قراءة في نقد خطاب وثيقة مؤتمر الهُوِيَّة الوطنية
المنعقد في الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026
بمكتبة الإسكندرية
في المأزق الذي لم تُشخِّصه وثيقة مكتبة الإسكندرية
ليس من الصعب أن نكتشف، في وثيقة مكتبة الإسكندرية الصادرة عن مؤتمر ’’الهُوِيَّة الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة‘‘، وفرةً لافتة في اللغة التي تنتمي إلى حقل القيم والأهداف: تعزيز، وترسيخ، وصون، ودعم، وتنمية، وحماية، وبناء، وتعميق، وتطوير. وليس من الصعب كذلك أن نلاحظ أن الوثيقة تتناول نطاقًا واسعًا للغاية من المجالات: التعليم، والثقافة، واللغة، والتراث، والأسرة، والشباب، والإعلام، والفضاء الرقمي، والابتكار، والثقة، والتماسك الاجتماعي، والتفاعل مع العالم.
لكن السؤال الأكثر أهمية لا يبدأ من نهاية الوثيقة، أي من السؤال: كيف نُنفِّذ هذه التوصيات؟ وإنما يبدأ من بدايتها، ومن اللحظة التي قرَّرت فيها الدولة ومؤسساتها ومثقفوها وخبراؤها أن يجعلوا ’’الهُوِيَّة الوطنية‘‘ موضوع مؤتمر وطني واسع، وأن يُصدروا في ختامه وثيقة تتحدث عن مخاطر وتحديات تتعرَّض لها الهُوِيَّة.
فإذا كانت الهُوِيَّة المصرية، كما يقول عنوان المؤتمر، ذات ’’جذور راسخة‘‘، فما الذي استدعى كل هذا القلق حول مستقبلها؟ وإذا كانت ’’راسخة‘‘، فما طبيعة التحديات التي تجعلها موضوعًا لسياسات عامة؟ وإذا كانت هناك تحديات بالفعل، فما مصادرها؟ ومن الذي ينتجها أو يسهم في إعادة إنتاجها؟ ومن المسئول عن مواجهتها؟ وهل المسئولية تقع على الأسرة والمجتمع والمواطن فحسب، أم أن للمؤسسات العامة نصيبًا مُحدَّدًا منها؟
وهنا، في تقديري، يكمن المشكل الأعمق في الوثيقة، وهو أنها تقفز من افتراض وجود تحدٍّ هُوِيَّاتي إلى اقتراح أهداف عامة لمواجهته، من غير أن تستكمل تشخيص المأزق الذي جعل التدخل ضروريًا أصلًا.
وهذا الغياب ليس مسألة نظرية هامشية؛ لأنه يُفسِّر، إلى حد بعيد، الغموض الذي يطبع آليات التنفيذ. إذ حين لا نُحدِّد بدقة طبيعة المشكل، ولماذا نشأ، ومن المسئول عن إنتاجه أو الحد منه، يصبح من الصعب تحديد الجهة التي ينبغي أن تُنفِّذ، والأدوات التي ينبغي استخدامها، والموارد التي ينبغي أن يتم تخصيصها، والمؤشرات التي يمكن أن يُقاس بها النجاح.
ومن هنا يمكن اختزال الأطروحة المركزية لهذه القراءة في سلسلة واحدة، تتمثل في غياب تشخيص المأزق، وغياب سؤال المسئولية، وغياب التعيين المؤسسي، وغياب آليات التنفيذ، وهذا الغياب الفادح والبديهي يجعل كل هذه التوصيات بلا أي قيمة ومن قبيل الاستهلاك اللغوي المجاني الذي لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال البلاغة الخاوية والخطاب الإنشائي الفارغ من أي مضمون؛ ومن ثم فلا بد من مساءلة هذا الخطاب البلاغي الإنشائي.
أولًا، ماذا يعني أصلًا أن تصبح الهُوِيَّة مشكلاً أو إشكالية؟
إن عقد مؤتمر وطني بعنوان ’’الهُوِيَّة الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة‘‘ ليس فعلًا محايدًا من الناحية الدلالية. إنه يعني أن الهُوِيَّة قد أصبحت، في الوعي المؤسسي الذي أنتج المؤتمر، موضوعًا يحتاج إلى نقاش وإعادة نظر واستشراف.
