أ.د. أحمد الكلابي
نظّمت لجنة الاستعراب والاستشراق في المنتدى العالمي للغة العربيّة ندوة فكريّة رفيعة المستوى في يوم الجمعة الموافق التاسع من شهر كانون الثاني/ يناير 2026، بعنوان: جمهوريّة الآداب في العصر الإسلامي الوسيط: بناء المعرفة بالعربيّة، قدّمها الأستاذ الدكتور محسن جاسم الموسوي، أستاذ الدراسات العربيّة والمقارنة في جامعة كولومبيا، وبحضور نخبة من الأكاديمييّن والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.
استُهلّت الندوة بكلمة ترحيبيّة عرّفت بالمكانة العلمية والفكرية للدكتور الموسوي وبمنجزه البحثي الواسع، وبكتابه موضوع الندوة الذي صدر باللغة الانجليزيّة في عام 2015 وباللغة العربية في عام 2020 عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ترجمة الأستاذة حبيبة حسن.
تقدّم هذه المحاضرة أطروحة نقديّة كبرى مفادها أن الثقافة العربيّة الإسلاميّة في العصر الوسيط والمتأخر (تقريبًا من القرن 12 إلى 18م) لم تكن عصر “انحطاط” كما شاع في خطاب النهضويين العرب المتأثرين بالاستشراق، بل كانت عصر إنتاج معرفي كثيف وديناميكي، يمكن توصيفه بمفهوم: “جمهورية الآداب”؛ أي فضاء واسع من التفاعل العلمي والأدبي والفكري يقوم على شبكات العلماء والكتّاب والرحّالة والنساخ والمكتبات والمؤسّسات التعليميّة والأسواق والمساجد، ويتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
ناقش الدكتور الموسوي في محاضرته بصورة نقديّة معمّقة الفكرة الشائعة عن “عصور الانحطاط” في التاريخ الثقافي العربي الإسلامي، مبيّنًا أن هذا التصور هو إسقاط متأثر بالرؤية الاستشراقية الأوروبية للعصور الوسطى، وأنّه لا يصمد أمام القراءة الفاحصة لحركة التأليف والإنتاج المعرفي في تلك القرون الممتدة تقريبًا من القرن الثاني عشر إلى الثامن عشر. وأوضح الموسوي أن تلك المرحلة شهدت نشوء ما يمكن تسميته بـ “جمهورية الآداب”، أي فضاء معرفي واسع تشكّل عبر شبكات العلماء والأدباء والفقهاء واللغوييّن والمؤرّخين والمتصوّفة، وتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، رابطًا بين بغداد والقاهرة ودمشق وقرطبة وتلمسان وسمرقند وغيرها من المراكز الحضارية.
وأشار إلى أن اللغة العربية كانت هي الوعاء الجامع والأساس البنيوي لهذا الفضاء، بخلاف ما يُظن من أنها تراجعت لصالح لغات أخرى، مبرزًا أن العربيّة ظلّت لغة التأليف في الفلسفة والبلاغة والتاريخ والتصوف والعلوم الإنسانية، وأنها أنتجت كمًّا هائلًا من الموسوعات والمعاجم، والشروح، والملخصات، والحواشي.
وتوقّف المحاضر عند ظواهر معرفية كبرى مثل:
- ازدهار الموسوعات والمعاجم من الجوهري إلى ابن منظور إلى الزبيدي وغيرها.
- توالد الشروح والاختصارات على كتب البلاغة والمنطق والنحو، ولا سيما كتاب المفتاح للسكاكي،
- الحركة الصوفية الكبرى وظهور مؤلفات موسوعية مثل الفتوحات المكية لابن عربي.
- ظاهرة البديعيات والمديح النبوي وتحول الشعر من مدح السلطان إلى مدح النبي ﷺ.
- حضور “الشارع” والثقافة الشعبيّة في أشكال مثل الموشحات والزجل وخيال الظل والأدب الحكائي.
وعندما يُناقش المحاضر مفهوم “جمهورية الآداب”، يقترح التركيز على “المفاهيم والتطوّرات النظريّة وكذلك القدرات الفعليّة التي تظهر داخل الثقافة التي تُشير إلى وجود عوامل فاعلة في تكوين المجتمعات أطلق عليها (جمهوريّة الآداب في العصر الإسلامي الوسيط)”. وإنّ ما نشأ في العالم الإسلامي هو جمهورية معرفيّة غير رسميّة، لا مركز ثابت لها وتقوم على التراسل العلمي والرحلة في طلب العلم والمجالس والشروح والتعقيبات والردود والتراكم النصّي المتواصل.
وقد تطرّق الأستاذ الدكتور محسن الموسوي إلى دور اللغة العربيّة كونها البنية الجامعة للمعرفة ويؤكد في المحاضرة أنّ اللغة العربيّة كانت البنية التحتيّة الكبرى للمعرفة. وهي لغة القرآن ولغة البلاغة والنحو والفقه والتفسير والتاريخ والفلسفة والتصوّف حتى في البلاد غير العربيّة (إيران، الأناضول، الهند، إفريقيا…). وأشار إلى أنّ ظهور لغات محليّة لم يُلغِ مركزيّة اللغة العربيّة، بلْ اشتغل ضمن فضائها.
كما تناول الموسوي أمثلة إشكاليّة من التاريخ الثقافي، مثل لقاء ابن خلدون بتيمورلنك وقصة حسن الوزّان (ليون الإفريقي) ليدلّل على تعقيد العلاقة بين المعرفة والسلطة والسياسة، ويدعو إلى تجاوز القراءات التبسيطية والأحكام الأخلاقية السطحيّة.
وأكد في ختام محاضرته أن الانهيار السياسي لا يعني بالضرورة انهيارًا ثقافيًّا، وأن الثقافة العربيّة في العصر الإسلامي الوسيط كانت ديناميكيّة، مولّدة للمعرفة، قائمة على شبكات تداول وتفاعل مستمر، وهو ما يبرّر الحديث عن “جمهورية آداب” حقيقيّة سبقت في كثير من جوانبها ما عُرف في أوروبا لاحقًا بهذا المصطلح.
وشهدت الندوة تفاعلًا غنيًّا من الحضور الذين ناقشوا أطروحات المحاضرة وأهميتها في إعادة كتابة تاريخ الأدب والفكر العربي خارج ثنائيّة “الازدهار/الانحطاط”، وبمنهج معرفي يربط البلاغة بإنتاج المعرفة وبالبنية الثقافيّة العميقة للمجتمع.