د. إبراهيم منصور

ناقد وأكاديمي مصري

منذ بضعة أشهر كنت أتحدث تليفونيا مع ابن شقيقي فسألني المشورة في أمر يتعلق بعمله، قال: أمامي عرض للعمل مع شركة أعرف مديرين فيها، أو السفر إلى المملكة العربية السعودية للعمل هناك.

قلت: له ما ميزة الشركة وما عيبها؟ قال ميزتها هي عيبها مرتب شهري يبلغ ٢٦ ألف جنيه ولكن ارتباط لا فكاك منه. قلت وما ميزة السفر للسعودية قال: نفس الكلام الميزة في داخلها العيب، سوف أحصل على أموال أكثر لكن المستقبل غير مضمون. قلت وازن إذن بين المزايا والعيوب وخذ القرار، بعد عدة أيام علمت أنه قد سافر إلى الرياض.

ابن أخي هذا كان طالبا في جامعة الأزهر، ولكنه لم يطق البقاء تحت سقف المدرجات لإحساسه أنه يهدر وقته ويضيّع مجهوده بدون طائل وترك الدراسة برضاه وسافر إلى ليبيا بجواز سفر طالب، ولم يعد أبدا إلى مدرجات الدراسة، وفي لحظة ما فكر في الحصول على درجة جامعية، وكنت أنا مديرا لمركز التعليم المفتوح في جامعة دمياط، وسألني عن الإجراءات، ولكنه لم يستطع الالتحاق، لأن الدولة سرعان ما قامت بإلغاء التعليم المفتوح كلية، وهو من جانبه نسي الأمر كله.

بالعودة إلى هذا الشاب المتمرد وما يحصل عليه من مال وهو لم يتخرج في الجامعة نجد أنه يحصّل دخلا شهريا يعادل دخل أستاذين عاملين في الجامعة، ومعنى ذلك أنه لم يخسر شيئا بتركه مقاعد الدراسة، والسؤال الاعتراضي هو: وماذا كان يضيره لو أكمل الدراسة ثم عمل في الحرفة التي يحبها وكسب المال الذي يكسبه اليوم ؟

وهو اعتراض مقبول شكلا، لكن الواقع يقول أنه لو بقي على مقاعد الدراسة لضاعت منه هذه الفورة والاستعداد للمغامرة ولبات ساكنا، وفقد إرادة الفعل، لا يتحرك إلا كما تريد له إرادات أخرى أن يتحرك، هو إذن قد قرر الانفلات من الجلوس والسكون إلى الحركة والمغامرة والنجاح.

                                        ****

لماذا لا يتعلم الطالب في الجامعات المصرية مهارة الموازنة بين تحصيل العلم وترتيب البيت؟ لماذا يحفظ و يردد ولا يستوعب ويناقش؟

هذه حالة قديمة مزمنة ظلت تتغول في الجسد الجامعي حتى تلبسته ولم يعد لها علاج، فبعد التحاق الطالب بالجامعة يصمت وهو في سن الكلام، ويحفظ ويردد وهو في فترة التفكير والجدل، لكن السؤال: يجادل من؟ وأستاذه لم يتعلم أصول الجدل ولا يعرف الإبانة والتعبير الدقيق لا بالكلام ولا بالكتابة؟.

نحن نتكلم وأصواتنا ترتفع حتى تصبح زعيقا فإذا أفلتنا من العقاب ظننا أننا لم نخطئ وأن هذا هو منطق الحديث: صوت عالٍ مزعج ومغالطات ومجافاة للمنطق. أما إذا اخترنا الصمت فلا يكون ذلك عن حكمة ورزانة في السلوك، بل عن خوف وعجز واستكانة.

بعد ثورة يناير ٢٠١١ عقد اجتماع لنادي أعضاء هيئة التدريس في جامعة طنطا، في هذا الاجتماع طالب المجتمعون بعزل الدكتورة هالة فؤاد رئيس الجامعة في ذلك الوقت، وطالب بعض الحاضرين بقانون يقر لأعضاء هيئة التدريس “حصانة برلمانية” حدث هذا فعلا، نعم طالبوا بإقالة رئيس الجامعة لأنها لم تكن على هوى جماعة الإخوان ويكرهها السلفيون لأنها  سيدة وليست رجلا، والإخوان والسلفيون لهم باع طويل وحضور في الجامعات المصرية لا ينكره أحد، ولكن الحاضرين في اجتماع نادي أعضاء هيئة التدريس طالبوا أيضا بحصانة برلمانية، مع أنهم ليسوا أعضاء في أي برلمان.

هذه الطغمة التي احتلت مراكز الأستاذية في الجامعة هي الناتج القبيح الذي يعلّم طلاب الجامعة اليوم، فماذا ننتظر من حصاد لهذه الزراعة المسمومة.

   في العام ١٩٥٤ أُخرج لويس عوض (١٩١٥ ١٩٩٠) من الجامعة فتكلم وأبدع وأسمع صوته، وترك إرثه الكبير الباقي، وأُخرج عبد العظيم أنيس (١٩٢٣- ٢٠٠٩) فلم يصمت وواصل التفكير والإبداع، وأُخرج معهما محمود أمين العالم (١٩٢٢- ٢٠٠٩) فغامر وكتب وأسمعنا صوته في وضوح.