والأمر أكثر وضوحًا حين نلاحظ أن المؤتمر لم يكتفِ بالحديث عن الهُوِيَّة بوصفها تراثًا أو ذاكرة، وإنما خصَّص محاور للمخاطر التي تتعرَّض لها الهُوِيَّة، وللمؤسسات والسياسات التي تُشكِّلها، وللتحولات الرقمية، والتعليم، والأسرة، والشباب، والتماسك الاجتماعي، والثقة العامة وغيرها. كما أن الهيئة العامة للاستعلامات وصفت المؤتمر بأنه يأتي في سياق ما تواجهه الهُوِيَّة الوطنية من ’’تحديات ومحاولات للنيل منها أو التأثير عليها بالسَّلب.‘‘ وهنا كان ينبغي أن يبدأ السؤال النقدي، وهو ما هذه التحديات تحديدًا؟ ذلك أن عبارة ’’تحديات الهُوِيَّة‘‘ واسعة إلى درجة يمكن معها أن تشمل كل شيء تقريبًا.
هل المقصود ضعف المعرفة بالتاريخ؟ أم تراجع استخدام العربية؟ أم تغير القيم بين الأجيال؟ أم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي؟ أم التحولات الاقتصادية والاجتماعية؟ أم ضعف المشاركة الثقافية؟ أم تراجع الثقة بالمؤسسات؟
أم التفاوت بين الأقاليم؟ أم أزمة التعليم؟ أم تأثير العولمة؟ أم أن المشكل يكمن في طبيعة العلاقة بين الهُوِيَّة والتنوع نفسه؟
إن كل هذه الأسئلة ليست أسئلة متطابقة، ولكل واحد منها تشخيص مختلف، وبالتالي سياسة مختلفة، ومؤسسة أو مؤسسات مختلفة، وكذلك أدوات مختلفة. أمَّا إذا جُمعت كلها تحت مظلة ’’مخاطر الهُوِيَّة‘‘، فإننا نحصل على إشكالية شديدة الاتساع، ولكننا لا نحصل على تشخيص قابل لصياغة سياسات.
ثانيًا، الوثيقة تعرف الهُوِيَّة، لكنها لا تشخّص المأزق
تُقدِّم الوثيقة تعريفًا فضفاضًا للهُوِيَّة المصرية، بوصفها منظومة من الذاكرة التاريخية والروافد الحضارية واللغة والقيم والموروث والرموز الوطنية والمواطنة، وتؤكد أنها متصلة في ركائزها ومتطورة في أشكال التعبير عنها وتتسع لفئات المصريين. كما تنظر إلى الهُوِيَّة بوصفها أحد مكونات القوة الشاملة للدولة، ومرتبطة بالتشاركية الاجتماعية والثقة والذاكرة الجمعية.
وهذا جهد مهم على مستوى تعريف موضوع الوثيقة، لكن ثمة فرقًا بين تعريف الهُوِيَّة وتشخيص وضعها. ذلك أن سؤال ما الهُوِيَّة شيء، وسؤال ما الذي أصاب علاقتها بالمجتمع حتى أصبحت موضع قلق مؤسسي شيء آخر. فالوثيقة تنتقل بسرعة من التعريف إلى المنطلقات النظرية ثم إلى التوصيات والأهداف، لكنها لا تقدم تشخيصًا سببيًا مُنظَّمًا للمشكل. فلا نجد، مثلًا، تقسيمًا واضحًا بين:
أزمة في المعرفة التاريخية،
وأزمة في التعليم،
وأزمة في الإنتاج الثقافي،
وأزمة في اللغة،
وأزمة في الثقة،
وأزمة في التفاعل الرقمي،
وأزمة في المشاركة الاجتماعية.
بل تتجاور هذه المجالات كلها في فضاء واحد يسمى ’’الهُوِيَّة‘‘. وهنا تصبح الهُوِيَّة أشبه بمفهوم شامل يستوعب المشكلات بدل أن يكون مدخلًا إلى تحليلها.
