منوعات

أحمد شوقي خارج القصيدة العموديةمن حكايا الأطفال إلى الشعر المنثور في “أسواق الذهب”

حورية الخمليشي حورية الخمليشي 24.10.2026

تمرّ ذكرى رحيل أحمد شوقي (1868–1932) فتستعيد معها سؤالاً لم يفقد راهنيّته. كيف وسّع شوقي مجالات الكتابة من الشعر العمودي إلى الشعر المنثور وكتابة الرواية ثم المسرح الشعري وشعر الطفولة؟ فشوقي الذي بايعه الشعراء أميراً للشعر سنة 1927 كان يمتلك موهبة شعرية كبيرة، وكان غزير الإنتاج، ملمّاً بالتاريخ قديمه وحديثه، مغرماً بالتاريخ الأدبي وبقراءة الشعر العربي القديم، فقلّد القدماء في كثير من الأغراض الشعرية كالغزل والفخر والوصف والمديح والرثاء وغيرها. وكان كذلك ملمّاً بالثقافتين العربية والغربية، ولا سيما الفرنسية التي تأثّر بشعرائها وفنونها، وبخاصة راسين وموليير ولافونتين. ويتجلّى هذا التأثّر في كتابته للشعر التمثيلي والمسرحي وشعر الأطفال، فضلاً عن مجموعة من القصص ذات الطابع الشعري.
لكنّ أحمد شوقي لم يكن مجرّد وارثٍ لتقاليد القصيدة العربية، بل كان قارئاً خلّاقاً لها. حاور المتنبي والبحتري والبوصيري في معارضاته، فجعل من التراث مادةً للحوار لا للتكرار، وحمل غربته إلى الأندلس فكتب من منفاه شعراً يصل الحنين الفردي بذاكرة الأمة. ثم تجاوز حدود الغنائية حين أسّس المسرح الشعري العربي، فأثبت أن العربية تتّسع للدراما كما تتّسع للنشيد. ومن هنا لا تكون العودة إلى شوقي اليوم وقوفاً على أطلال الإحياء، بل مساءلةً لمعنى التجديد من داخل الأصالة، ولقدرة القصيدة على أن تظل ديوانَ الأمة ومرآة تحوّلاتها. هكذا جمع شوقي بين استيعاب الموروث العربي والانفتاح على أشكال أدبية تعرّف إليها من خلال الثقافة الفرنسية. ومن هذا التفاعل نشأت محاولاته لتجديد موضوعات الشعر ووظائفه، والانتقال به من التعبير الغنائي إلى الحكاية والحوار والتربية.

