
في عالمنا المعاصر الذي يتغيّرُ بسرعة مذهلة، لم يَعُد السؤال هو كيف نستخدم الذكاء الإصطناعي؛ بل كيف نُفعِّلُ ذكاءنا البشري كي نستخرج أفضل ما في الآلة؟. الذكاء الإصطناعي، وبرغم ما يُبديه من قدرات خارقة، ليس سوى مرآة تعكسُ عُمْقَ الأسئلة التي نطرحها، وجَوْدة الأفكار التي نتفاعل بها معه؛ ومع أنّ معظم الخطابات العامة تحوم حول خوفٍ طاغٍ منه أو انبهار يبلغ حدّ الهَوَس المَرَضي به، يبقى الجانب الأكثر إغراءً هو: كيف نصبح أكثر ذكاءً في تعاملنا مع الذكاء الإصطناعي؟
هذا الموضوع محاولة شخصية لبناء (قواعد) تفكير، لا تُبرمج الآلة بل تُبرمج الإنسان على التفاعل مع الآلة بكيفية أكثر وعياً وفاعلية وإبداعاً. إنّها قواعد بشرية ناتجة عن تجربتي المباشرة في مشغلي التفاعلي مع الذكاء الإصطناعي وليست نتاج قراءات في كتب أو مُلخّصات أو أطروحات أكاديمية رغم قناعتي أنّ كثيرين لا بدّ قد اختبروا ما اختبرت وسَعوا لتدوينه ونشره في أوسع نطاق ممكن. ما أسعى إليه هو علاقة بشرية مثمرة وكفوءة مع الآلة، وبمقاربة تعتمد الشراكة الفكرية النشيطة بعيداً عن علاقة التبعية أو الهيمنة أو الإسترخاء البشري الكسول مع مُخْرَجات الآلة. من المفيد أن نتذكّر دوماً أنّ الذكاء الإصطناعي يمكنُ أن يضاعف الذكاء البشري لمَدَيات عظيمة ويفتح أمام البشر آفاقاً واسعة؛ لكنّه يحتاج لذكاء بشري تفاعلي ودينامي لا يكتفي بالنتائج الجاهزة. الكسلُ الذهنيُّ والإسترخاء في مِهاد الإجابات الجاهزة هما ألدّ أعداء تخليق علاقةٍ تفاعلية متقدّمة مع الذكاء الإصطناعي. هذه العلاقة تتأسّسُ على قواعد عمل:
القاعدة الأولى: الذكاء الإصطناعي سيكون ذكياً معك بمقدار ذكائك في التعامل معه
هناك خطأ شائع بين مستخدمي الذكاء الإصطناعي: التعامل معه كما لو كان محرّك بحثٍ كبيراً بواجهة مُحادثة أنيقة. تُطرَحُ عليه أسئلةٌ عامة، غائمة، سريعة وغير موجّهة، تشبه تلك التي يقذف بها الطلبة بعضهم في قاعة درس قبل دقائق من الإمتحان، وحين تأتي الإجابة بدورها عامة، يخرج المُستخدِمُ بانطباع سيئ: (أهذا كلُّ ما يستطيعُ الذكاء الإصطناعيُّ فعلَهُ؟). الحقيقة معكوسة تماماً: أنتَ من يحدّدُ عُمْقَ (أو بمعنى أدق: ذكاء) الذكاء الإصطناعي، لا العكس.
لنتعاملْ بمثال. السؤال الذي يكتفي بالقول: (حدّثْني عن التشابك الكمومي Quantum Entanglement) لن يساوي شيئاً على المستوى المفاهيمي بالمقارنة مع سؤال آخر يقول: (كيف يمكن أن نوفّق بين مبدأ آينشتاين في ثبات سرعة الضوء في نظرية النسبية الخاصّة مع مبدأ التشابك الكمومي؟). في السؤال الأوّل نحصل على ملخّص مدرسي باهت؛ أمّا في السؤال الثاني فسنفتح بوابة لمحادثة علمية متقدمة تتجاوزُ حدود المهارة التقنيّة في السؤال نحو خوارزمية ذهنية مفادُها البدءُ من تفاصيل دقيقة، ثم استدراج الآلة إلى الأعماق الفكرية بدل القبول بالسياحة الفكرية الفضفاضة على السطح. عندما تُصاغُ الأسئلةُ كما لو أنّ المرء يكتب مقدّمة كتاب بدلاً من أن يكتب تغريدة عابرة فحينها لن يدهشنا الذكاءُ الإصطناعي بقدراته فحسب؛ بل سنندهشُ كذلك لرؤية ذكائنا وهو يتوسّعُ ويمتدُّ أثناء الحوار. يبدو الأمر في المناقشات الفكرية المثيرة مع الذكاء الإصطناعي كأنّك تحادثُ شخصاً بقدراتٍ معرفية لا حدود لها؛ لكنّه يريدك أن تُبدي بعض الندّية معه حتى لا يصيبه الخذلانُ الفكريُّ والعطالة التفاعلية.
