
أ.د مجدي عبد الحافظ صالح
أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعة حلوان بالقاهرة
توطئة:
تُعتبر الترجمة في عالمنا المعاصر حاجة ماسة لا يمكن تجاهلها، ذلك أنها اضحت اليوم أداة رئيسة لتواصل الشعوب والأمم، ووسيلة لا غنى عنها في تبادل العلوم والمعارف والفنون. ولعل ثمرة هذا التبادل النافع تبدَّت في كم تراكمات العلوم الاجتماعية والانسانية وكذلك العلوم التجريبية والدقيقة والتكنولوجية، الأمر الذي احدث طفرة حقيقية في اسلوب حياة الانسان المعاصر، في كل الامكنة التي يسكنها وعلى كل الاصعدة في مناحي حياته.
من هنا وباعتبار أن الترجمة ما هي إلا عملية نقل للعلوم السابقة وللمفاهيم وللأفكار والمصطلحات والتعبيرات والكلمات..الخ، من لغة إلى أخرى فإن عملية النقل تلك تظل شديدة الصعوبة والتعقيد، وذلك ليس لعدم توفر ما يُطابقها سلفا وتماما وبشكل تلقائي ومباشر في اللغة المنقول إليها فحسب، ولكن لاختلاف الانظمة فيما بين مختلف اللغات من جهة، ومن جهة أخرى لاختلاف التجربة التاريخية في البيئة الاصلية التي ترعرع خلالها المفهوم المُراد ترجمته، ومن ثمَّ حُمِّل بتراكمات وشحنات وتنوعات مختلفة عبر العصور. وإذا أضفنا أن الترجمة ستكون في حقل الفلسفة فأن المهمة ستزداد صعوبتها، بحكم أن الفلسفة تتعامل دوما مع المفاهيم، وكلما أراد المترجم ضبط ترجمته والتدقيق في معانيها ودلالات هذه المعاني في اللغة الهدف، كان عليه ألا يسلِّم ذاته لفخاخ المصطلحات وحرفيتها، بل يذهب بعيدا إلى اكتشاف روح المعنى الذي أراده نص اللغة الأصل.
سنحاول في ورقتنا تلك دراسة الفرضية السابقة، مستندين فيما سنتوصل إليه من نتائج إلى منهجيات الترجمة التطبيقية، التي تُعظِّم من دور المترجم وتطالبه بلعب دور محوري، يستعين فيه بكل كفاءاته ومواهبه الذهنية واللغوية والحضارية، لترجمة النص بكل ابعاده وفروقات معانيه بقدر ما تيسر له من سُبل. وهو أمر سيجرنا بطبيعة الحال، إلى التطرق لمنظور الحقل الدلالي، الذي يفترض أن تنطلق الترجمة بداية من المعنى، إضافة إلى السياق والتركيب ورؤى العالم، والبعد التاريخي لرحلة المفهوم الاصلي لرصد ما تراكم فوقه وحوله من شحنات دلالية أخيرة، جعلته يبدو في لغته الأصلية على النحو الذي نطالعه ونرصد فيه الفروقات الدلالية، وغيرها من عناصر ومن محددات منهجية، تساعد في الوصول إلى الترجمة الأكثر قربا وتناسبا مع النص الأصلي، بعيدا عن الحرفية التي في كثير من الأحيان تخفق هدفها فتبتعد عن المعنى الاصلي، واقترابا من الترجمة الأكثر احتراما لذلك المعنى المقصود الذي أراده كاتب النص.
لكي نقوم بما وعدنا به في هذه التوطئة، سنقدم نبذة عن كتاب ميرلوبونتي “فنومنولوجيا الإدراك الحسي“، والذي سيكون هنا النموذج الحي الذي سنطبق عليه دراستنا عن ترجمة فؤاد شاهين له تحت عنوان: “ظواهرية الإدراك“. هذا وسنتعرض بعدها في الجزء الأول لتاريخ مفهوم “الفنومنولوجيا” ذاته عبر تاريخ الفكر الغربي المتعالي، وعبر عصور وشخصيات هذا الفكر، انطلاقا من سقراط مرورا بديكارت وكانط ووصولا إلى هُسِّرل، الذي سنتوقف مطولا حول اطروحاته التي جذبت اهتمام ميرلوبونتي فبنى عليها فلسفته بأكملها. وبدراسة مفهوم الفنومنولوجيا سنتوقف أيضا على التصورات التي تحكمت في البناء النظري للفنومنولوجيا مثل: القصدية، والاختزال الفنومنولوجي، وما بين الذاتية، والغير، لنحاول بعدها الاجابة عن سؤال لماذا طرحنا تعريب مفهوم الفنومنولوجيا وليس ترجمته؟ وهنا سنضع إجابتنا على السؤال في بعض النقاط التي رأيناها مهمة بخصوص رؤية ميرلوبونتي للفنومنولوجيا.
في الجزء الثاني من ورقتنا سنتعرض لمفهوم الإدراك الحسي واهميته وما يستدل به على هذه الاهمية أولا من كتاب ميرلوبونتي نفسه، وثانيا من خلال الانتقادات التي وجهها كل من هُسِّرل وميرلوبونتي لكوجيتو ديكارت، الذي حصر الإدراك في يقينه الأول في الذهن بحيث كان إدراكه ذهنيا فكريا، على عكس ما أراده هُسِّرل وكذلك ميرلوبونتي هنا في كتابه، والذي كان لا مناص عند ترجمته من تحديد طبيعة هذا الإدراك، بعدها سننهي ورقتنا بخلاصة حول الموضوع.