منوعات

تعقيب على حوار د. عزيز بعزي مع الشاعرة والمترجمة العراقية باهرة عبد اللطيف

طارق النعمان طارق النعمان 03.11.2026

باهرة عبد اللطيف: حين تصبح الثقافة جسرًا بين عالمين
ثمة تجارب إنسانية وثقافية لا يمكن اختزالها في سيرة ذاتية، مهما تكن حافلة بالإنجازات، ولا في قائمة من المؤلفات والترجمات والشهادات الأكاديمية، مهما تكن جديرة بالتقدير؛ لأنها تتجاوز حدود الإنجاز الفردي لتصبح تعبيرًا عن رؤية للعالم، وعن موقف من الثقافة والإنسان والاختلاف. ومن هذا القبيل تجربة الكاتبة والشاعرة والمترجمة والباحثة والصديقة العراقية باهرة عبد اللطيف، التي لم تكن إقامتها في إسبانيا، منذ عام 1995، مجرد انتقال من جغرافيا إلى أخرى، بقدر ما كانت انتقالًا إلى فضاء ثقافي وإنساني أرحب، جعل من حياتها نفسها مساحة لقاء بين لغتين وثقافتين وذاكرتين.


ولعل أجمل ما في تجربة باهرة عبد اللطيف أنها لم تتعامل مع المسافة التي تفصل العراق عن إسبانيا بوصفها مسافة ينبغي اجتيازها فحسب، وإنما بوصفها مجالًا ينبغي العمل على تجسيره، وتحويله إلى فضاء للتعارف والحوار والتبادل المعرفي. فهي عراقية لم تتخلَّ عن جذورها وهي تعيش في إسبانيا، وإسبانية الإقامة والانشغال الثقافي من دون أن تستسلم لفتنة الاندماج الذي يمحو الاختلاف أو يذيب الخصوصية. لقد اختارت، على نحو واعٍ، أن تكون جسرًا بين عالمين، وأن تجعل من اللغة والأدب والترجمة أدوات لهذا العبور الإنساني المتبادل.


ولعل هذه الرغبة في بناء الجسور تجد تفسيرها الأول في البيئة التي نشأت فيها باهرة؛ فقد فتحت عينيها على عالم كانت الكتب فيه جزءًا أصيلًا من اليومي والمعيش، وكان الأب، بما يملكه من دار للنشر ومطبعة ومكتبة عامرة، يهيئ لأبنائه فضاءً مبكرًا للاكتشاف والمعرفة. وليس من قبيل المصادفة، والحال هذه، أن تتشكل علاقتها بالقراءة في مرحلة باكرة من عمرها، وأن تمتد اهتماماتها إلى آداب وثقافات متعددة، وأن تجد نفسها، لاحقًا، في منطقة التماس بين الأدب العربي والأدب الإسباني وأدب أمريكا اللاتينية. فالطفولة التي تتفتح على الكتب لا تمنح صاحبها أو صاحبتها معرفة مبكرة فحسب، بل تمنحه أيضًا إحساسًا أن العالم أوسع من حدود المكان الذي يولد فيه الإنسان، وأن اللغات ليست حواجز تفصل بين البشر، بقدر ما هي نوافذ تتيح لهم أن يروا ما يوجد خارج فضاءاتهم.


ومن هنا تبدو علاقتها باللغة الإسبانية أكثر من مجرد اختصاص أكاديمي أو مهارة مهنية. إنها علاقة تأسست على شغف أدبي ومعرفي، ثم اتسعت لتصبح مشروعًا ثقافيًا متكاملًا. فقد جمعت باهرة بين دراسة اللغة والأدب الإسباني، والتخصص في الترجمة الفورية والتحريرية، والبحث في أدب أمريكا اللاتينية، والعمل الأكاديمي في جامعات بغداد ومدريد وآبيلا. غير أن تعدد هذه المسارات لم يكن تشتتًا في الاهتمامات، بقدر ما كان تجليات متنوعة لمشروع واحد هو اكتشاف الآخر من داخله واكتشاف الذات من خارجها، وانفتاح الذات والآخر على كل من القارئ العربي والقارئ الغربي، دون أن تفقد تجربتها خصوصيتها، وهو ما يفضي إلى إضاءة ما بين ثقافة الذات وثقافة الآخر من صلات ووشائج وتفاعلات تاريخية وجمالية.


