أدب ونقد

’’مرثية لاعب سيرك‘‘ و’’الخواجة لامبو العجوز‘‘: قراءة نصية مقارنة في شعرية السقوط والموت

طارق النعمان طارق النعمان 13.09.2026

تقتضي مثل هذه القراءة البدء أولاً بطرح مُبرِّرات المقارنة بين القصيدتين، وما يوجد بينهما من وجوه شبه واختلاف بشكل عام، ثم أن يتم بعد ذلك تحليل كل قصيدة منهما على حدة، وأخيرًا أن تتم المقارنة بينهما في ضوء ما يكشف عنه التحليل من تفاصيل:

إن المتأمل لكل من قصيدة مرثية لاعب سيرك وقصيدة الخواجة لامبو سوف يجد أن بينهما مجموعة من السمات المشتركة والمختلفة التي تمنح مثل هذه المقارنة مشروعيتها، وهي:

أولاً، إن كلتا القصيدتين تنتمي إلى حقبة الستينيات، التي تتميز بكونها حقبة صعود وسقوط، الخواجة لامبو كتبت عام 1964، على نحو ما هو مُثْبَت في ديوان الزحمة المُتضمِّن للقصيدة، ومرثية لاعب سيرك كُتِبت عام 1966، على نحو ما يرد في بعض نسخ القصيدة، كما أن كلتا القصيدتين تشتركان في حضور تيمتي السقوط والموت، وإن كان بأشكال مختلفة ومتباينة؛ مِمَّا يثير التساؤل حول طبيعة الخلفيات السياسية والاجتماعية الفاعلة في حضور هذين الهاجسين المُهيمِنين على كلتا القصيدتين، في تلك الحقبة، على هذا النحو اللافت والجلي.

ثانيًا، إن كلتا القصيدتين تتحدث عن بطل، إلا أن صورة وملامح هذا البطل تختلف في كل مرثية من المرثيتين عن الأخرى.

صورة البطل في مرثية لاعب سيرك:

 البطل في مرثية لاعب سيرك مُسمَّى بالوظيفة فقط، أي بوصفه لاعب سيرك، دونما اسم. بينما في مرثية الخواجة لامبو: البطل مُسمَّى بالاسم ’’لامبو‘‘ وأيضًا بالوظيفة، وهي أنه شاعر جوال، مغني، عاشق للجيتار…

ثالثًا، انتصار القدر على البطل في كلتا القصيدتين:

رغم اختلاف القدر في كل قصيدة من القصيدتين إلا أنهما تتشابهان في انتصار القدر في كلتيهما على البطل. فالقدر في مرثية لاعب سيرك يبدو قوة عليا غيبية ميتافيزيقية مُجرَّدة تسكن وتتلبس اللاعب وتُطيح به، بينما يمثل القدر في الخواجة لامبو السلطة والحكومة والظلم الاجتماعي السائد في المجتمع، أي أنه قدر سياسي واجتماعي. وعلى الرغم من شجاعة كل من لاعب السيرك ولامبو إلا أن كلاً منهما يموت في النهاية إزاء إرادة القدر المُتربِّص به.

رابعًا، كل من لاعب السيرك ولامبو ينظر إلى نفسه، على مستوى الرؤية الشخصية للذات، بوصفه بطلاً:

حين تلوح مثلَ فارس يجيل الطرْفَ في مدينتهْ

مُودِّعًا. يطلب وجد الناسِ، في صمت نبيلْ،

إذ تعكس صورة الفارس المُودِّع لمدينته رؤية اللاعب لنفسه بوصفه بطلاً، كما نجد لامبو يُصرِّح على نحو مباشر:

الحياه.. عايزه الجساره

والخلايق عاوزه أبطالها

يكون فيها جداره

عايزه أبطالها فى عز البرد مشحونه حراره

خامسًا، كلاهما، لاعب السيرك ولامبو، يخشيان السقوط، السقوط الفيزيقي مع لاعب السيرك، والسقوط الأدبي والأخلاقي والرمزي في حالة لامبو، وإن كان يمكن بالطبع قراءة الخوف من السقوط الفيزيقي، لدى لاعب السيرك، بوصفه أمثولة كنائية للسقوط الأدبي والأخلاقي والرمزي أيضًا.

سادسًا، تشترك كلتا القصيدتين في موت البطل؛ إذ تنتهي كلتا القصيدتين بموت البطل. ورغم اختلاف شكل وهيئة الموت، إلا أن النهاية هي الموت، ففي مرثية لاعب سيرك يموت اللاعب عندما تلفظه الحبال فيسقط، وفي الخواجة لامبو يموت نتاج الظلم الذي ’’برَّم له شنبات الشاويش‘‘، ونتاج البرودة التي جمَّدت في أيدي رواد الحانة ’’كاس النبيت‘‘، ككناية عن شدة الخوف، وكأن الخوف هو البطل في كلتا القصيدتين، في الأولى الخوف من الخطأ هو المُفْضِي إلى الخطأ، إلى السقوط؛ ومن ثم إلى الموت، وفي الثانية الخوف من الخوف ومن السقوط هو المُفْضِي إلى الموت.

