تعدّ الأندلس من أكثر الموضوعات التّاريخيّة إثارة للاهتمام في الرّواية العربيّة المعاصرة؛ كونها تُفتّح فضاءاتٍ للبحث في التحوّلات التّاريخيّة وطبيعة العلاقة بين الماضي والحاضر، وتشكّل منحى نقديًّا يعيد التّفكير في هويّة التّاريخ ذاته. ويرتبط دخول الأندلس إلى الرّواية العربيّة ارتباطًا وثيقًا بتطّور الرّواية ذاتها منذ المراحل الأولى؛ إذ وظّف الرّوائيّون الوثيقة التّاريخيّة بطرائق مختلفة تعكس ما يطمح إليه السّرد الرّوائيّ في تأصيل القضايا الكبرى في بنية النّصّ، ففي مرحلة التّأسيس نجد نماذج مبكرة من الرّواية التّاريخيّة العربيّة الّتي توثّق لأحداث الأندلس من خلال سِيَر شخصيّات وسياقات زمنيّة كبيرة؛ مثل الأعمال التّاريخيّة لجرجي زيدان الّتي تناولت جوانب من حكايات الوجود الإسلاميّ في شبه الجزيرة الإيبيريّة، وفي مقدّمتها “فتح الأندلس”، وهي تمثّل محاولة سرديّة كرونولوجيّة لوضع الوقائع التّاريخيّة في سياق روائيّ ذي طبيعة تعليميّة تقريريّة؛ كانت الأندلس فيها مسرحًا للحكاية أكثر منها سؤالًا وجوديًّا أو فكرة مأزومة.
ثمّ اتّخذت بعض الأعمال اللّاحقة مسارًا مختلفًا تمثّل في الانتقال من تاريخ الحدث إلى تاريخ الشّخصيّة، وفي هذا السّياق تبرز رواية “وزير غَرناطة” لعبد الهادي أبو طالب (1960)[1] الّتي تُعدّ نصًّا يقع في منطقة وسطى بين الرّواية التّاريخيّة التّمثيليّة والسّرد التّاريخيّ التّحليليّ؛ إذ تنشغل بتقديم سيرة لسان الدّين ابن الخطيب كما لو كانت سيرة غيريّة، لكنّها في الوقت نفسه تصلح لأن تكون مدخلًا لقراءة آليّات الحُكم وتقلّبات السّلطة وهشاشة الموقع السّياسيّ داخل البلاط الأندلسيّ، فالتّاريخ هنا يُعاد تنظيمه حول شخصيّة محوريّة تتحوّل إلى عدسة تُقرأ من خلالها بنية الدّولة ومصائرها.
وفي أواخر القرن العشرين تبدّل حضور الأندلس داخل الرّواية من تسجيل الأحداث إلى تجسيد تجارب إنسانيّة متداخلة مع واقع تاريخيّ ممتدّ، وانتقلت الرّواية من تمثيل التّاريخ إلى مساءلة شروط عيشه وتداخله مع الحاضر، ومن تسجيل الأحداث إلى التّفكير في أثر ما جرى واستمراره في الوعي الثقافيّ، فأصبح التّاريخ إطارًا لتجريب أسئلة أوسع تتعلّق بالانتماء والذّاكرة والمعنى؛ بما يجعل الأندلس فضاءً سرديًّا مفتوحًا يتجدّد ويصبح قابلًا لإعادة التّأويل عبر الأزمنة. ويتجلّى هذا التّحوّل بوضوح في روايتين؛ هما: “ليون الأفريقيّ” لأمين معلوف (1984)، و”ثلاثيّة غرناطة” لرضوى عاشور (1994).
تقدّم رواية “ليون الإفريقيّ” نموذجًا سرديًّا مختلفًا في تمثيل الأندلس؛ يقوم على الذّات الرحّالة كوسيط تاريخيّ وثقافيّ يعبر بين العوالم والهويّات، فالأندلس- في هذه الرّواية- تُكتب من موقع ذاتٍ منفيّة تتحرّك بين الإسلام والمسيحيّة، وبين العربيّة واللّاتينيّة، وبين الذّاكرة الشّخصيّة والتّاريخ العامّ، وهكذا تتحوّل هذه البقعة الجغرافيّة إلى تجربة عبور حضاريّ تُعاد صياغتها عبر سيرة فرديّة تشهد على التمزّق والتّعدّد/ المآل الإنسانيّ، أكثر ممّا تشهد على السّقوط/ الحدث السّياسيّ. وقد تلقّى النّقّاد هذه الرّواية بالكثير من الجدل حول ثقل سؤال الهويّة وأزمة الاغتراب والمكوّنات العقديّة المتشابكة الّتي تحفل بها، وذهبت هند السّفير إلى اعتبارها أدبًا عالميًّا[2].
