سيد درويش… الأغنية التي سبقت صاحبها إلى الموعد
ثمة مصادفات في التاريخ تبدو، حين نتأملها، وكأنها كُتبت بلغة الشعر. ولعل أكثرها مأساوية وشجنًا في سيرة سيد درويش أن يوم الخامس عشر من سبتمبر لم يكن مجرد يوم رحيله، وإنما كان اليوم الذي ينتظر فيه المصريون عودة زعيم الأمة سعد زغلول من منفاه في جزيرة سيشل.
كان سعد زغلول عائدًا إلى مصر، وكانت البلاد تستعد لاستقباله، وكان سيد درويش قد أعد، بالتعاون مع بديع خيري، الأغنية التي ستُغنّى في استقبال الزعيم. كتب بديع خيري الكلمات، ووضع سيد درويش اللحن، وكان كل شيء مهيأً لكي يلتقي الفنان بالحدث الوطني، وأن يضع صوته الموسيقي في قلب لحظة من لحظات التاريخ المصري.
لكن القدر كان له ترتيب آخر.
لم يمهل الموت سيد درويش حتى الصباح.
وهكذا، في اللحظة التي كان يفترض فيها أن يصعد صوته لاستقبال سعد زغلول، غاب الصوت نفسه.
لقد أعد الأغنية للغد، لكنه لم يبلغ الغد.
ومن هنا تصبح الأغنية التي كتبها بديع خيري ولحنها سيد درويش أكثر من أغنية وطنية عابرة؛ إنها تبدو، في ضوء الرحيل المفاجئ، وكأنها الرسالة الأخيرة لفنان إلى وطنه:
مصرنا وطنا سعدها أملنا
كلنا جميعًا للوطن ضحية
أجمعت قلوبنا هلالنا وصليبنا
أن تعيش مصر عيشة هنية
ليس من السهل أن نقرأ هذه الكلمات اليوم دون أن نشعر بأن شيئًا من سيرة سيد درويش كلها قد انضغط فيها.
’’مصرنا‘‘ أولًا.
ليس الوطن فكرة مجردة، وإنما وطن يُضاف إلى الجماعة، ويصبح ضميرًا مشتركًا: مصرنا. ثم تأتي ’’سعدها أملنا‘‘، فيلتقي الوطن بالزعيم في لحظة تاريخية كان سعد زغلول فيها رمزًا للإرادة الوطنية المصرية. لكن الأهم أن الأغنية لا تجعل سعدًا غاية الوطن، وإنما تجعل سعادة مصر هي الغاية.
ثم تأتي العبارة الأكثر كثافة:
’’كلنا جميعًا للوطن ضحيه‘‘.
إنها ليست الوطنية بوصفها احتفالًا، وإنما الوطنية بوصفها استعدادًا للتضحية. الوطن هنا ليس مجرد مكان ننتمي إليه، بل قيمة تستحق أن يبذل الإنسان من أجلها نفسه.
ثم تبلغ الأغنية ذروة دلالتها الوطنية والاجتماعية في:
’’أجمعت قلوبنا هلالنا وصليبنا‘‘.
هنا لا تعود الوطنية مجرد مقاومة للاحتلال، وإنما تصبح مشروعًا لوحدة الجماعة الوطنية. الهلال والصليب ليسا علامتين دينيتين متجاورتين فحسب؛ إنهما في منطق الأغنية علامتان على قلب واحد. ولعل هذه العبارة بالذات تجعل الأغنية وثيقة شديدة الدلالة على الروح التي فجرتها ثورة 1919، حين خرج المصريون إلى المجال العام بوصفهم جماعة وطنية تتجاوز الانقسامات الطائفية التي كان يسعى المحتل بكل ما أوتي من طاقات على تكريسها في نسيج الأمة الواحدة.
