ندوة أكثر من رائعة سواء بطرح الصديق العزيز المحاضر الدكتور محمد الرخاوي أو بتعقيب الصديق العزيز الدكتور سعيد المصري، وكل تلك المداخلات الثرية، فعلى مدار ساعتين ونصف عشنا حالة من الحراك الفكري والمعرفي الخلاق مع محاضر مُبدِع ومُعقِّب قدير، حول إشكالية تكاد تكون أصبحت إشكالية وجودية في ظل التدفق المعلوماتي المرعب، وهي إشكالية المعرفة الإنسانية بين وهم التأكد وحتمية اللاتأكد في عصر المعلومات، وقد انطلق الدكتور محمد الرخاوي من ملاحظة يومية لظاهرة حية ومعيشة وهي أن الإنسان المعاصر أصبح في ظل التدفق المعرفي المهول يعيش توترًا دائمًا بين رغبته في اليقين وبين واقع معقد تحكمه الاحتمالات.

وفي هذا السياق قدَّم لنا الرخاوي طرحًا نقديًّا لافتًا مفاده أن المعلومة في عصرنا ليست دومًا مجرد وسيلة لإنتاج المعرفة، وأنها على العكس من ذلك كثيرًا ما تصبح أداة لإنتاج وهم التأكد؛ إذ توحي التقنيات الحديثة بأن الحقيقة جاهزة وموجودة مسبقًا، تنتظر فقط من يلتقطها، بينما هذا التصور مضلل تمامًا على المستوى المعرفي؛ لأن كل معلومة هي في حقيقتها اختيار وإقصاء ضمن شبكة واسعة من الاحتمالات، أي أنها ليست انعكاسًا خالصًا للواقع بل بناء انتقائي.

كما ربط بشكل خلاق بين هذا التدفق المهول للمعلومات وتفكك السلطة التقليدية (خصوصًا السلطة الوالدية)، حيث أصبحت المعرفة متاحة للأبناء بشكل أسرع وأوسع من الآباء؛ مِمَّا أدى إلى تآكل الهيبة المعرفية، وخلق فجوة تربوية وثقافية.

ولم يكتفِ بهذا، إذ أخذ يربط بين التشبث المرضي بالتأكد وبعض الاضطرابات النفسية مثل الوسواس القهري والشك المرضي، حيث يصبح الفرد عاجزًا عن اتخاذ قرار بسبب عدم قدرته على استبعاد الاحتمالات، مِمَّا يجعل البحث عن اليقين يتحول إلى عائق وجودي.

وهو في كل هذا يتنقل من الفلسفة، إلى علم النفس، إلى اللغويات العلائقية، إلى صلاح جاهين، والنفري وابن عربي، إلى التربية، إلى العلوم المعرفية وخصوصًا اللغويات المعرفية، ليؤكد لنا أن المعرفة ليست تطابقًا مع الواقع، وإنما عملية تنظيم للإمكانات عبر الإقصاء، مؤكدًا مرة أخرى على أهمية وقيمة ممارسة عنف الإقصاء. فالعقل البشري يعمل من خلال تقليل الفوضى الاحتمالية، وليس من خلال الوصول إلى يقين مطلق، والإدراك الإنساني قائم على الترجيح لا على القطع، وعلى الرهان وإمكانية الرهان، وأن الدماغ ذاته يعمل عبر حذف احتمالات وتدعيم احتمالات أخرى.

ويختتم بأن الإنسان لا يستطيع العيش دون قدر من التأكد، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع بلوغ يقين مطلق. لذلك فهو مضطر إلى اتخاذ مواقف مثل الثقة، الرهان، أو الإيمان بوصفها بدائل عملية للتأكد المعرفي، وأن الإبداع والاتساع الفكري لا ينشآن من اليقين، وإنما من الانفتاح على اللاتأكد، وأن الخطر الحقيقي ليس في غياب اليقين، بل في التعلق المرضي به.

وقد اتسم الطرح في هذه الندوة بدرجة لافتة من العمق الفلسفي المصحوب برؤية إبستمولوجية أصيلة وصورة من صور البينية الخلاقة. هذا فضلاً عن طزاجة الطرح واشتباكه مع المأزق الوجودي للإنسان المعاصر بكل ما فيه من توتر وقلق وارتباك في ظل سيل المعلومات الذي لا يهدأ ولا يتوقف مهما حاولنا اللحاق به. ومن أهم ما تضمنته رؤية الرخاوي هو طرحه حول كيف تحوّلت المعلومة من وسيلة لإنتاج المعرفة لتصلح سلطة مضللة تُنتج وهم اليقين. وهو ما جعل الندوة تتسم ببعد نقدي لافت ينبهنا إلى ضرورة عدم الاستسلام والانبهار بما يتدفق علينا من سيول معلوماتية وضرورة مساءلة عصر المعلومات. هذا فضلاً عن استخدام أمثلة نفسية واقعية وحيوية مثل الوسواس والشك المرضي، مِمَّا ساعد على تجسيد الفكرة وجعل الطرح يقدم لنا معرفة حيَّة وطازجة وراهنة وساخنة في آن واحد.

فالشكر كل الشكر للصديق المبدع محمد الرخاوي والصديق القدير سعيد المصري، وكل من أثروا الحوار بأسئلتهم، وشكر خاص جدًا للصديقة العزيزة باهرة عبد اللطيف على كل ما تبذله من جهد ودعم، وأخيرًا ولس آخرًا الصديق العزيز الأستاذ يعرب أبو أكرم، مع أطيب أمنياتي أن تنتعش ندواتنا دومًا بالجديد والخصب والخلاق.

طارق النعمان