ويقابل هذا المنظور ما تقدّمه رضوى عاشور في “ثلاثيّة غرناطة” الّتي صوّرت الأندلس من داخل النّسيج الاجتماعيّ، فالسّرد عندها لا يتّكئ على سيرة واحدة عابرة للثّقافات والهويّات، بل على جماعة تعيش التحوّل التّاريخي في تفاصيل اليوميّ: البيت، واللّغة، والحرفة، والعلاقات العائليّة. وكان “الأمر فيها دائرًا على إنشاء مناخ تاريخيّ لا تضطلع الأحداث التّاريخيّة فيه إلاّ بدور إقناعيّ من خلال استحداث خلفيّة تفسّر سلوك الشّخصيّات وتبرّر مواقفها”[3]. وإذا كان معلوف حوّل الأندلس إلى فضاء لإعادة التّفكير في الهويّة المركّبة العابرة للحدود، فإنّ عاشور جعلتها مختبرًا لقراءة تفكّك الهويّة تحت الضّغط أو الإكراه التّاريخيّ وفق تعبير هومي بهابها Homi Bhabha (1949–)[4]؛ حيث تُقاس الخسارة ببطء اندثار اللّغة والعادة والذّاكرة.
ومن الجدير ذكره في هذا السّياق أنّ العملين- رغم اختلافهما الجوهريّ في استراتيجيّة تمثيل التّاريخ- يلتقيان عند نقطة مركزيّة واحدة، فكلاهما اشتغل على تحرير الأندلس من السّرديّة الحَدَثيّة المغلقة، وأعاد كتابتها تجربةً إنسانيّة مفتوحة على أسئلة مشروعة، ومستمرّة في الذّاكرة واللّغة والهويّة.
ومع بزوغ الألفيّة الجديدة اشتغل الرّوائيّون العرب على مرحلة الأفول السّياسيّ والحضاريّ للأندلس وما بعد السّقوط بصورة لافتة، ومن تلك الرّوايات على سبيل المثال: “هذا الأندلسيّ” لبنسالم حميش (2007)، وفيها يعرض سيرة العالم المتصوّف ابن سبعين وهجرته من غرناطة إلى سبتة إثر تضييق القشتالييّن الخناق على المدن الأندلسيّة وتردّي أوضاعها. وقد خرجت شخصيّة ابن سبعين فيها من دائرة الخمول إلى دائرة الضّوء والحياة الفاعلة، وتحرّكت بثقة بين عالميْ الدّين والدّنيا بلا كوابح ولا مخاوف وفق تعبير عبد الله إبراهيم[5].
أمّا رواية “غارب” لمحمّد عبد القهّار (2016) فتشتغل على إعادة بناء سيرة موسى بن أبي الغسّان؛ القائد البطل الّذي قاد جيوش غرناطة في حصارها الأخير، وقد استعادها وفق رؤية سرديّة شديدة التّكثيف. ولعلّ أكثر ما يستوقف المتلقّي في هذه الرّواية حصان موسى الّذي يفقد بصره، إلّا أنّ الفارس يصرّ على مواصلة صولاته وجولاته ممتطيًا صهوته. وهذا الاختيار السّرديّ- وإن لم يتوسّع الرّاوي في استثماره دلاليًّا- يضفي على الرّواية بعدًا رمزيًّا بالغ الكثافة؛ إذ يلمّح من طرف خفيّ إلى مسار بطوليّ يتقدّم نحو نهايته المأساويّة المحتومة، مهما بدا مشحونًا بالإرادة والتّحدّي[6].
