
في ظل ما تشهده مصر من تحولات اقتصادية وتكنولوجية وقفزات الذكاء الاصطناعي المتزايدة بشكل مطرد، أخذت تتزايد الفجوة الوظيفية بين خريجي كليات الآداب والحقوق ومتطلبات سوق العمل؛ مِمَّا أدى إلى تزايد نسب بطالة خريجي هذه الكليات كل عام أكثر من الأعوام السابقة عليه، وهو مشكل بدا أنه يُؤرِّق القيادة السياسية؛ حرصًا منها على تقليل نسب البطالة في المجتمع بكل ما يشكله تزايد نسبها من أخطار اجتماعية وأمنية وسياسية، ولا شك أن مثل هذا القلق قلق مشروع، ومشروع جدًا، من قِبَل القيادة السياسية يشاركها فيه كل من يحرص على مستقبل هذا الوطن وأمنه الاجتماعي والسياسي.
ومع ذلك، فإن القول بإلغاء هذه الكليات سوف يُؤدِّي إلى عدد من المخاطر الاستراتيجية التي تدفع بمصر إلى الوراء داخليًا وإقليميًا، وعالميًا. واسمحوا لي أولاً أن أرصد هذه المخاطر ثم أطرح على أولي الأمر وعلى القارئ الكريم ما أتصوره من حلول لهذه الأزمة.
إذا كان طرح إلغاء كليات الآداب والحقوق انطلاقًا من كونها لا تلبي احتياجات سوق العمل قد يبدو، للوهلة الأولى، استجابة عملية أو بالأحرى براجماتية لمواجهة البطالة ومقتضيات ومتطلبات التحولات الاقتصادية وتحولات سوق العمل؛ فإنه في الحقيقة يطرح رؤية اختزالية للتعليم، رؤية تُغفل أبعادًا جوهرية تتعلق بمفهوم البحث العلمي وأهمية تطويره، وبالوظائف المتعددة للجامعة، وبنية الدولة، والهُويَّة التاريخية والثقافية لمصر ودورها الإقليمي والدولي، وآفاق المستقبل، هذا فضلاً عن أنها ستمثل سابقة لا نظير لها من قبل في أي بلد من بلدان العالم المتقدم، غربًا وشرقًا، وشمالاً وجنوبًا؛ إذ لم يشهد العالم من قبل سابقة كهذه لا في العالم الأول ولا في العالم الثاني.
أولًا: مشكل اختزال التعليم في سوق العمل
إن هذا الطرح ينطلق من فرضية ضِمْنيَّة مُؤدَّاها أن القيمة الوحيدة للتعليم الجامعي هي قابلية تحويله وترجمته إلى مجرد وظيفة. والحقيقة أن هذا التصور أبعد ما يكون عن الدور العلمي والثقافي والحضاري والتاريخي للجامعة؛ إذ يتجاهل أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة للتأهيل المهني، وإنما ساحة وفضاء للإنتاج العلمي والمعرفي، وصياغة وتشكيل وعي الأمة، وبناء الإنسان القادر على التفكير النقدي، والتحليل، والتأويل، والإبداع والابتكار والخلق.
وانطلاقًا من هذا التصور للجامعة، وبهذا المعنى لا يحق لنا أن نهبط بمفهوم ووظيفة الجامعة على هذا النحو الذي يساوي بينها وبين معاهد ومراكز التأهيل المهني، والتي لدينا منها أعداد غير قليلة. ومن ثم يمكن القول أن كليات الآداب، بما تُقدِّمه من دراسات في اللغات والآداب المختلفة، والتاريخ، والفلسفة والمنطق، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وبعض الفنون الأخرى كالسينما والمسرح والفنون الشعبية، تزوّد المجتمع بأدوات تتيح له فهم ذاته وتحولاته. كما أن كليات الحقوق تُؤسِّس وتُرسِّخ المعرفة القانونية والوعي القانوني، وتُكرِّس مفاهيم العدالة، والمواطنة، وسيادة القانون، وهي مفاهيم لا ينبغي لها أن تغيب عن أي دولة تدعي أنها دولة ديموقراطية.
إن اختزال التعليم الجامعي في مجموعة من المهارات التقنية الآنية لن يُنتج سوى أجيال هشَّة على الصعيد المعرفي والثقافي، أجيال عاجزة عن التفكير والابتكار والإبداع، وهو ما ينتج عنه بالضرورة على المدى البعيد مجتمع هشّ معرفيًا وثقافيًا.