أما جمال حمدان (١٩٢٨- ١٩٩٣) فقد غادر الجامعة مختارا، فكتب موسوعته (شخصية مصر) وترك أثرا مشهودا وهو قابع في شقته، لا يمارس سلطة الأستاذ ولا يباهي بالمناصب.

فإذا جادلنا بأن طه حسين (١٨٨٩- ١٩٧٣) بقي في الجامعة ولم يصمت ولم يجعجع! وهذا واضح مسلّمٌ به، لكن طه حسين لم يكن فردا مثل الأفراد لقد كان أمّةً، وفي الزمن الذي صمت فيه أغلب الناس تكلم هو وكتب في الصحافة، وتحدث في المجمع اللغوى، وسافر وخبر الحياة، وجعل بيته كعبة للزائرين من كل أركان الأرض، وصدق محمد حسنين هيكل(١٩٢٣- ٢٠١٦) حين قال إن طه حسين حين دعا سنة ١٩٥٠ لمجانية التعليم كان صوتا مفردا مخالفا تماما للنخبة التي علا صوتها وامتلكت كل شئ : المال والسلطة وحق الكلام، فطه حسين إذن ليس مقياسا للفكرة التي نطرحها هنا.، إنه بحق “نسيجَ وحْدِه”

                                     ****

ذات يوم تقدمت بمشروع لتدريس اللغة العربية في سائر كليات الجامعة، وكان المشروع يتجنب أخطر ما يهدد التدريس الجامعي وهو “التجارة في المذكرات والكتب” وكذلك الفصل بين من يضعون خطة التدريس والمادة العلمية ومن يقومون بالتدريس، وقطع المشروع شوطا ثم تعثر، وقلت أعرض الفكرة على جامعة حورس، وهي جامعة أهلية يقع حرمها الجامعي أمام بيتي، ضربت لي أستاذ للغة الإنجليزية موعدا مع رئيس الجامعة، فذهبت لمقابلته في الموعد وكنت وأنا في الطريق مررت من نفق مهمل تحت الطريق، قابلني رئيس الجامعة في غير اهتمام ظنا منه أنني جئت أطلب رزقا، وأنهى الموضوع بكلمة واحدة “سوف أنسق هذه المسألة مع رئيس جامعة دمياط” . أما أنا -وقد أدركت مغزى كلامه والرسالة التي فهمها من زيارتي- فقد قلت أسدّ عليه الطريق، في ظنه السئ بي، فسألته: لماذا لا تستخدمون النفق المتاح أمام بوابة الجامعة تجنبا لمرور الطلاب غير الآمن على الطريق؟ فرد على في ثقة: هذا ليس نفقا، إنه مخرُّ سيل! قلت إنه نفق، وهناك ثلاثة أنفاق أخرى وليس مخرا للسيل، لكن رئيس الجامعة لم يلتفت لكلامي وانتهت المقابلة التي استغرقت ثلاث دقائق باستئذاني في الانصراف.

 استمرت جامعة حورس في طريقها، تكبر وتتوسع،  ثم وقعت حادثة، فقد دهست سيارة عابرة إحدى طالبات الجامعة وهي تعبر الطريق أمام البوابة،  وماتت الطالبة في الحال، وذرا للرماد في العيون قامت جامعة حورس بتجهيز النفق المهمل الذي صنفه رئيس الجامعة السابق مخرا للسيل، لكي يمر منه الطلاب، بطلاء الحوائط وتبليط الأرضية، على أن الجامعة جعلت أرضية النفق أعلى من مستوى الطريق لكي تحول بين السيارات والعبور من النفق، وحتى لا يعترف بالنفق نفقا.

إنني حتى اليوم لا أستطيع أن أستوعب كيف قال رئيس الجامعة- وهو أستاذ في الطب- إن النفق هو مخرُّ سيل؟ إنه رجل علم، ويجب أن تكون أدواته في التفكير قبل أن يحكم ويقرر هي المعلومات الدقيقة، أو الفكرة السديدة، ومعلوم أن مخرّ السيل يكون موازيا للطريق الجبلي، أو أي مرتفع، ويكون في الصحراء وليس في الدلتا، وهندسيا نحن أمام فتحة تحت الطريق السريع تربط بين جنوب المدينة وشمالها، كل المعلومات والتحليل تؤكد أن ما قام تحت الطريق هو نفق لكن رئيس الجامعة تربى على المكابرة، وتجاهل العقل والمنطق، الأسلوب الأمثل عنده هو المغالطة والتباهي بما وصل إليه من مناصب ونفوذ، لا ما يملكه من عقل وفكر ومهارة، فماذا ننتظر من الطلاب الذين سوف يتخرجون من جامعة هو رئيسها؟

                                            ****

الصمت هو السمة المقابلة للجعجعة، فأستاذ الجامعة في مصر صامت لا يبدي أية مبادرة لتغيير الواقع ، وحل العقد التي يراها أمامه تطلب حلا، فهو في الزراعة، أو علم النفس، أو الاقتصاد، أو اللغة، أو الصناعة، صامت لا يبدي شيئا من الكلام المفيد وصمته يكاد يكون عيّاً، بل هو عيٌّ فعلا وعجز كامل ، وفهم منقوص.

 لكن صمته يتحول لجعجعة، وغوغائية فهو يطلب لنفسه ما لا يستحق، ويرغب عما هو واجب عليه والتزام. فإذا كان الأستاذ يسكن  بين الصمت العاجز والصوت الفارغ ، فما الذي نرجوه من تلاميذه الذين يعلمهم ويقود عقولهم؟!