ولم تقتصر سرديّة الأندلس في الرّواية العربيّة على زمن السّقوط وحده، فقد امتدّت إلى ما بعد ذلك عبر سرديّات المنفى والاقتلاع القسريّ للموريسكيّين، وهي الثّيمة الأكثر تجسّدًا في روايات الألفيّة الجديدة، وإن كانت حاضرة منذ أواخر القرن العشرين. وقد ذهبت خديجة أورزيفيّ إلى أنّ الرّوايات الموريسكيّة المعاصرة تُعيد بناء العلاقة بين التّاريخ والمتخيَّل عبر وعي سرديّ يقيم توتّره الخلّاق بين الحقيقة والتّمثيل، فالوقائع لا تُستدعى لذاتها، إنّما تُخضع لعمليّات اختيار وحذف وتأويل تكشف ما أخفته السّرديّات الكبرى عن مصائر الجماعات المهمّشة[7]. وعلى مستوى التّقنيّات، يبيّن محمّد إبراهيم أنّ السّرد الموريسكيّ في هذه المرحلة اعتمد بنية زمنيّة مركّبة (استرجاع/تقطيع/تزامن) تُنتج إحساسًا بالتّآكل البطيء للوجود، ليُعاد تمثيل المنفى بوصفه خبرة ممتدّة تُصاغ داخل الوعي الجمعيّ عبر اللّغة والذّاكرة[8].
وتُعدّ رواية “الموريسكيّ” لـحسن أوريد (2011) من أبرز الرّوايات الّتي تقدّم الذّات الأندلسيّة الممزّقة بين الانتماء والاقتلاع، وتشتغل على الانكسار الدّاخليّ للهويّة أكثر من انشغالها بالحدث التّاريخيّ، كما يتحوّل الدّين واللّغة فيها إلى مجال للمخاتلة والبقاء، فالموريسكيّ هنا لم يكن شاهدًا على الماضي فحسب، فهو يحمل جراحه داخل جسده ووعيه أيضًا، وهذا ما يجعل الرّواية أقرب إلى مساءلةٍ أخلاقيّة وثقافيّة لفكرة (النّجاة) بعد الهزيمة.
ويتقاطع هذا المنظور مع ما تقدّمه رواية “الموريسكيّ الأخير” لـصبحي موسى (2015)، إلّا أنّ الثانية تميل إلى بناء سرد أكثر توتّرًا، فالموريسكيّ فيها ذات تعيش صراعًا مفتوحًا بين الاندماج القسريّ والمقاومة الصّامتة. هنا تتقدّم ثيمتا اللّغة والذّاكرة لتعلنا أنّهما آخر ما تبقّى من الأندلس، فيتحوّل العيش المزدوج من مرحلة تاريخيّة عابرة إلى بنية وجوديّة دائمة.
وتوسّع رواية “سرّ الموريسكيّ” لـمحمّد العجميّ (2021) أفق الكتابة الموريسكيّة عبر إدخال عنصر التّحقيق في الذّاكرة، حيث يُعاد بناء الماضي عبر البحث في الوثيقة والسّرد الشّفهيّ والسّرّ العائليّ، وتنشغل الرّواية بتفكيك كيفيّة انتقال الذّاكرة المقموعة عبر الأجيال، وهو ما يتقاطع- على نحو ما- مع رواية “البيت الأندلسيّ” لواسيني الأعرج.
وفي اتّجاه أكثر رمزية وتأمّلًا تعيد رواية “المسيح الأندلسيّ” لـتيسير خلف (2021) صياغة التّجربة الموريسكيّة عبر منظور أسطوريّ–وجوديّ، ويصبح الموريسكيّ رمزًا لإنسانٍ أُجبر على إعادة تعريف إيمانه وذاته في عالمٍ معادٍ، ممّا يمكن معه القول إنّ الرّواية تجاوزت حدود التّوثيق التّاريخيّ إلى التّركيز على سؤال الخلاص والمعنى بعد انهيار العالم القديم المألوف.
وتكشف هذه النّصوص- مجتمِعة- أنّ الرّواية الموريسكيّة العربيّة تخطّت الزّمن المنتهي المستقرّ في الوثيقة التّاريخيّة إلى زمن متحوّل يسكن الحاضر، ويحوّل السّقوط من لحظة سياسيّة إلى حالة وجوديّة طويلة الأمد، وبهذا المعنى تمثّل روايات الموريسكيّين ذروة الوعي الرّوائيّ الأندلسيّ، لانشغالها بسؤال جوهريّ عميق يتعلّق بكيفيّة عيش الإنسان بعد أن يفقد تاريخه ومعتقده ووطنه ولغته معًا.