ثالثًا، السؤال الغائب: من المسئول عن المأزق؟
هذا، في تقديري، هو السؤال الأكثر أهمية في قراءة الوثيقة. ذلك أننا إذا سلَّمنا بوجود ’’مأزق هُوِيَّاتي‘‘، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نحافظ على الهُوِيَّة؟ بل يجب أن يسبقه ما الذي جعل الحفاظ عليها ضرورة؟ ثم من المسئول عن الظروف التي جعلت هذه الضرورة قائمة؟
ولا يعني ذلك البحث عن ’’متهم‘‘ أو اختزال الظاهرة في فاعل واحد؛ فالتحولات الهُوِيَّاتية ظواهر مركبة، ويمكن أن تنتج عن عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية وتكنولوجية وتعليمية وإعلامية متداخلة. لكن السياسة العامة لا تستطيع أن تتعامل مع ظاهرة مركبة من دون توزيع سببي للمسئوليات .
فإذا كان التعليم جزءًا من المشكل، فثمة مسئولية مؤسسية مختلفة عن تلك التي تنشأ إذا كان الخلل في الإعلام. وإذا كان الفضاء الرقمي مصدرًا للتحدي، فهناك سياسات مختلفة عن تلك المطلوبة إذا كان مصدر المشكل هو ضعف الإنتاج الثقافي. وإذا كان تراجع الثقة جزءًا من المأزق، فمعالجته لا تكون بإنتاج خطاب عن الهُوِيَّة، وإنما بتحسين العلاقة اليومية بين المواطن والمؤسسات. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة، إذ كلما غاب سؤال المسئولية عن إنتاج المشكل، اتسعت دائرة المسئولية عن حلها حتى تصبح المسئولية ’’مسئولية الجميع‘‘. وقد تبدو هذه العبارة جميلة أخلاقيًا، إلا أنها ضعيفة إداريًا وبالتأكيد فاشلة سياسيًا. فالوثيقة تقول بالفعل إن بناء الأمة مسئولية الجميع، وتؤكد المساواة في المسئولية والشَّرَاكة الاجتماعية.
لكن حتى مع التسليم أن الجميع مسئول، فإنه لا يمكن أن تكون المسئوليات متساوية؛ ذلك أن المسئوليات تتفاوت وفقًا لتفاوت الاختصاصات والسلطات وعلاقات القوى والموارد إلى آخر كل تلك المُحدِّدات؛ ومن ثم فإن القول بـ ’’مسئولية الجميع‘‘ لا يمكن أن يكون بديلًا عن تحديد المسئولية التنفيذية.
فالأسرة مسئولة عن التنشئة، لكنها لا تضع المناهج، والمعلم مسئول عن التربية، لكنه لا يصوغ السياسة التعليمية ولا أعداد الطلاب في الفصول، ولا تسيب الإدارات المدرسية الخ، والمواطن مسئول عن المشاركة، لكنه لا يملك أدوات السياسة الثقافية، والمجتمع المدني شريك، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الدولة في وضع السياسات العامة أو تمويلها على نطاق وطني.
ومن هنا ينبغي أن تكون المسئولية الجماعية امتدادًا للمسئولية المؤسسية، وليس ستارًا عليها.
إذ حين يُقال إن المسئولية مسئولية الجميع، فإن هذا يعني تفريق دماء المسئولية بين القبائل وهو ما يعني أنه ما من مسئول يمكن أن تُسنَد إليه مسئولية ما، وحين تقول الوثيقة إن ’’بناء الأمة مسئولية الجميع‘‘، أو توزع مسئولية الهُوِيَّة بين الدولة والمجتمع المدني والأسرة والمواطنين والقطاع الخاص والمبادرات الفردية، فإنها تنتقل من المسئولية المُحدَّدة إلى المسئولية المُوزَّعة. والمشكل أن توزيع المسئولية ليس بالضرورة توزيعًا للمسئوليات؛ فقد يكون، إذا لم يصحبه تحديد للاختصاصات، تبديدًا للمسئولية.
ذلك أنه إذا أصبح الجميع مسئولين، فقد ينتهي الأمر إلى ألا يكون هناك مسئول أصلاً يمكن أن تُسند إليه أي مسئولية. وهنا لا بد من التمييز بين المسئولية الجماعية والمسئولية المشتركة، ذلك أن المسئولية المشتركة ليست هي المسئولية الجماعية، وهناك فرق هائل بينهما، ذلك أن المسئولية المشتركة تعني أن هناك هدفًا واحدًا، إلا أن لكل طرف اختصاصًا ودورًا محددًا في تحقيقه.