ويكتسب اشتغالها على خورخي لويس بورخيس أهمية خاصة في هذا السياق، ذلك أن بورخيس ليس مجرد كاتب أرجنتيني كبير، وإنما هو أحد أكثر المبدعين انشغالًا بالذاكرة والمكتبة والمتاهة والكتب المقدسة والأساطير والمرجعيات الشرقية. ومن ثم فإن تتبع الآثار العربية والإسلامية في عالمه الأدبي يفتح مجالًا بالغ الثراء لإعادة النظر في صورة هذا الكاتب وفي طبيعة علاقته بالثقافات الأخرى. وقد أدركت باهرة أن كثيرًا مما كُتب عن بورخيس في المجال العربي لم يستنفد هذه المنطقة من تجربته، بل إن بعض القراءات اكتفى بصور منقولة عبر لغات وسيطة، الأمر الذي جعلها تتجه إلى المصادر الأصلية، وتقرأ أعماله في سياقاتها، وتلاحق ما تراكم حولها من دراسات بلغات متعددة. وفي هذا الجانب تحديدًا تتجلى قيمة البحث الذي لا يكتفي بتكرار ما استقر من أحكام، وإنما يذهب إلى النصوص والمصادر ليختبرها، ويعيد مساءلة المألوف، ويبحث عن المناطق التي لم تحظ بما تستحقه من اهتمام.


وليس بعيدًا عن هذا الأفق أن تحتل تجربة جبرا إبراهيم جبرا مكانة خاصة في تكوينها الأدبي. فجبرا، بتعدد مواهبه وتنوع منجزه في الرواية والشعر والنقد والترجمة والرسم، يمثل نموذجًا للمثقف الذي لا تقيده حدود النوع الأدبي أو التخصص المعرفي. وقد كان اقتراب باهرة منه، وقراءتها أعماله، والاطلاع على مكتبته الشخصية، تجربة تتجاوز علاقة تلميذة بمعلمها إلى اكتشاف أفق ثقافي وإنساني أوسع وأرحب. ولعل حديثها عنه في هذا الحوار يكشف جانبًا من الوفاء المعرفي لمعلم ترك أثره في الذائقة والرؤية، كما يكشف عن تقديرها لذلك النموذج من المثقفين الذين ينظرون إلى الثقافة بوصفها كلًا إنسانيًا متكاملًا، لا جزرًا متباعدة من المعارف والاختصاصات.


أما الشعر، فيحتل في تجربتها موقعًا لا يقل أهمية، وإن تأخر ظهوره في النشر عن غيره من انشغالاتها. وهي، في حديثها عن علاقتها بالقصيدة، تطرح تصورًا لافتًا لمسئولية الشاعر تجاه القارئ؛ فالشعر، في نظرها، ليس مجرد اندفاع عاطفي أو رغبة في الكتابة، بل هو أيضًا وعي بما أنجزته التجربة الشعرية الإنسانية، وحرص على ألا يكرر الكاتب ما سبق أن أنجزه الآخرون من دون إضافة حقيقية. وفي هذا التصور قدر من التواضع المعرفي، ومن احترام القارئ، ومن إدراك أن الكتابة مسئولية جمالية وأخلاقية في آن. وتبدو قائمة الشعراء الذين تستحضرهم، من المتنبي ومحمد الماغوط إلى بورخيس وباث ونيرودا وفاييخو، ومن ألبرتي ولويس ثيرنودا وخوسيه أنخل بالنته، دليلًا على اتساع أفقها القرائي، وعلى أن الذائقة الأدبية الحقيقية لا تعترف بالحدود الجغرافية حين يتعلق الأمر بالجمال والدهشة.