وإذا كانت الرّوايات السّابقة تكتب الأندلس من داخل تجربة تاريخيّة مأزومة تتجسّد فيها الهويّة على صورة ذاتٍ مهدَّدة تسعى إلى البقاء عبر التّخفّي والمراوغة، فإنّ رواية “أنا أندلسيّ” لفرناس راشد (2020) تعيد صياغة هذه التّجربة من خارج شرطها التّاريخيّ المباشر؛ إذ تغدو الأندلس هويّة متخيَّلة يُعاد امتلاكها بالاختيار لا بالقسر، ففي الرّواية الموريسكيّة ينبثق الانتماء من جرح الاضطهاد وفقدان المكان، وتغدو الهويّة عبئًا وجوديًّا لا يمكن الفكاك منه، بينما تتحوّل الأندلس في “أنا أندلسيّ” إلى أفق رمزيّ يستدعيه السّارد ليمنح ذاته معنى مفقودًا في الحاضر.
وفي مقاربة أخرى بينهما نجد أنّ السّرد الموريسكيّ يعمد إلى تفكيك آليّات الإقصاء التّاريخيّ، ويكشف كيف يُعاد تشكيل الإنسان تحت ضغط الاضطهاد والاقتلاع، في حين تنشغل رواية راشد بتفكيك الفراغ (الهويّاتيّ) المعاصر، فليس ثمّة سلطة قاهرة تُجبر الذّات على التّنكّر، ووحده الحاضر الهشّ يدفعها إلى استدعاء تاريخ لم تعشه. ومن ثمّ يمكن القول إنّ روايات الموريسكيّين تمثّل سرديّة لمأساة استمرار القهر، بينما تتشكّل في “أنا أندلسيّ” سرديّة لمأساة غياب المعنى؛ الأولى مشدودة إلى سؤال البقاء، والثّانية إلى سؤال الجدوى.
وثمّة اتّجاه روائيّ آخر في الألفيّة الثّالثة يتمثّل في العودة إلى مراحل ازدهار الحضارة العربيّة الإسلاميّة في الأندلس لتشكيل فضاء سرديّ يُختبر فيه معنى الازدهار ذاته: أهو استقرار سياسيّ؟ أم تفوّق معرفيّ؟ أم قدرة على التّعايش؟ أم لعلّها كلّها مجتمعة؟ ويتساءل في الوقت نفسه: هل من مسكوت عنه أو مخفيّ يتوارى خلف هذه الصّورة المشرقة؟
يظهر هذا الاتّجاه في عدد من الرّوايات الّتي جعلت من قرطبة وغرناطة وإشبيلية وغيرها من حواضر الأندلس- في أزمنة القوّة والعلم- مادّةً لإعادة بناء العالم الأندلسيّ قبل تفكّكه. وتندرج رواية “ربيع قرطبة” لـحسن أوريد (2017) ضمن هذا الأفق؛ إذ تعود إلى قرطبة في لحظة ازدهارها السّياسيّ والثّقافيّ، إلاّ أنّ السّرد لا يقدّم صورة العصر الذّهبيّ بقدر ما ينفذ إلى التّوتّرات الكامنة داخل بنية الازدهار نفسه؛ من صراعات السّلطة إلى هشاشة التّوازن بين المعرفة والحكم، وحدود التّسامح حين يتحوّل إلى سياسة. وهذه الرّواية- في جوهرها- ما هي إلّا سرديّة تأمّليّة في شروط الصّعود وبدايات التّآكل من الدّاخل، وإن التزمت بالإطار العامّ للتّاريخ المرجعيّ.
وفي اتّجاه مقارب- وإن كان أكثر انفتاحًا على التّخيّل الرّحليّ- تأتي رواية “رحلة الغرناطيّ” لـربيع جابر (2002)، وفيها يُقدَّم العالَم الأندلسيّ في زمن ازدهاره عبر منظور الرّحلة والمعرفة والاحتكاك بالآخر، وتُرسَم شبكة ثقافيّة متوسطيّة تتّكئ على المركز المعرفيّ والحضاريّ للأندلس، لتصبح هذه الرّحلة وسيلة لاختبار قيم العلم والتّعدّد والانفتاح في زمن القوّة، مع وعي ضمنيّ بأنّ هذا الازدهار يحمل في داخله شروط زواله.
أمّا رواية “حكاية جديدة من الأندلس” لـسراج منير (2020) فتذهب إلى مسار مغاير؛ إذ تنفتح على أفق رمزيّ–تأمليّ؛ تُستعاد فيه الأندلس فضاءً ميتافيزيقيًّا للمعنى من خلال تداخل التّاريخ مع الحلم والأسطورة. في هذا النّموذج تصبح الأندلس صورة ذهنيّة توظّف لمساءلة الحاضر أكثر من إعادة بناء الماضي، وهو ما يجعل الرّواية أقرب إلى إعادة تخييل الأندلس منها إلى تمثيلها.
