منوعات

طه حسين وضرورة الفصل بين العقيدة والشعرفي ذكراه. تجديد الوفاء لحريّة العقل

حورية الخمليشي حورية الخمليشي 29.10.2026

في ذكرى طه حسين نستعيد عالمًا وأديبًا جعل من قراءة التراث سؤالًا عن حاضر الثقافة ومستقبلها. فالاحتفاء به يتجاوز استحضار سيرته ومناقبه إلى مناقشة القضايا التي شغلت مشروعه، وقد اتّسعت أسئلته للشعر والأدب والفلسفة والتربية والتعليم والترجمة. تساءل طه حسين عن سبيل التحقّق من صحّة الموروث الشعري، والتقيّد في ذلك بمناهج البحث العلمي الصحيح. وتساءل عن كيفيّة ربط دراسة الأدب باللغة والتاريخ والثقافة العامة والمقارنة، وعن دور التفكير الفلسفي في معرفة النفس والأخلاق. وتساءل أيضًا عن التربية، وعن المدرسة التي تُنشئ إنسانًا قادرًا على البحث والاستكشاف، وعن التعليم وصلته بالديمقراطيّة والحرّيّة ومعرفة الحقوق والواجبات، وعن الترجمة التي تصل المعرفة العالميّة بالقارئ العربي .
وقد بحث طه حسين في صحة الموروث الشعري وطرائق روايته، وفي شروط دراسة الأدب وصلته بالتاريخ والمجتمع وآداب الأمم، كما تناول دور الحوار الفلسفي في معرفة النفس ومراجعة الأفكار. وامتدت مساءلته إلى المدرسة والجامعة. من هذا الأفق الواسع يتناول دعوته إلى استقلال دراسة الشعر عن الأحكام العقدية المسبقة. فهي قضية تتصل بسؤال أكبر شغل مشروعه وهو بناء معرفة تستند إلى الدليل وتعترف بحق العقل في السؤال والمراجعة؟
فقد أعاد طه حسين مساءلة الموروث الشعري في العصر الحديث، مستندًا إلى تقاليد نقد الروايات والشك في صحة نسبة الشعر، وهي تقاليد لها جذور في التراث العربي نفسه. واتخذت هذه المساءلة عنده صورة مشروع نقدي أثار نقاشًا واسعًا مع صدور كتابه “في الشعر الجاهلي” عام 1926، ثم “في الأدب الجاهلي” عام 1927. وتظهر أهمية هذا المشروع في إعادة النظر في العلاقة بين القارئ وسلطة الموروث. فالنص الذي وصل إلينا محاطًا بالإعجاب يظلّ محتاجًا إلى التحقيق. من رواه؟ ومتى دُوّن؟ وما القرائن التي تسند نسبته؟ وما الظروف التي أثّرت في انتقاله؟ إن طرح هذه الأسئلة يمنح التراث حياة معرفية متجددة، ويجعل صلتنا به قائمة على الفهم الذي يستطيع أن يشرح أحكامه ويدافع عنها.
فالبحث في صحة نسبة قصيدة إلى شاعر جاهلي يتطلب أدلة لغوية وتاريخية ونقدية. ولا تكفي موافقة القصيدة لمعتقد الباحث لإثبات صحتها، كما لا يكفي تعارضها مع قناعاته للحكم بانتحالها. فاستقلال المعرفة يُختبر حين تخالف القرائن ما نرغب في تصديقه.