أمَّا المسئولية الجماعية غير المُحدَّدة فتعني أن الجميع مدعو إلى المشاركة، من غير تحديد واضح لمن يملك القرار، ومن يُنفِّذ، ومن يُموِّل، ومن يُنسِّق، ومن يُراقِب، ومن يُحاسب. وهو ما يعني أن المسئولية المشتركة تنتج حَوْكَمَة، في حين لا تنتج المسئولية الجماعية سوى ضبابية وتمييع للمسئولية.
وحين يتم توسيع نطاق المسئولية إلى هذا الحد، فإنه لا يعدو أن يكون سوى شكل من أشكال الكناية التلطيفية Euphemism من أجل عدم نقد المؤسسات المسئولة وهي حيلة مُسْتَهْلَكَة ومَمْجُوجَة من حيل البلاغة السياسية التي ترصدها دراسات الخطاب السياسي وتفضح ما يكون وراءها، في الغالب، من تضليل.
إن القول أن المسئولية مسئولية الجميع يبدو، في ظاهره، أوسع صيغ المشاركة وأشدها ديمقراطية، لكنه يتحول إلى نقيضه حين يحل محل التعيين المؤسسي للمسئولية. فحين تتوزَّع المسئولية على الدولة والمجتمع المدني والأسرة والمواطن والقطاع الخاص والمبادرات الفردية، من غير أن يُحدِّد النص اختصاص كل طرف وسلطاته وأدواته، تتحوَّل المسئولية المشتركة إلى مسئولية مُبْهَمَة؛ إذ يصبح الجميع مسئولين من حيث المبدأ، ولا يصبح أحد مسئولا من حيث المُحَاسَبَة، المُحَاسَبَة التي تمثل جوهر وماهية مفهوم المسئولية.
وهكذا تنطبق على الوثيقة، على سبيل المجاز طبعًا، عبارة ’’تفريق دماء المسئولية بين القبائل‘‘؛ إذ تتعدَّد الأطراف التي يمكن الإشارة إليها عند الحديث عن المسئولية، لكن يصعب تعيين الطرف الذي يمكن أن تُسنَد إليه مسئولية التنفيذ؛ ومن ثم محاسبته عند الإخفاق.
إذ حين لا تُحدِّد الوثيقة من المسئول عن إنتاج المأزق، ثم تقول إن الجميع مسئول عن علاجه، فإنها تنقل المشكل من مستوى المسئولية السياسية إلى مستوى المسئولية الأخلاقية، وهو ما يعني أن الخطاب ينتقل إلى مستوى الخطاب الوعظي حول الهُوِيَّة، وهو ما لا يليق أن يصدر عن مؤسسة بحجم مكتبة الإسكندرية، وكل تلك الوزارات والمؤسسات المشاركة في التصدي لما تراه جميعًا بوصفه أزمة هًوِيَّة.
رابعًا، الدولة حاضرة في الوثيقة، ولكن بأي معنى؟
إن الوثيقة تتحدث صراحة عن ضرورة اهتمام الدولة والمجتمع المدني والمثقفين والعلماء بقضية الهُوِيَّة، وتتحدث عن الوزارات المختلفة، وعن المؤسسات الرسمية للدولة، وعن أجهزة الحكم، كما أن قسم ’’ماذا بعد؟‘‘ ينص على أن البرامج الفعلية يمكن أن يجري العمل عليها من خلال الوزارات المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني والمبادرات الفردية.
كما أن المؤتمر نفسه انعقد بمشاركة وزارات ومؤسسات حكومية متعددة، وصرَّح نائب رئيس الوزراء خلال المؤتمر أن الحكومة ستعمل على تحويل التوصيات إلى مشروعات ومبادرات مُوجَّهة إلى الشباب والطلاب، إلا أن حضور الدولة أيضًا يبدو من قبيل الحضور العام؛ إذ لم يتم تحديد أدوار الدولة وسياساتها في إنتاج المأزق، ولا في كيفيات حله، فالمشكل ليس في غياب الدولة من الخطاب، وإنما في غياب الدولة بوصفها خريطة مسئوليات، فالدولة تظهر بوصفها مفهومًا عامًا، وليس بوصفها مجموعة من الاختصاصات والمهام المحددة والمسئوليات، والفرق بين الأمرين كبير. إذ حين تقول الوثيقة ’’الدولة‘‘، نحتاج إلى أن نسأل: أي مؤسسة؟ وفي أي مجال؟ وبأي صلاحية؟ وبأي أدوات؟ وبأي موارد؟ ووفق أي برنامج زمني؟ وتحت أي نظام للتنسيق والتقييم والمساءلة؟ وهو ما يعني أن حضور الدولة في الوثيقة حضور لغوي، وحضور بلاغي، ولس حضورًا وظيفيًا وفق سياسات قابلة للتنفيذ والمساءلة.