"أسواق الذهب " ونثر شوقي الشعري
لم يحظ الإنتاج النثري لأحمد شوقي ما حظي به إنتاجه الشعري. وكتاب "أسواق الذهب" آخر إنتاجاته النثرية الذي طُبع بعد رحيل شوقي سنة 1932م. وهذا النثر أقرب إلى الشعر منه إلى القصص أو الروايات التي نشرها شوقي. فهو عبارة عن تأملات كُتبت في مراحل متفرقة. وقد سمّاه شوقي "فصولاً من النثر"، واختار لفصوله النثرية عنوان أسواق الذهب.
يقول شوقي في كتابه "أسواق الذهب": "وبعدُ؛ فهذه فُصولٌ من النثر، وما زَعمتُ أنها غُرَرُ زياد أو فِقَرُ الفصيح من إياد، أو سَجْعُ المُطوَّقةِ على فرعِ غصنها الميَّاد، ولا توهمتُ حين أنشأْتُها أنى صنعْتُ «أطْواقَ الذهب »، للزَّمَخْشَرِيّ، أو طبعتُ «أطْباقَ الذهب »، للأَصفَهانيّ، - وإنْ سميْتُ هذا الكتاب بما يُشبهُ اسميهما، ووسمتُه بما يَقْرُبُ في الحسن من وسْمَيْهما- وإنما هي كلماتٌ اشتملَتْ على معانٍ شتَّى الصُّورَ وأغراض مختلفةِ الخَبَر، جليلةِ الخَطَر؛ منها ما طال عليه القِدَم، وشاب على تناوُلِه القَلم، وألَمَّ به الغُفْلُ من الكُتَّابِ والعَلَم".
فشوقي لم يُخفِ تأثّره بفصول النثر عند القدماء، كـ"أطواق الذهب" للزمخشري و"أطباق الذهب" لعبد المؤمن الأصفهاني، فاختار "أسواق الذهب" التي تُعرض فيها الأطواق والأطباق. فالنثر هو الذهب الذي تجتمع فيه هذه الكتب الثلاثة. فهل معنى هذا أن منزلة النثر عند شوقي أرفع من منزلة الشعر؟
والواقع أنّ َصِفَة الذهب يقاس بها الشعر كما يقاس بها النثر. فابن طباطبا يعرّف الشعر بأنه "كلام منظوم"، والشاعر "كناظم الجوهر الذي يؤلف بين النفيس منها والثمين الرائق، ولا يشين عقوده، بأن يفاوت بين جواهرها في نظمها وتنسيقها." فقد عشق العرب قديمًا الشعر عشقاً كبيراً فوصفوه بالحليّ والجواهر الثمينة بما فيها الذهب واللؤلؤ والياقوت، ونجد مؤلّفات تحمل أسماء الحليّ ك"صهاريج اللؤلؤ" لتوفيق البكري، و"أطواق الذهب" للزمخشري، و"أطباق الذهب" للأصفهاني. وقد عنونَ شوقي نصوصًا مثل "الجندي المجهول" و"الوطن" و"الذكرى" بالشعر المنثور. وهو اللون الذي نجد في كتابات أمين الريحاني وخليل مطران وجبران خليل جبران ونيقولا فياض ومي زيادة. وقد دعا في كتابه إلى الحرية والدستور والوطن والأمة والإنسانية جمعاء. كما دعا إلى الخير ونبذ الظّلم وتأثير فِعل الزمن في الإنسان والأشياء. وحيّا إقامة النصب التذكاري للجندي المجهول في باريس في أعقاب الحرب العالمية الأولى، متعجّباً كيف تكرّم الأمّة رمزاً لا تعرف اسم صاحبه.
الشعر الطفولي بين المحاكاة والترجمة
أدب الطفل من المصطلحات المستحدثة في أدبنا العربي، فهو أدب مرحلة متميزة من عمر الإنسان، لها خصوصيتها، وإدراكها، وتكوينها في ضوء مفاهيم التربية المتكاملة للطفل، وطبقا للمعايير التربوية، والثقافية، والعمرية التي تمتاز بها مرحلة الطفولة ذاتها. إلا أن معايير أدب الطفل غير واضحة المعالم، في معايير الأدب الحديث؛ إذ نجد إنتاجات متنوعة ومتعددة شعرية وسردية، طبقا لمجالات تنوع جنس هذا الأدب. إلا أن الكثير من النصوص التي اطلعت عليها، لا تمثل أدب الأطفال بشكله الحديث أو المعاصر.
وقد اختلف النقاد في ريادة هذا الأدب، فمنهم من ينسبه إلى رفاعة الطهطاوي، ومنهم من ينسبه إلى محمد عثمان جلال، أو أحمد عبد المتعال، إلا أن أحمد شوقي يبقى أول من اهتم بأدب الطفل العربي بمفهومه الحديث كلون أدبي متميز عن أدب الكبار يماثل أدب الطفل في الدول المتحضرة إبان إقامته بفرنسا. ورغم أننا لا نجد تاريخا محددا لظهور أدب الطفل إلا أن فرنسا سبقت الدول الأوروبية في كتابة أدب الأطفال.
وأدب الطفل كان ضمن مشروع التحديث الشعري، الذي جاء به أحمد شوقي بعد عودته من فرنسا، ودعوته إلى ترسيخ أدب الطفل. يقول في مقدمة الشوقيات: "وجربت خاطري في نظم الحكايات على أسلوب (لافونتين) الشهير وفي هذه المجموعة شيء من ذلك فكنت إذا فرغت من وضع أسطورتين أو ثلاث أجتمع بأحداث المصريين وأقرأ عليهم شيئا منها فيفهمونه لأول وهلة ويأنسون إليه ويضحكون من أكثره وأنا أستبشر لذلك وأتمنى لو وفقني الله لأجعل لأطفال المصريين مثلما جعل الشعراء للأطفال في البلاد المتمدنة منظومات قريبة المتناول يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم". ويضيف: "وهنا لا يسعني إلا الثناء على صديقي خليل مطران صاحب المنن على الأدب، والمؤلف بين أسلوب الإفرنج في نظم الشعر وبين نهج العرب. والمأمول أننا نتعاون على إيجاد شعر للأطفال والنساء وأن يساعدنا سائر الأدباء والشعراء على إدراك هذه الأمنية".

حورية الخمليشي
عن الكاتب
حورية الخمليشي

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←