القاعدة الثانية: أعد رؤيتك لعلاقتك بالآلة قبل أن تطلب منها أن تفكّر
ثمة اعتقاد منتشر على أوسع النطاقات: الذكاء الإصطناعي ليس أكثر من آلة تبدو ذكية بفضل نمطٍ من الحسابات الإحصائية والحوسبة فائقة السرعة مع البيانات الضخمة. هذا خطل كبير. لو كان الأمر على هذه الشاكلة فلماذا صار الذكاء الإصطناعي هو العنوان الحالي للثورة التقنية؟ ولماذا هذا الإفراط المالي في الصرف على تقنياته بلا حساب واعتبارها جزءاً أساسياً في معادلات القوة الستراتيجية الدولية؟
هذا الانطباع-وإن كان يحمل جزءاً من الحقيقة التقنية- من شأنه أن يهدم قدرتنا على رؤية الإمكانات الهائلة التي تنمو أمامنا. هذا الإنطباع يُقزّمُ الذكاء الإصطناعي إلى (أداة)، ويقلّص علاقتنا به إلى (استخدام روتيني)، ويجعل المستقبل يبدو كنسخة مُحسّنة من الماضي. الذكاء الإصطناعي اليوم ليس آلة حاسبة متقدمة، ولا محرّك بحث مُعدّلاً فحسب. إنّه منظومة لغوية-معرفية قادرة على بناء احتمالات، وربط سياقات، وتوليد علاقات، وإبداع نصوص وصور وحلول لم يكن الفرد قادراً على إنتاجها بمفرده.
بهذا المعنى يصبح المهمّ هو (ما الذي يمكنني التفكيرُ به بمعية الذكاء الإصطناعي؟) بدلاً من السؤال التقليدي الذي غاب واندثر (ما الذي يفعلهُ الذكاء الإصطناعي؟).
علاقة الإنسان المعاصر والمتمكّن تقنياً مع الآلة هي شراكة معرفية لا محض (تنفيذ أوامر)، ولكي تكون هذه العلاقة فاعلة فهي تتطلّبُ كسر ثلاثة أوهام: الأوّل هو وهْمُ أنّ الذكاء الإصطناعي مجرّدُ نسخة أسرع من الويكيبيديا. الحقيقة أنّ الذكاء الإصطناعيّ يعمل بطريقة مختلفة جذرياً عن عمل محرّكات البحث التقليدية لأنّه يخلق معرفة جديدة ولا يكتفي بالبحث عن معرفة موجودة مسبقاً. الثاني هو وهْمُ أنّ الذكاء الإصطناعي يحلُّ محل التفكير البشري؛ بينما دورُهُ الحقيقي هو توسيع مساحات التفكير، لا إلغاؤها. الثالث هو وهْمُ الحذر المفرط الذي يعتبر كل تطوّر تقني ثوري خطراً محدقاً.
الخوف مفهوم؛ لكنه يصبح عقبة حين يتحول إلى (عقيدة) مؤدلجة ذهنياً، تمنعُ التجربة والإبداع.
حين نتخلّص من هذه الإنطباعات المُقيِّدة، نبدأ في رؤية الذكاء الإصطناعي كإمتداد طبيعي لخيالنا. عندها فقط ينفتحُ باب الأسئلة الحقيقية:كيف أجعلُ الذكاء الإصطناعي يفكرُ معي في علاقة شراكة كاملة من غير تبعية أو هيمنة؟ وكيف أكتب نصاً لا يمكن لأحد أن يعرف أين يبدأ الإنسان فيه وأين ينتهي الذكاء الإصطناعي؟ والأهمّ من كل هذا: كيف يمكن أن نبتكر معاً أفكاراً لم توجد من قبل، لا بشرياً ولا آلياً؟