غير أن ثمة خيطًا أكثر عمقًا يصل بين هذه الوجوه المتعددة في تجربتها، هو سؤال الهوية. فالهوية عند باهرة ليست شعارًا ثقافيًا ولا انتماءً جاهزًا يُستدعى عند الحاجة للمتاجرة وتحقيق بعض المكاسب الآنية العارضة على نحو ما أصبح يُستخدَم شعار الهُوية بصور بالغة المجانية والابتذال والرِّخَص في عالمنا العربي اليوم، وإنما هي تجربة معيشة بكل ما تنطوي عليه من ذاكرة وتاريخ وأسئلة وتوترات، وأثمان تُدفَع في سبيل أن يكون الإنسان ذاته ولو خسر العالم كله؛ إذ على حد قول السيد المسيح في إحدى عباراته الأثيرة ’’مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟‘‘ (إنجيل مرقس، 8:36). إنها هوية العراقية التي تحمل معها ذاكرة وطن مثقل بالحروب والمظالم، والمرأة التي تعي القيود الاجتماعية المفروضة عليها وتسعى إلى تجاوزها بالعمل والحوار والمثابرة، والمثقفة التي تواجه الصور النمطية التي ينتجها الآخر عن ثقافتها، من دون أن تقع هي نفسها في أسر الصور النمطية المضادة. وهذا ما يمنح حديثها عن الهوية نبرة خاصة؛ فهي لا تتحدث من موقع الانغلاق أو الدفاع العُصَابي عن الذات على نحو ما نجد بعض المغتربات والمغتربين، وإنما من موقع الوعي النقدي الذي يرفض اختزال الإنسان في صورة واحدة، سواء أكانت الصورة التي يرسمها الآخر له أو تلك التي يفرضها المجتمع عليه.


وقد عرفنا كثيرات وكثيرين هاجروا فهجروا ثقافتهم وهويتهم، وانسلخوا تمامًا من كل شيء، باذلات وباذلين الهوية والانتماء والتاريخ والذاكرة قربانًا وتقدمة على مذبح قبول الآخر لهم، وهو ما جعلهم جميعًا يتحولون إلى مسوخ بشري يتم استخدامها من قِبل الآخر في الوقت ذاته الذي يحتقرها، والنماذج كثيرة للأسف وعديدة.


ومن هنا أيضًا تكتسب دعوتها إلى تحديث الحوار العربي الإسباني أهمية تتجاوز استعادة المشتركات التاريخية بين الثقافتين. فهي لا تنكر أهمية التاريخ، بقدر ما ترفض أن يظل أسير الرؤى الماضوية التي تجعل العلاقة بين الطرفين سجالًا لا ينتهي حول ما وقع، بدلًا من أن تكون حوارًا حول ما يمكن إنجازه. إن المشترك الحضاري، في تصورها، لا ينبغي أن يتحول إلى مادة للاحتفاء بالماضي وحده، وإنما إلى قاعدة لبناء مستقبل يقوم على الندية والاحترام المتبادل، وهو موثف أتفق فيه معها كل الاتفاق. وهو موقف جدير بالتأمل والتمعن بفهم تاريخي حقيقي وبعيدًا عن كل أوهام ونعرات الإعادة والاستعادة، وبعيدًا أيضًا عن نعرات التنكر للتاريخ وما صنعته وولدته قرون من التواصل والتصاهر والتوالد سواء بالمعنى الحرفي أو بالمعنى المجازي. ولا سبيل إلى هذا بالطبع إلا عبر الحوار الخلاق؛ لأن الحوار بين الثقافات لا يتحقق بمجرد استدعاء صفحات متناثرة من التاريخ، وإنما يتطلب استعدادًا حقيقيًّا ومتبادلًا للإصغاء، ومراجعة الصور الموروثة، والاعتراف بحق الآخر في أن يتحدث عن نفسه وأن يشارك في صياغة صورة العلاقة معه؛ ومن ثم فلا غنى عن الإصغاء المتبادل، ذلك أن فن الإصغاء، وكما يعلمنا وأين بوث في واحد من كتبه المهمة، هو بلاغة البلاغة.