هكذا أعاد طه حسين النظر في الموروث الشعري. ففي كتابه “في الأدب الجاهلي” أشار إلى ضرورة اهتمام الأدب العربي بالآداب الأجنبية، وضرورة الفصل بين العقيدة والشعر، يقول في كتابه الأدب الجاهلي: “لم يتقدم درس الأدب في مدارس الحكومة، وانحط درس الأدب في الأزهر. وكانت نتيجة هذا كله أنك تستطيع أن تنظر إلى ألوان العلم التي تدرس في مدارسنا على اختلافها، فإذا كلها قد ارتقى وتقدم تقدماً يختلف قوة وضعفاً، وإذا المصريون قد أخذوا منها بحظوظ لا بأس بها، إلا لوناً واحداً من ألوان العلم لم يتقدم إصبعاً، بل لست أشك في أنه تأخر تأخراً منكراً، وهو الأدب العربي. فليس بين الأستاذ الذي يدرس الأدب في هذه السنة والأستاذ الذي كان يدرسه من خمس عشرة سنة فرق ما. وليس بين التلميذ الذي ظفر بالشهادة الثانوية الآن والذي كان يظفر بها منذ خمس عشرة سنة فرق ما. وليس أدل على هذا كله من أننا حين أردنا أن ندرس الأدب في الجامعة لحملة الشهادة الثانوية، اضطررنا إلى أن نبدأ الدرس من أوله، فنعلمهم أوليات النحو والصرف والبلاغة والتاريخ، فضلا عن أوليات الأدب.”
ونستشفّ من كلام طه حسين ثورة على مناهج التدريس وبنيات المجتمع التقليدي ككل. لذلك وضع شروطاً لتقدّم درس الأدب العربي أولها هو تعلّم اللغات الأجنبية كسبيل للتقدم ووضع منهج علمي لدراسة هذا الأدب. وهذا المنهج كما نلاحظ منهج ضد ثقافة التقليد والمتداول وإعادة الإنتاج والتفكير لإنتاج فكر عربي نقدي متحرّر من ثقافة الماضي من أجل أن يلج الأدب العربي فضاء الحداثة ومسايرة أسئلة الراهن الثقافي.
وقد جمع طه حسين بين الأزهر والسوربون، وبين الجاحظ وأبي العلاء ومفكري أوروبا، دون أن يذوب في أيّ منهما. وكتب “على هامش السيرة” كما كتب عن اليونان. فبقي انفتاحه انفتاح الواثق بجذوره، الذي يأخذ من الآخر ما يغني ذاته، ولا يتخلى عن ذاته ليشبه الآخر. وأثبت أنّ اللغة العربيّة الفصحى قادرة على حمل الفكر الحديث. ففي “الأيام” قدّم سيرة ذاتية صارت من علامات النثر العربي الحديث.
هكذا يتجدّد السؤال في ذكرى طه حسين. هل يمتلك الإنسان العربي اليوم الجرأة الكافية لمواجهة تحديات عصره، وطرح الأسئلة الكبرى على الذات والتاريخ؟ وهل يستطيع الفكر العربي مساءلة الأصول، وكشف الممنوع والمكبوت، واختراق الأسوار التي تُقام باسم المقدّس لمنع السؤال، ومجابهة السلطة السياسية حين تضيق بحرية التفكير؟
إن تحرير النصوص من المسبقات، وإخضاع التأويلات الموروثة للنقد، وتوسيع مجال البحث والاختلاف، من أهم المهام المطروحة على هذا الفكر لفتح أفق الإبداع. ولعلّ أصدق احتفاء بطه حسين أن نواصل مساءلة ما اعتدنا التسليم به، وأن نجعل من شجاعة السؤال ممارسة معرفية تقترن بالدليل والمسؤولية وحرية العقل.

حورية الخمليشي
عن الكاتب
حورية الخمليشي

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←
منوعات

أحمد شوقي خارج القصيدة العموديةمن حكايا الأطفال إلى الشعر المنثور في “أسواق الذهب”

تمرّ ذكرى رحيل أحمد شوقي (1868–1932) فتستعيد معها سؤالاً لم يفقد راهنيّته. كيف وسّع شوقي مجالات الكتابة من الشعر العمودي إلى الشعر…

حورية الخمليشي
حورية الخمليشي 24.10.2026
اقرأ ←