خامسًا، لماذا يُؤدِّي غياب سؤال المسئولية إلى غياب الآلية؟
إن غياب الآليات ليس عيبًا منفصلًا عن بقية بنية الوثيقة، بل إنه نتيجة طبيعية للخلل البنيوي الذي يعتري الوثيقة من أولها إلى آخرها؛ ذلك أننا إذا لم نعرف بالضبط من المسئول عن المشكل، فلن نعرف من المسئول عن الحل. وإذا لم نعرف من المسئول عن الحل، فلن نعرف الأدوات التي يمتلكها. وإذا لم نُحدِّد الأدوات، فلن نستطيع تقدير الموارد. وإذا لم نُحدِّد الموارد، فلن نستطيع وضع جدول زمني. وإذا لم نضع جدولًا زمنيًا، فلن نستطيع بناء مؤشرات. وإذا لم تكن هناك مؤشرات، فلن تكون هناك مساءلة حقيقية. وهكذا يصبح غياب الآلية نتيجة بنيوية، وليس مجرد نقص في الصياغة.
ولهذا فإن عبارة ’’تعزيز الهُوِيَّة‘‘ لا تكفي؛ إذ ينبغي أن نعرف: ماذا يعني تعزيزها، وكيف يكون هذا التعزيز ووفق أي آليات، وفي أي مجال، وبأي مؤشرات؟ مثلما أن عبارة ’’صون التراث‘‘ تبدو هي الأخرى فضفاضة وغائمة؛ إذ ينبغي أن نعرف أي تراث؟ ومن المسئول عن توثيقه وصونه؟ وكيف سيُموَّل؟ وما الأولويات؟ وكذلك، عبارة ’’تعميق الثقة‘‘، أي ثقة؟ وثقة من في من؟ ثقة المواطن في الدولة، أم ثقة الدولة في المواطن ومن المسئول عن ضعف الثقة أو غيابها أصلاً الدولة أم المواطن؟ ثم كيف يمكن أن تُقاس الثقة؟
سادسًا، إنشائية التوصيات:
إن لغة الوثيقة تكشف نمطًا من التفكير السياسي يستبدل مبدأ الرغبة بمبدأ الواقع من خلال معجم إيجابي يستخدم عددًا هائلاً من المفردات الإيجابية، من قبيل:
تعزيز، وترسيخ، وصون، ودعم، وتنمية، وحماية، وبناء، وتعميق، وتطوير، وهي كما قلت متوالية من المفردات الإيجابية لكن الفارغة من المرجعية العملية ومن أي رصيد إجرائي يضمن إمكانية تشغيلها أو عملها؛ ذلك أن كل هذه الأفعال تنتمي إلى لغة الغايات، وليس إلى لغة الإجراءات.
ولذلك يمكن القول إن الوثيقة تملك بلاغة الأهداف دون أن تملك بلاغة التطبيق والتشغيل والتنفيذ. والبلاغة ليست عيبًا في ذاتها؛ فالسياسة تحتاج إلى تحديد القيم والغايات، لكن البلاغة تصبح كارثة حين تستبدل الرغبة بالواقع والغايات بوسائلها، وصورة القيمة بالقيمة؛ إذ هنا تصبح البلاغة بلاءً.
