لا يمكن قراءة قصيدة باهرة عبد اللطيف بوصفها بوحا ذاتيا مباشرا أو اعترافا نفسيا بسيطا، بل بوصفها خطابا لغويا تتشكل فيه الذات عبر التوتر بين القول والصمت، بين الرغبة والنقص، وبين ما يُقال وما يستعصي على القول. وفق منهج جاك لاكان، الذات لا تسبق اللغة ولا تتحكم بها، بل تولد داخلها منقسمة، مشروخة، ومحمولة على دوال لا تمتلكها بالكامل. من هنا، فإن القصيدة لا تكشف عن ذات متماسكة تروي تجربتها، بل عن ذات تتكون أثناء الكتابة، وتعيد ترتيب علاقتها بذاتها وبالعالم من خلال شبكة من الدوال المركزية، أبرزها الوحش، الوطن، الأمل، والصمت. العنوان “بوح لا يعني أحدا سواي” يضعنا منذ البداية أمام مفارقة لاكانية واضحة. فالقول الذي يدعي الانغلاق التام هو في الحقيقة أكثر أشكال الخطاب انفتاحا على الآخر. لاكان يؤكد أن كل خطاب هو خطاب موجّه، حتى وإن أنكر صاحبه ذلك. العنوان إذن لا يلغي الآخر، بل يستحضره ضمنا بوصفه ذلك الحضور الغائب الذي لا يمكن للغة أن تتجاهله. هكذا تدخل القصيدة فضاء الرمزي منذ سطرها الأول، معلنة أن الذات تتكلم لا لتشرح نفسها، بل لتكشف انقسامها.

الوحش بوصفه تجليا للواقعي:
يمثل “الوحش الغافي في صدري” الدال الأكثر كثافة في القصيدة، وهو مفتاح القراءة اللاكانية للنص. فالوحش هنا ليس مجرد استعارة شعرية عن القلق أو الخوف، بل هو تمثيل لما يسميه لاكان “الواقعي”، أي ذلك البعد من التجربة الذي لا يمكن احتواؤه كليا داخل اللغة أو النظام الرمزي. الواقعي لا يظهر بوصفه معنى واضحا، بل بوصفه ثغرة، ألما مبهما، حضورا صامتا يضغط على الذات من الداخل. تحية الشاعرة للوحش وقولها “سلاما له” تكشف عن موقف بالغ الأهمية. الذات لا تحاول القضاء على الوحش ولا إنكاره، بل تعترف بوجوده وتتعلم منه. في التحليل النفسي اللاكاني، لا يكون الشفاء في محو الواقعي، بل في إعادة تنظيم العلاقة معه. الوحش يتغذى من قلق الوطن، أي من جرح جماعي وتاريخي، لكنه يسكن الصدر بوصفه تجربة فردية لا يمكن فصلها عن البنية النفسية للذات. تعليم الوحش للذات التوقف عن العدو والتأمل في الخطوة يشير إلى انتقال من الإنكار إلى الوعي. فالعدو هنا ليس حركة جسدية فقط، بل هو هروب دائم من مواجهة الذات مع نقصها. التوقف هو لحظة مواجهة، لحظة قبول بأن الذات لا تستطيع الاستمرار في مطاردة وهم الاكتمال. الوحش إذن ليس عدوا خارجيا، بل هو المعلم القاسي الذي يجبر الذات على الإصغاء إلى ما كانت تتجاهله.