وهنا يتكشف جانب آخر من عبقرية سيد درويش وبديع خيري: إنهما لم يكتفيا بأن يعكسا الحدث السياسي، وإنما حوّلاه إلى لغة وجدانية قابلة للغناء الجماعي.
ثم تقول الأغنية:
عزك حياتنا .. ذلك مماتنا
يا مصر بعدك مالناش سعاده
وهنا تتكثف علاقة الإنسان بالوطن في ثنائية الحياة والموت. عز مصر حياة، والابتعاد عنها موت، والسعادة خارجها مستحيلة. إنها لغة وطنية شديدة البساطة، لكنها تمتلك ما يمكن تسميته بلاغة التماهي، حيث يصبح الوطن جزءًا من تعريف الحياة ذاتها. ولا تتوقف الأغنية عند حدود الوطنية بل إنها تستدعي الدين أيضًا، على نحو يكاد يحول الوطن وأحد رموزه الطبيعية إلى دين
ولكن في صورة لافتة:
لولا اعتقادنا بوجود إلهنا
كنا عبدنا النيل عباده
وهنا يتجسَّد النيل لا بوصفه مجرد نهر، وإنما بوصفه أحد أعمق الرموز المؤسسة للهوية المصرية. ومع ذلك تضع الأغنية الإيمان بالله فوق عبادة النيل، وكأنها تعيد صياغة علاقة المصري القديم والحديث بالنهر، وتضع هذا الرمز الطبيعي داخل تصور روحي أوسع.
ثم تعود الأغنية إلى لازمتها:
مصرنا سعدنا أملنا
كلنا جميعًا للوطن ضحيه
أجمعت قلوبنا هلالنا وصليبنا
أن تعيش مصر عيشةً هنيه
وهكذا تبني الأغنية دائرةً إنشادية تتكرر فيها الكلمات المركزية: مصر، الوطن، سعد، الأمل، الجميع، التضحية، الهلال، الصليب، الحياة، مع النيل مصدر الحياة ورمز الوطن الخالد، والذي أصبح اليوم خلوده مُهدَّدًا.
وإذا تأملنا هذه المفردات، وجدنا أنها تكشف بوضوح عن نوع الوطنية التي صاغها سيد درويش وبديع خيري: وطنية تقوم على الجماعة لا الفرد، وعلى التضحية لا المنفعة، وعلى الوحدة لا الانقسام، وعلى الأمل لا اليأس.
ثم تقول الأغنية:
حبك كفايه
مالوش نهايه
كله مزايا من فضل ربي
وهي عبارة تكشف مرة أخرى عن الطريقة التي كانت بها الأغنية الشعبية قادرة على الجمع بين اللغة اليومية والبنية الوطنية والدينية. لا توجد هنا مسافة متعالية بين الفن والناس. اللغة نفسها لغة الناس: ’’مالوش نهايه‘‘، لكن المعنى الذي تحمله هذه اللغة معنى يتصل بأعلى درجات الانتماء.
ثم تأتي النهاية:
مهما قاسينا
مفروض علينا
موت المجاهد من غَيْرِ ذنب
هنا تبلغ الأغنية أكثر لحظاتها توترًا؛ لأن الكلام لم يعد عن حب الوطن في صورته العاطفية، ولا عن الأمل في المستقبل، وإنما عن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يتحول الانتماء إلى فعل مقاومة. فالفعل ’’قاسينا‘‘ يضع الجماعة في قلب التجربة: لسنا أمام بطل فردي منعزل، وإنما أمام جماعة تتألم وتحتمل. ثم تأتي عبارة ’’مفروض علينا‘‘ لتنتقل الأغنية من وصف المعاناة إلى مساءلة شرطها؛ فالتضحية لم تعد اختيارًا فرديًا حرًا تمامًا، وإنما صارت نتيجة لوضع تاريخي يجعل الألم كأنه قدر مفروض على من يريد أن يحيا وطنه حرًا. لكن العبارة الأكثر إيلامًا هي: ’’موت المجاهد من غير ذنب‘‘.