سابعًا، ’’ماذا بعد؟‘‘ يكشف موضع النقص
ربما تكون أكثر فقرات الوثيقة دلالة على هذا الأمر هي فقرة ’’ماذا بعد؟‘‘، فهي تقول إن أوراق المؤتمر والمناقشات ستنتج آليات عمل تطبيقية تُصاغ في برامج فعلية، وأن العمل عليها سيكون من خلال الوزارات المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني والمبادرات الفردية. ثم تدعو إلى عقد المؤتمر بصورة دورية، وإلى استمرار حلقات النقاش والمؤتمرات بما يضمن استمرار حضور خطاب الهُوِيَّة الوطنية. وهنا تُقدِّم الوثيقة، من حيث لا تقصد، دليلًا نصيًا على أن مرحلة الآليات لم تكتمل داخل الوثيقة نفسها.
ثامنًا، من ’’ماذا نريد؟‘‘ إلى ’’ماذا حدث؟‘‘
تحتاج الوثيقة كذلك إلى الانتقال من سؤال معياري، وهو ماذا نريد أن تكون عليه الهُوِيَّة؟ إلى سؤال تشخيصي، وهو ماذا يحدث بالفعل للهُوِيَّة؟ وهنا تبرز الحاجة إلى المعرفة التجريبية. فالوثيقة تتحدث عن ’’العقل الجمعي‘‘، و’’المشاعر المشتركة‘‘، و’’التشاركية الاجتماعية‘‘، و’’الثقة‘‘، و’’الصلابة المجتمعية‘‘.
لكن هذه المفاهيم تحتاج إلى قياس إذا أردنا تحويلها إلى أهداف عامة؛ إذ
نحتاج إلى معرفة اتجاهات الشباب، كما نحتاج إلى معرفة الفروق بين الأجيال، ونحتاج إلى قياس الثقة في المؤسسات، ونحتاج إلى معرفة مستويات المشاركة الثقافية، والعلاقة بين ما تقوله الدولة وتصرح به وبين ما تفعله وتمارس، مثلما نحتاج إلى دراسة استعمال العربية في الحياة اليومية والتعليم والفضاء الرقمي،
وكذلك نحتاج إلى معرفة الفروق بين المناطق والفئات الاجتماعية، إلى آخر كل هذه المتطلبات وسواها من متطلبات أخرى. حينئذٍ، وحينئذٍ فقط يصبح لدينا تشخيص للمأزق، وليس مجرد وصف له. وهذا هو الفرق بين أن تكون الهُوِيَّة موضوعًا للخطاب وأن تصبح موضوعًا لسياسات قائمة على الأدلة.
تاسعًا، أزمة الهُوِيَّة أم أزمة السياسات التي تنتج علاقتنا بالهُوِيَّة؟
ربما يكون من الخطأ أن نفترض أن ’’أزمة الهُوِيَّة‘‘ موجودة خارج المؤسسات والسياسات، ثم نطلب من هذه المؤسسات أن تتدخل لحمايتها، فالهُوِيَّة نفسها تُنتج يوميًا عبر المدرسة، والجامعة، والإعلام، والثقافة، واللغة، والفضاء العام،
والخدمات العامة، والمتاحف، والتراث، والمنصات الرقمية، والخطاب السياسي والثقافي، والتجربة اليومية للمواطن مع الدولة. ومن ثم فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كيف تحمي الدولة الهُوِيَّة فحسب، بل كيف تُسْهِم سياسات الدولة ومؤسساتها أصلًا في إنتاج الهُوِيَّة أو إعادة إنتاجها أو تغيير علاقتنا بها؟
وهذا السؤال أكثر عمقًا؛ لأنه يجعل الدولة ليست فقط ’’حارسًا‘‘ للهُوِيَّة، وإنما أحد منتجي شروطها الاجتماعية والثقافية. فإذا كان التعليم جزءًا من بناء الهُوِيَّة، فإن نوعية التعليم تصبح مسألة هُوِيَّاتية بامتياز. وإذا كانت الخدمات العامة تُؤثِّر في الثقة، فإن جودة الخدمة تصبح أيضًا مسألة هُوِيَّاتية. وإذا كانت الثقافة تعيد تشكيل الذاكرة، فإن السياسة الثقافية تصبح مسألة هُوِيَّاتية. وإذا كان الفضاء الرقمي يعيد تشكيل الوعي، فإن البنية الرقمية والإنتاج الثقافي الرقمي يصبحان مسألة هُوِيَّاتية. وهنا تتسع المسألة من ’’حماية الهُوِيَّة‘‘ إلى فحص السياسات التي تصنع خبرة المواطن بالهُوِيَّة والوطن والدولة.
