في التاسع من أغسطس عام 2008 حلَّت على الشعر العربي المعاصر وعلى جموع محبيه من الخليج إلى المحيط وعلى كل من عرفوا شعر درويش وتذوقوه عبر العالم، من خلال ترجماته المختلفة، فاجعةٌ قاسيةٌ وموجعة، فاجعة غير قابلة للجبر أو التعويض، صدمة بكل ما في الكلمة من معنى، وهي صدمة رحيل هذا الشاعر الفذ، هذا الشاعر الظاهرة، الذي لن تنتهي قصيدته قط مثلما أراد لها ألا تنتهي، والتي ستبقى ما بقي الشعر وبقي من يقرؤونه. إنه محمود درويش ابن البروة وابن الجليل وابن البحر، ابن ساحل عكا، وشاعر العصافير التي تموت في الجليل، وقاطن بيروت والقاهرة وباريس الذي ظل يرتشف القُبْلةَ من حد السكين! والذي استطاع أن ينقل فلسطين من فضاء السياسة والشعار إلى فضاء أوسع وأرحب، وهو فضاء الإنسانية، من خلال قدرته الفذة على تطويع السياسي ليصبح جزءًا لا يتجزأ من نسيج الشعري والجمالي وهي قدرة خلاقة واستثنائية إلى حد كبير لأننا للأسف لا نجدها لدى أحد آخر من شعراء المقاومة سوى درويش نفسه.
ولذا، ونحن اليوم في الذكرى الثامنة عشر لرحيل محمود درويش، لا يبدو أننا نستعيد ذكرى شاعر مات، بقدر ما نستعيد حضور شاعرٍ لم يتوقف عن الحضور. فبعض الشعراء يغادرون حين تغادر أجسادهم، وبعضهم الآخر يترك وراءه قصائد تُقرأ، أما محمود درويش فقد ترك وراءه شيئًا أكثر تعقيدًا وأعمق أثرًا: لغةً كاملةً للسؤال الفلسطيني والعربي عن الوطن والمنفى والهوية والحرية والحب والموت.
لهذا ربما كان من الصعب أن نقول عن درويش أنه قد رحل. فكيف يرحل من صار جزءًا من اللغة التي نتكلم بها عن فلسطين؟ وكيف يغيب من أصبحت قصيدته ذاكرة أخرى لنا، تحفظ لنا ما كاد التاريخ أن يمحوه أو يُخفيه؟ إن درويش لم يكتب فلسطين فحسب؛ بقدر ما جعل فلسطين، تحضر في فضاء الوعي العربي المعاصر، بوصفها قصيدةً وهويةً وذاكرةً ومجازًا دائمًا للمكان المفقود والمأمول معًا.
ولعل هذه هي المفارقة الأولى في إرثه، وهي أن الشاعر الذي بدأ من جُرح المكان انتهى إلى أفق الإنسان، وأن الشاعر الذي حمل فلسطين في قصيدته لم يسمح لفلسطين أن تتحول إلى قيد على شعره. لقد كان فلسطينيًا إلى أقصى درجات الانتماء، وشاعرًا إلى أقصى درجات الحرية.
- الشاعر الذي يُنقذ الوطن من أن يختزله الشعار
لقد كانت القضية الفلسطينية، قبل درويش، حاضرة بقوة في الشعر العربي، وكانت فلسطين رمزًا للمقاومة والحرية والعدالة، لكن درويش أضاف إلى هذه القضية شيئًا بالغ الأهمية، شيئًا منحها حضورًا مختلفًا، وجسدًا شعريًا مغايرًا.
لم تعد فلسطين في شعره مجرد أرض مغتصبة، ولا مجرد قضية سياسية، ولا مجرد نشيد للمقاومة. صارت أمًا وحبيبةً وطفولةً وبيتًا ولغةً وذاكرةً وقبرًا ومقهىً وزيتونة وليمونةً وخبزًا وسماءً؛ صارت المكان الذي يسكن الإنسان بقدر ما يسكنه المكان:
أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة أُمي
ولمسة أُمي..
وتكبر فيَّ الطفولةُ
يومًا على صدر يومِ
وأعشَقُ عمرِي لأني
إذا مُتُّ،
أخجل من دمع أُمي!
ومن هنا تأتي فرادة تجربته. لقد استطاع أن ينقل القضية من لغة الخطاب السياسي وخطابته الطنَّانة الرَّنَّانة إلى لغة أكثر شعرًا وأكثر عُمقًا وأكثر سؤالًا وتساؤلًا، وهي لغة التجربة الوجودية، وأن يجعل من الفلسطيني إنسانًا وليس مجرد عنوان سياسي، أو واجهة سياسية كما أراد له كثيرون أن يكون. فالمنفى عنده ليس مجرد نفي جغرافي، وإنما اقتلاع للإنسان من علاقته الطبيعية بالأشياء، وبالطبيعة، بالبيت، واللوز والبرتقالة والزيتونة والحجر، والاسم، واللغة، والطفولة، والموت، وحتى بالمرآة.
ولهذا فإن درويش فلسطين جعل فلسطين مثله درويشية؛ لقد تجاوزت معه حدود المكان وحدود الزمان؛ وأصبحت سؤالًا من أسئلة الوجود الإنساني نفسه.