهو نزاع لا ينحسم دائماً بالسلاح، فله امتداد في السرد، وفي الذاكرة، وفي الهويّة.

*مفكّر وناقد من العراق
*نُشِرَ هذا المقال في دوريّة أفق التي تصدر عن مؤسّسة الفكر العربيّ

عبد الله إبراهيم
عن الكاتب
عبد الله إبراهيم

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←