إن ’’من غير ذنب‘‘ هنا ليست مجرد جملة تبرئة؛ إنها تحمل في داخلها اتهامًا ضمنيًا لمن يجعل الموت مصيرًا لمن لم يرتكب جُرْمًا أو جناية. فالمجاهد يموت، لا لأنه مذنب، وإنما لأنه يطالب بحقه؛ ومن ثم تنقلب المعادلة الأخلاقية: يصبح الضحية هو الذي يحتاج إلى تبرئة، بينما يظل القاتل أو المستبد أو الاحتلال خارج الجملة، حاضرًا فيها من خلال غيابه.
وهنا تتخذ كلمة ’’المجاهد‘‘ دلالة أوسع من الفرد الذي يحمل السلاح؛ إنها تحيل إلى كل من يدفع حياته ثمنًا لمقاومة ما يُفرض عليه. ولذلك فإن ’’الموت‘‘ لا يظهر في الأغنية بوصفه بطولة رومانسية فحسب، بل بوصفه فضحًا لواقع يجعل الموت جزاءً لمن لم يرتكب ذنبًا.
واللافت أن ’’من غير ذنب‘‘ تعيد ترتيب العلاقة بين الموت والشرعية. فالمجاهد لا يحتاج إلى أن يكون بلا خطأ في حياته حتى يستحق الحياة؛ يكفي أنه إنسان، وأن موته ليس عقوبة على جريمة. إن الأغنية، في هذه اللحظة، تنقل الوطنية من مستوى الشعور إلى مستوى الحكم الأخلاقي على التاريخ.
ثم إن وضع ’’موت المجاهد‘‘ بعد ’’مهما قاسينا‘‘ و’’مفروض علينا‘‘ يصنع تصاعدًا دلاليًا بالغ القوة: يبدأ الكلام بالألم، ثم ينتقل إلى الإكراه، ثم ينتهي بالموت. وكأن الأغنية ترسم سلسلة تاريخية:
من المعاناة إلى الإكراه إلى التضحية إلى الموت
لكنها لا تستسلم لهذا المسار؛ إذ تضيف إليه فورًا قيد ’’من غير ذنب‘‘، فتستعيد للمجاهد براءته وحقه الأخلاقي في مواجهة القوة التي جعلت موته ممكنًا.
ومن هنا يصبح الختام أكثر من نشيد وطني؛ إنه شهادة سياسية وأخلاقية.
والأكثر مأساوية أن هذه الكلمات ستكتسب، بعد ساعات قليلة، طبقة دلالية لم يكن كاتبها وملحنها قادرين على توقعها. فالرجل الذي كان قد أعد الأغنية لاستقبال عودة سعد زغلول، والذي كان يفترض أن يكون بين الجماهير في صباح ذلك اليوم، سيكون هو نفسه قد غاب قبل أن تصل الأغنية إلى لحظة أدائها.
وهنا تحدث المفارقة التي تجعل الخامس عشر من سبتمبر يومًا فريدًا في الذاكرة المصرية: الأغنية تتحدث عن موت المجاهد، بينما يموت صاحبها قبل أن يغنيها.
لا ينبغي أن نذهب إلى حد القول إن سيد درويش كان يقصد نفسه في هذه العبارة؛ فهذا سيكون إسقاطًا تاريخيًا لا يجوز. لكن التاريخ، بعد موته، أعاد توزيع الكلمات توزيعًا مأساويًا. صار ’’موت المجاهد من غير ذنب‘‘ يجاور موت الفنان الذي لم يكن قد فرغ بعد من رسالته الفنية والوطنية، والذي لا يُسْتَبْعَد على الإطلاق أن يكون الإنجليز قد قتلوه وهم الذين لطالما أزعجتهم أغانيه وألحانه المُحرِّضة على مقاومة الاحتلال، وهو ما يشير إليه فيلم سيد درويش بوضوح شديد.