إسماعيل نوري الربيعي
ليس من العجيب أن يخرج من رحم اللغة رجلٌ يجعل للمجاز سلطانًا، ولا من الغريب أن يكون من أهل العربية من يرى في الليل مملكةً للكلام، وفي الحكاية بابًا إلى الحكاية، وفي المعنى ظلًّا لمعنى آخر لا يُدرك إلا إذا أطال القارئ النظر، وشمّر في طلب الفهم كما يشمّر الملاح إذا ركب البحر. ذلك هو الدكتور طارق النعمان، أستاذ اللغة العربية في جامعة القاهرة، وواحدٌ من أولئك الذين لم يكتفوا بدرس البيان، بل جعلوا البيان نفسه موضوعًا للدهشة، حتى بدا القارئ لكتابه كأنما يسير في دهليز من المرايا، يرى فيه القول وهو يلد القول، والمجاز وهو يفتح باب مجازٍ آخر. ولعمري، إن من تأمل شأن العلماء وجدهم طبقات: فمنهم من يحفظ العلم حفظ الصناديق للجوهر، ومنهم من ينفخ فيه من روحه حتى يصير حيًّا يسعى بين الناس. والدكتور طارق من هذه الطبقة الثانية، إذ لا يقف عند حد النقل، ولا يرضى من النصوص بظاهرها، بل يفتّقها كما يفتّق البلاغي ثوب الكلام، ويرتق شعثها حتى تنتظم في سلكٍ واحد، كأنها لآلئ كانت مبعثرة فردّها إلى عقدها الأول. وقد أحسن إذ جعل المجاز حكايةً إطارًا لنفسه، فقال ما معناه إن المجاز ليس زينةً تطرّز ظاهر القول، بل هو قوةٌ جبارة، طاقةٌ قادرة على أن تقتل وأن “تقتل القتل” نفسه. وهذه عبارة لو سمعها الجاحظ لابتسم لها، لأنها من الكلام الذي يلد معناه من تضاده، ويخرج حكمته من صراع الألفاظ في رحم الفكرة. فالمجاز عنده ليس محسنًا لفظيًا من تلك التي يتلهى بها المترفون في مجالس الأدب، بل هو جوهر التفكير، وروح الحكي، ومفتاح الخفيّ من أبواب النفس.
وإذا كان بعض الناس يجعلون النهار زمن اليقين، فإن صاحبنا رأى الليل أخصبَ للمجاز، لأن الليل سترٌ، والستر رحمُ المعنى. وما أكثر ما يولد القول الكبير في العتمة، لا لأن الظلمة تُحبّ الغموض، بل لأن النفس إذا خلصت من صخب النهار سمعت دبيب المعاني في باطنها. ومن هنا كان حديثه عن “الليالي” حديثَ من خبر أن للحكاية زمنًا، وأن للرغبة في البوح ساعةً لا تكون إلا حين تخفت ضوضاء الشمس، ويسكت شهود النهار. وفي هذا المعنى شبهٌ بعيدٌ بما كان يقوله أهل الحكمة: إن الفقه كتمان السر، وإن البلاغة معرفة رتق الكلام وفتقه. ذلك أن المجاز سرٌّ لا ينكشف دفعةً واحدة، وإنما يفتح للقارئ بابًا ثم يردفه بباب، حتى يظن أنه بلغ الغاية فإذا هو في أول الطريق. ومن أطال النظر بإرادة تامة أدرك الغاية، ومن توانى في نفسه ضاع. وهكذا شأن قارئ طارق النعمان: إن دخل نصوصه مستعجلًا عاد منها بقبضة من الألفاظ، وإن دخلها متأنّيًا خرج منها بميراثٍ من الرؤى. وليس أعجب في كلامه من حديثه عن “الحكاية الإطار”، فإن الإطار عند كثير من الناس حدٌّ يحصر الشيء، أما عنده فهو تحوّلٌ دائم. فليس ثمّة إطارٌ واحد، بل إطارات تتوالد كما تتوالد المرايا في قصرٍ لا آخر له. يبتدئ الحكي من شاه زمان، ثم ينفتح على شهريار، ثم على العفريت وعروسه، ثم على كل راوٍ يلد من الحكاية حكايةً أخرى. فكأنما أراد أن يقول: إن الحقيقة نفسها لا تُدرك من نافذةٍ واحدة، وإن المعنى إذا سُجن في إطارٍ واحد مات، أما إذا تُرك يتحوّل عاش.