عاشرًا، ’’الثقة‘‘ تكشف التناقض بين الخطاب والآلية
تبدو التوصية الخاصة بتعميق الثقة بين أجهزة الحكم والمواطنين مثالًا ممتازًا على المشكل، فالوثيقة تدرك، بحق، أن الثقة تُشكِّل عنصرًا في التماسك والصلابة المجتمعية، لكنها لا تسأل عن شروط إنتاج الثقة؛ وهو ما يجعل مقولة الثقة لا تعدو أن تكون شعارًا، ذلك أن الثقة تتشكَّل من خلال خبرة المواطن مع المؤسسة.
هل يحصل على الخدمة في وقتها؟ هل يفهم الإجراءات؟ هل يعامل بصورة متساوية؟ هل يستطيع الاعتراض؟ هل تستجيب المؤسسة لشكواه؟ هل يجد المعلومات؟ هل يشعر أن صوته مسموع؟ إن كل هذه أمور مؤسسية، وهي تمثل شروط إمكان الثقة؛ ومن ثم فإن الحديث عن ’’تعميق الثقة‘‘ من دون تحديد الآليات المؤسسية التي تنتجها يعيدنا إلى المشكل نفسه، وهو حضور الهدف مع غياب شروط إمكانه.
حادي عشر، ’’الشَّراكة‘‘ لا ينبغي أن تصبح صيغة لإذابة المسئولية
من الأفكار المتكررة في الوثيقة أن الهُوِيَّة مسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع المدني والأسرة والمواطنين والقطاع الخاص، وهذا مفهوم ضروري إذا فهمناه بوصفه توزيعًا للأدوار، لكن الشَّرَاكة لا تصبح آلية حقيقية إلا حين تجيب عن سؤالين: من يفعل ماذا؟ ومن يملك سلطة القرار والمساءلة؟
أمَّا إذا اكتفينا بقول إن الجميع شركاء، فقد نصل إلى نتيجة عكسية، وهي الجميع مسئول؛ ومن ثم لا أحد مسئول ولا مسئولية على أحد؛ ولذا لا بد من إعادة بناء مفهوم الشَّرَاكة من جديد. فالشَّرَاكة ليست جمع أسماء الفاعلين، وإنما هي توزيع واضح للأدوار والصلاحيات والموارد والمسئوليات.
ثاني عشر، من ’’جذور راسخة‘‘ إلى سؤال التحول
إن عنوان المؤتمر نفسه يحمل مفارقة تستحق التأمل، فالعنوان هو: ’’جذور راسخة ورؤية متجددة‘‘. إن مفردة ’’الجذور‘‘ تحيل إلى الاستمرارية، والرؤية المتجددة تحيل إلى التحول، وهذا تركيب خصب جدًا لو تم بناء الوثيقة عليه نظريًا.
فالسؤال الحقيقي للهُوِيَّة ليس كيف نحافظ على شيء ثابت، بل كيف تستمر الهُوِيَّة وهي تتجدَّد؟ وكيف يمكن أن تبقى الهُوِيَّة المصرية جامعة في مجتمع يتغير اقتصاديًا واجتماعيًا وتكنولوجيًا وثقافيًا؟ وما الذي يمثل ’’قوامًا‘‘ أو ’’أقنومًا‘‘ لا يجوز التفريط فيه؟ وما الذي يُمثِّل شكلًا تاريخيًا قابلًا للتغير؟ وما الذي يمكن أن يدخل إلى الهُوِيَّة الجديدة من عناصر دون أن يُؤدِّي ذلك إلى تفكيكها؟ لقد كان يمكن لهذه الأسئلة أن تمنح الوثيقة بُعْدًا نظريًا بالغ الأهمية، لكنها لم تتحول بما يكفي إلى أسئلة للسياسة العامة.
ثالث عشر، من ’’المأزق الهُوِيَّاتي‘‘ إلى المسئولية المؤسسية
ليس المطلوب، إذًا، إضافة المزيد من التوصيات، بل المطلوب تشخيص المأزق، ثم تحديد أسبابه، ثم توزيع المسئوليات، ثم تحديد الإجراءات والوسائل والآليات. إن ما تفتقر إليه هذه الوثيقة بشدة هو شجاعة تحديد المسئوليات، ووضع تصورات عملية قابلة للتشغيل والتنفيذ.