وإذا كانت هذه هي جوانب التشابه، فإن جوانب الاختلاف تتمثل في:

أولاً،  في مرثية لاعب سيرك، لا يحضر دال الموت سواء بصيغته الاسمية أو الفعلية، وإنَّما يحضر بلوازمه التجسيدية الاستعارية والتمثيلية، أمَّا في الخواجة لامبو؛ فإن دال الموت يحضر بصيغته الفعلية (مات)، فضلاً عن تكرار فعل القتل.

ثانيًا في الخواجة لامبو لدينا عالم القصيدة عالم القرية كله، والبلد الذي تنتمي إليه القرية، أسبانيا، أي أنه عالم طبيعي واجتماعي ومن ثم فإنه يتشكل من خلال مفردات طبيعية (الضباب، البرودة، الشمس، الربيع، القمر، النسمة، الفجر، الأرض، …)، والمفردات المدينية والطقوسية (الخمَّارة، ورواد الخمَّارة، والحواري، والآرامل، والغلابة، والقسيس والكنيسة، والعيد، والمنجم، والمحاجر، والشاويش، والحكومة، ودولايب الحكومة، وجرس الكنيسة الخ)، بينما في مرثية لاعب سيرك، عالم القصيدة يتشكل من خلال عالم السيرك المُغْلَق فحسب، الذي يُفضي إلى العرض والتمسرح، (نور المصابيح، وانطفاؤه، والطبول، وملعب العرض، وضوضاء السيرك، والحبال)، ومن ثم فهو محدود بحدود اللاعب وأدوات اللعب والجمهور وفقط، أي أنه عالم شبه مسرحي، وكأنه يستدعي أجواء المسرح، وخصوصًا التراجيديا التي تهيمن على عالم القصيدة وعلى عالم اللاعب وجمهور السيرك، بينما السرد الحكائي بانسيابيته وتدفقه هو المهيمن على قصيدة الخواجة لامبو، رغم وجود أبعاد تراجيدية أيضًا، وهو ما يعني أننا في مرثية لاعب سيرك إزاء فضاء مُغْلَق، محدود ومُحدَّد بطابع الفضاء المسرحي للسيرك والنهايات الحتمية المُلازِمة للتراجيديا، بينما الفضاء، في الخواجة لامبو، وعلى الرغم من حضور الموت، مفتوح ومُنْفَتِح انفتاح السرد على العالم.

ثالثًا، رد فعل الجمهور تجاه البطل:

لكل بطل من البطلين جمهور، لاعب السيرك جمهوره أكثر رسمية وشكلية، جمهور تفصله مسافة نفسية ومكانية عن بطله، الجمهور والبطل لا يتماهيان، إذ ما من أحد رغم الإعجاب الشديد به يرغب أن يكون في موقعه، أي أنهما يلعبان دورين منفصلين تمامًا، أما الجمهور في الخواجة لامبو، فهو أكثر قربًا واقترابًا وأكثر حميمية، إنهم العمال من أبناء طبقته، الأطفال الصغار، العيال، الأمهات، الخادمات الآرامل، راعي الكنيسة… المجتمع كله ما عدا السلطة، وإن كان يمكن القول إنها تدخل في نطاق الجمهور المُضاد.

وعلى الرغم من أن علاقة الجمهور باللاعب في مرثية لاعب سيرك تحكمها على نحو ما تُصرِّح القصيدة مشاعر الرعب والإشفاق واللذة في آن واحد إلا أنها، مع ذلك، تبدو علاقة انفصال، إذ ثمة مسافة، وثمة طقوس تُمارَس على الجمهور، ومن الجمهور، كيما يبدأ العرض، بينما مع الخواجة لامبو الأمر بخلاف هذا ’’دخل الخمَّاره حيُّوه السكارى تاره بالضحكه وبالبيزتا تاره‘‘، بل إنهم ’’مَنْتُورين زي الفحم الاسمر حواليه‘‘.

رابعًا حضور الزمن وتمثيله في كلتا القصيدتين:

يختلف تمثيل الزمن في كلتا القصيدتين: في مرثية لاعب سيرك يُمثَّل الزمن عبر صيغة المضارع والجمل الحالية التي تؤكد الطابع المَشْهَدي للأحداث، أي أنها تُمثِّل مشاهد حية تساعد المتفرجين على المتابعة، أي متابعة الأحداث في الزمن الذي تقع فيه. أمَّا الزمن في قصيدة الخواجه لامبو، فيبدأ بالفعل كان ’’الضباب كان بات ليلتها على الإزاز‘‘ أي أنها تحكي عن ماضٍ. وبالطبع فإن المضارع يتوافق مع طبيعة العرض وحيويته وتمثيله في مرثية لاعب سيرك، بينما يتجاوب الماضي مع الطابع السردي المُنْبَنية عليه قصيدة الخواجة لامبو.

طارق النعمان
عن الكاتب
طارق النعمان
ناقد ومترجم وأكاديمي

ناقد ومترجم وأكاديمي

صفحة الكاتب ←