ويُضاف إلى هذه الأعمال ما كتبه الرّوائيّ الموريتانيّ محمّد ولد محمّد سالم في روايته “فتنة الرّبض” (2024)، وفيها تُستدعى الأندلس ضمن سياق فكريّ–روحيّ يتجاوز التّحديد الزّمنيّ الدّقيق، ويميل الكاتب إلى قراءة الازدهار كفتنة حضاريّة أو لحظة امتحان للقيم والمعرفة والسّلطة معًا، وقد غلب عليها البعد التأويليّ والرّمزيّ.
أمّا المكان الأندلسيّ ذاته فقد تحوّل إلى بنية فاعلة في السّرد، وتجاوز موقعه الجغرافيّ المحض، وأشهر مثال على ذلك وأوضحه رواية “البيت الأندلسيّ” لواسيني الأعرج (2010)، وفيها تتداخل عناصر المكان والذّاكرة والهويّة بصورة ملحميّة مؤثّرة. وقد أبدع الرّوائيّ في تقديم قراءة معماريّة للنّصيّة التّاريخيّة؛ تتقاطع فيها الذّاكرة الفرديّة والجماعيّة، وهو ما يتوافق مع أبحاث سرديّة مختلفة ذهبت إلى أنّ الأمكنة لا تؤدّي وظيفة الإحالة الواقعيّة فحسب؛ إذ يضطلع المكان فيها بدور رمزيّ يعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والهويّة، فيصبح المكان ذاته حقلًا للتّوتّر بين ما كان وما لم يعد ممكنًا، ومن ثمّ يحوّل الأعرج المكان الأندلسيّ إلى سؤال لا يُقيم فيه السّرد بقدر ما تُختبر عبره حدود الذّاكرة، وقدرتها على إنتاج معنى للحاضر.
ويتربّع مشروع وليد سيف الرّوائيّ على عرش الرّواية التّاريخيّة عن الأندلس؛ إذ يتجلّى في مقاربته لها باعتبارها مسارًا تاريخيًّا ممتدًّا وموغلًا في التّعقيد، وهو ما يتّضح منذ العتبة التّأسيسيّة الّتي تضعها رواية “النّار والعنقاء” (2021)، ففي هذه الرّواية يعود السّرد إلى المنعطف الحاسم المتمثّل في سقوط الدّولة الأمويّة في المشرق وقيام الدّولة العبّاسيّة، وما صاحب ذلك من عنف سياسيّ وإقصاء دمويّ، ليجعل من رحلة عبد الرّحمن الدّاخل إلى الأندلس فعلَ استمرار تاريخيّ ينبع من الانهيار، ولتُقرأ نشأة الدّولة الأمويّة في الأندلس نتيجةً لصراع الشّرعيّة والسّلطة في المركز، وليس حدثًا منفصلًا عن سياقه، فإذ بالأندلس- الرّابضة بعيدًا على ضفاف الأطلسيّ- تمتدّ في تاريخ إسلاميّ مأزوم يعيد إنتاج نفسه في فضاء جديد.
وتتقدّم هذه الرّؤية في “مواعيد قرطبة” (2021) الّتي تنقل السّرد إلى زمن الخلافة الأمويّة في أوج ازدهارها؛ في عهد النّاصر والحكم المستنصر، إلّا أنّ الرّواية لا تنشغل بتقديم صورة العصر الذّهبيّ بقدر ما تفكّك بنيته الدّاخليّة، فقرطبة مركز قوّة وعلم وعمران، لكنّها في الوقت نفسه فضاء تتراكم فيه تناقضات السّلطة، ويتشكّل فيه صراع خفيّ بين الشّرعيّة الدّينيّة والإدارة السّياسيّة من ناحية، والطّموح الفرديّ المتمثّل في شخص المنصور ابن أبي عامر؛ الشّخصيّة المحوريّة في الرّواية، من ناحية أخرى. ويكشف هذا الصّراع منطق التّحوّل من الخلافة إلى الحكم الفرديّ المستبدّ، كما تمثّل القوّة -من خلال صعوده المخيف- عاملًا جوهريًّا يعجّل بتفكّك البنية الّتي أنجبتها.