خاتمة:
إن السؤال الذي كان يُفترَض أن يُدرَج قبل السؤال المُدْرج في النقطة السادسة في الوثيقة وهو سؤال ’’ماذا بعد؟‘‘، هو سؤال ’’ماذا قبل؟‘‘ أي لماذا وصلنا إلى هنا؟ فهذا هو السؤال الذي يقود إلى السياسات. ذلك أننا إذا كنا أمام أزمة، فعلينا أن نُشخِّصها، وإذا شخصناها، علينا أن نُحدِّد أسبابها، وإذا حدَّدنا الأسباب، علينا أن نُحدِّد المسئوليات، وإذا حَدَّدنا المسئوليات، أمكن تحديد المؤسسات، وإذا حدَّدنا المؤسسات، أمكن تحديد الأدوات، وإذا حدَّدنا الأدوات، أمكن تحديد الموارد والجدول الزمني، وحينئذٍ يمكن أن نسأل ماذا تحقق؟؛ ومن ثم يمكن أن تكون هناك محاسبة.
أمَّا أن نبدأ مباشرة من ’’ماذا ينبغي أن نفعل؟‘‘، قبل أن نجيب عن ’’لماذا وصلنا إلى هذه النقطة؟‘‘، فهذا هو ما يُحوِّل الخطاب إلى مجموعة واسعة من الأمنيات المؤسسية، وهو ما يعود بنا إلى سياسات الأماني والأحلام وليس سياسات الواقع والعمل. ومن هنا فإن عنوان هذه القراءة وهو ’’من بلاغة الهُوِيَّة إلى غياب المسئولية‘‘ لا ينبغي أن يُفْهَم بوصفه اعتراضًا على كثرة البلاغة وحدها، وإنما بوصفه تشخيصًا لعلاقة سببية أعمق؛ إذ حين يغيب تشخيص المأزق الهُوِيَّاتي، يغيب سؤال المسئولية عنه؛ وحين يغيب سؤال المسئولية، تغيب الجهة التي يمكن أن تُكلَّف بالمعالجة؛ وحين تغيب الجهة المُحدَّدة، تصبح الآلية مجرد وعد مؤجل.
ولعل المفارقة الأبرز أن الوثيقة نفسها تقول، في ’’ماذا بعد؟‘‘، إن آليات العمل التطبيقية يُتوقع أن تنتج لاحقًا من أوراق المؤتمر ومناقشاته، أي أنها تعترف ضمنيًا بأن الانتقال من الوثيقة إلى التطبيق لم يكتمل بعد. وهنا تحديدًا ينبغي أن تبدأ المرحلة الثانية من المشروع. لا بإضافة مؤتمر جديد إلى المؤتمر السابق، ولا بإضافة قائمة أخرى من التوصيات إلى القائمة القائمة، وإنما بإعادة فتح السؤال الأول نفسه، وهو ما المأزق الذي نحاول علاجه؟ فإذا لم نستطع تعريف المأزق، لن نستطيع تحديد المسئولية. وإذا لم نُحدِّد المسئولية، لن نستطيع بناء الآلية. وإذا غابت الآلية، ظلت الهُوِيَّة حاضرة في الخطاب، وغائبة عن السياسة.
وهنا تكمن المسافة الفاصلة بين بلاغة الهُوِيَّة وسياسة الهُوِيَّة. فالأولى تقول لنا ما نرغب في أن نكونه؛ والثانية تبدأ بسؤال ما الذي يمنعنا من أن نكونه، ومن يملك القدرة على تغيير ذلك. وهذا، في تقديري، هو السؤال الذي كان ينبغي أن يكون في قلب الوثيقة منذ البداية.
وأخيرًا، فليتنا نستبدل بإقامة المؤتمرات صُنع وصياغة سياسات واقعية وقابلة للتنفيذ، إذ لو أن ما أنفق على هذا المؤتمر من أموال كان قد تم توجيهه إلى عمل دراسات ميدانية حقيقية لتشخيص مأزق الهُوية الراهن لكان أجدى كثيرًا مِمَّا تم إنفاقه على هذه الوثيقة البلاغية من أموال.