وهذا الضرب من النظر يدل على عقلٍ طال به التجريب، لأن طول التجارب زيادةٌ في العقل، ومن جال في نصوص التراث، وعاشر الليالي العربية من ابن دريد إلى ابن وهب، عرف أن الكلام ليس دائمًا ما يُقال، بل كثيرًا ما يكون ما يُخفى، وأن المعنى الحق يسكن في المسافة بين الملفوظ والمسكوت عنه. ومن هنا جاء ربطه البديع بين المجاز والتقية، بين الحضور والغياب، حتى بدا المجاز عنده كائنًا ليليًا، يعيش في المسارب الخفية، ويأنف من الوقوف عاريًا تحت شمس التقرير. وإنما فضلُ هذا العالم أنه لم يجعل التراث متحفًا، بل جعله كائنًا حيًا. فكم من أستاذٍ يمرّ على ألف ليلة وليلة مرور السائح، يذكر أسماءها وأبوابها ثم ينصرف، أما هو فقد دخلها دخول من يفتش عن قلبها النابض، حتى رأى أن الحكاية الإطار نفسها ليست إلا مجازًا أكبر، وأن كل ليلةٍ تلد إطارها كما تلد اللغة استعاراتها. ومن شيم العلماء الكبار أنهم يعلّمون القارئ كيف يقرأ قبل أن يعطوه ما يقرأ. وهذا ما يفعله طارق النعمان؛ إذ يدرب قارئه على الشك الجميل، وعلى السؤال الذي لا يكتفي بالجواب الأول. “هل كل مجاز يحوي حكايته الإطار؟” سؤالٌ يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة بابٌ إلى فلسفة كاملة في القراءة. لأن السؤال ليس عن المجاز وحده، بل عن قدرة العقل على أن يرى في كل صورة ظلَّ صورتها، وفي كل معنى بذرةَ معنى آخر.
وههنا تظهر صنعة الأستاذ، إذ يجعل من السؤال نفسه أداةً للمعرفة. والعقل تُستخرج به الحكمة، وبالحلم يُستخرج غور العقل. فمن لم يصبر على أسئلة النصوص ضاق بها، ومن صابرها انفتحت له خزائنها. لذلك لا يقرأ المرء هذا اللون من الكتابة إلا كما يقرأ البحر: لا يكتفي بسطحه، بل يغوص حيث اللؤلؤ. ولعلي أقول، على سنن الجاحظ، إن الناس في المجاز فريقان: فريقٌ يراه لعبةً للسان، وفريقٌ يراه ضرورةً للعقل. فأما الأول فحظه من الكلام كحظ من نظر إلى القمر في الماء، ظنّه ماءً فضيًّا ولم يرفع رأسه إلى السماء. وأما الثاني فهو الذي يدرك أن اللغة لا تقول الأشياء كما هي، بل كما تستطيع النفس أن تراها. ومن هنا كان المجاز عند طارق النعمان ليس انحرافًا عن الحقيقة، بل طريقًا إليها. ومن اقتصد في النظر اجتمعت له المعاني، ومن أسرف في الأحكام انتشرت عليه. وهذه خصلة نلمحها في كتاباته، فهو لا يندفع إلى تقريرٍ نهائي، بل يترك للنص فسحةً يتنفس فيها، وللقارئ موضعًا يشارك منه في إنتاج الدلالة. فكأن الكتاب عنده مجلسٌ لا منبر، وحوارٌ لا خطبة، وسمرٌ من أسمار الليالي التي لا ينتهي فيها القول. ولقد أحسن حين لمح أن الرغبة في “قتل المجاز” إنما هي رغبةٌ في قتل الاحتمال، وقتل الحرية التي تمنحها اللغة للعقل. فالنهار يريد الأشياء واضحةً صارمةً كحدود الجدران، أما الليل فيسمح للمعاني أن تتجاور، وللصور أن تتعانق، وللرغبات أن تتكلم من وراء حجاب. وفي هذا سرٌّ من أسرار الأدب العربي، الذي ما ازدهر إلا حين عرف كيف يجعل القول يقول أكثر مما يقول.
فإذا قيل: ما منزلة هذا الأستاذ في زماننا؟ قلت: منزلته منزلة من ردّ إلى البيان العربي بعض هيبته، وذكّر الناس أن البلاغة ليست صنعةً مدرسية، بل هي طريقةٌ في فهم الوجود. وأن الحكاية ليست تسليةً للعوام، بل مختبرٌ للفكر، ومسرحٌ تتصارع فيه الحقيقة مع أقنعتها. هذا، وإن القارئ لكتابه لا يخرج منه بملخصٍ يحفظه، بل بعينٍ جديدة يرى بها النصوص. وتلك هي غاية الأستاذ الحق: ألا يكثر لك المعلومات، بل أن يزيدك قدرةً على الرؤية. ومن شمّر في الأمور ركب البحور، ومن اقتحم ليل المجاز على هدى هذا العالم عاد بشمسٍ في يده. فطوبى لجامعةٍ تضم مثل هذا الأستاذ، وطوبى للغةٍ لا يزال فيها من يردّ إليها سحرها الأول، ويوقظ في ألفاظها ما خمد من نار الدهشة. فإن العلم إذا لاقحته التجربة ولد الحكمة، وإذا جاور البيانَ أنجب البصيرة، وإذا صادف عقلًا كعقل الدكتور طارق النعمان صار كتابًا لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش، وليلةً من ليالي الفكر لا يطلع صبحها إلا وقد تغيّر القارئ بعض التغيّر، وعرف أن للمجاز شمسًا يخبئها، وأن للحكاية إطارًا لا ينتهي إلا ليبدأ.