ويُستكمَل هذا المسار في “خريف إشبيلية” (2024)، حيث يأخذنا السّرد إلى زمن ملوك الطّوائف؛ ذلك الزّمن الّذي يصبح التّفكّك السّياسيّ فيه واقعًا معلنًا، ويمسي السّقوط نتيجة حتميّة للتّراكم الطّويل للانقسامات وتغليب المصالح الضيّقة والتّحالفات القصيرة النّظر. وهنا تتراجع صورة الدّولة الجامعة، وتبرز المدن ككيانات متنافسة، فيما يتحوّل التّاريخ إلى سلسلة من الاختيارات الخاطئة التي تُدار تحت ضغط تضارب المصالح وسيطرة الخوف وفقدان الأفق، قبل أن تُدار تحت وطأة الهزيمة العسكريّة.
أمّا “غرناطة آخر الأيّام” (2025) فتشكّل ذروة المشروع، ولا يكتفي سيف فيها بتصوير لحظة السّقوط النّهائيّ، إنّما يعيد بناء الزّمن الأخير للدّولة النّصريّة من خلال تتبّع التّحوّلات النّفسيّة والسّياسيّة الّتي قادت إلى تلك النّهاية المفجعة. وأبرز ما في هذه الرّواية أنّها تعيد النّظر في صورة أبي عبد الله الصّغير الّذي يحضر في الذّاكرة الشّعبيّة رمزًا للخيانة والتّخاذل والاستسلام، وتضع مسؤوليّة السّقوط في سياق تاريخيّ أوسع يرفض تحميل رجل واحد مصير أمّة بأكملها. وبذلك يقدّم السّرد مساءلة دقيقة لمعنى السّقوط ذاته: أهو هزيمة عسكريّة فحسب، أم نتيجة حتميّة لمسار طويل من التّفكّك ما كان بالإمكان تجنّبه أو دفعه باتّجاه آخر؟
وبعد، فهذه إطلالة سريعة على أبرز اتّجاهات الرّواية التّاريخيّة الّتي اتّخذت من الأندلس موضوعًا لها، وهي إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ هذا التّاريخ لم يستنفد إمكاناته في الكتابة والتّأويل بعد، وأنّ إعادة كتابة الأندلس سرديًّا ليست سوى إعادة تشكيل لوعينا وتطلّعاتنا وأسئلتنا، وربّما البحث عن صورتنا نحن في مرآتها. ورغم أنف هذا الوعي ستبقى الأندلس أيقونة حنين لما فقدنا، ولما كان يمكن أن يبقى لو تغيّر اتّجاه البوصلة.
الحواشي والتّعليقات
[1] ذكر جميل حمداويّ في مقالة له بعنوان: “رواية التّوثيق التّاريخيّ” أنّ أحمد اليابوريّ في محاضرته “وضعيّة الدّراسة الأدبيّة في المغرب” أشار إلى أنّ الطّبعة الأولى من رواية بو طالب قد صدرت في بداية الخمسينات. انظر المقالة على الرّابط الإلكترونيّ الآتي:
https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/72454.html
[2] Hind Essafir. (2025). Amin Maalouf’s Leo The African: Between Self-Orientalism and Reconstructing Identity, International Journal of Literature Studies, Vol. 5 No. 2, pp. 22-34.
[3] محمّد القاضي، الرّواية والتّاريخ: طريقتان في كتابة التّاريخ روائيًّا”، علامات في النّقد، مج7، ج28، يونيو/ حزيران 1998، ص120.
[4] Homi K. Bhabha, The Location of Culture, Routledge, London & New York, 1994, p. 2
[5] عبد الله إبراهيم، التّخيّل التّاريخيّ (السّرد، والإمبراطوريّة، والتّجربة الاستعماريّة)، الطّبعة الأولى، المؤسّسة العربيّة للدّراسات والنّشر، بيروت، 2011، ص82.
[6] انظر: إبراهيم عادل، “رواية غارب: استعادة الأندلس على صهوة جواد أعمى”، على الرّابط الإلكترونيّ الآتي:
[7] خديجة أورزيفيّ، “القضيّة الموريسكيّة في الرّواية العربيّة المعاصرة بين الحقيقيّ والمتخيّل”، مجلّة رفوف، مج 12، ع 1 (مايو/ أيار)، 2024، ص 432-458.
[8] محمّد إبراهيم محمّد، “الشّخصيّة الموريسكيّة وبنية الزّمن في الرّواية العربيّة المعاصرة”، مجلّة القراءة والمعرفة، مج 23، ع259 (مايو/ أيار)، 2023، ص352-364.