إن هذه الوجوه المتعددة هي ما تجعل تجربة باهرة عبد اللطيف جديرة بالاهتمام؛ فهي تجربة تتوزع بين الإبداع والبحث والترجمة والتدريس، لكنها تلتقي عند الإيمان بأن الثقافة ليست ترفًا، وأن الأدب ليس مجرد متعة جمالية منفصلة عن العالم، وأن الترجمة ليست نقلًا للكلمات من لغة إلى أخرى، بل هي عبور بالخبرة الإنسانية من أفق إلى أفق، ومن فضاء إلى فضاء. وقد انعكس ذلك في أعمالها الشعرية والمسرحية، وفي اختياراتها الترجمية التي عرَّفت فيها القارئ العربي بأصوات وتجارب إسبانية، وفي اشتغالها على الذاكرة الثقافية المشتركة بين العالمين العربي والإسباني. كما جاءت الجوائز والتكريمات التي حصلت عليها، ومنها جائزة أفضل كتاب مترجم في العراق عن ترجمتها مذكرات رافائيل ألبرتي، والميدالية الذهبية للمنتدى الثقافي العربي الإسباني، وتكريم جمعية المترجمين العراقيين، اعترافًا ببعض ما بذلته من جهد في هذا المسار.


ولذا لا يسعني في النهاية سوى أن أتوجه بالشكر إلى الدكتور عزيز بعزي


على إجرائه هذا الحوار الذي يكشف لنا بعضًا من مسيرة باهرة عبد اللطيف الحافلة بالإيمان والعمل والحب والتواصل؛ إذ نجدنا إزاء تجربة لا تختزلها فكرة الاغتراب، ولا تكفي للإحاطة بها فكرة التعدد الثقافي؛ إنها تجربة إنسانة اختارت أن تجعل من المسافة جسرًا، ومن الاختلاف فرصة للمعرفة والتواصل، ومن اللغة بيتًا يتسع لأكثر من ذاكرة وأكثر من وطن. ولعل هذا هو المعنى الأجمل الذي يمكن أن نخرج به من هذا الحوار، وهو أن الانتماء لا يتناقض مع الانفتاح، وأن الوفاء للجذور لا يستلزم إدارة الظهر للعالم، وأن الثقافة، حين تتحرَّر من أوهام وعُقَد المركزية والتفوق، تصبح واحدة من أرقى الطرق التي يستطيع بها الإنسان أن يلتقي بالإنسان.


لقد ظلت باهرة عبد اللطيف على امتداد حياتها ترى العمل بوصفه قيمة، والتواصل بوصفه واجبًا، والعطاء والحب بوصفهما غاية ومعنى تتحقق من خلالهما إنسانية الإنسان، فلها صديقة ومثقفة وإنسانة كل الحب وكل الامتنان.

طارق النعمان
عن الكاتب
طارق النعمان
ناقد ومترجم وأكاديمي

ناقد ومترجم وأكاديمي

صفحة الكاتب ←
منوعات

يا ليل باغني للخلود وانا ماشي!! والطير بينقل رسايل حب بين الشواشي عمر الصاوي ديوان نقوش

ها هو صديق آخر من أصدقاء الرحلة يعلن الرحيل، ها هو عمر الصاوي أشعر أبناء جيل تلامذة فؤاد حداد، الوراقي ابن الوراقوأخلصهم…

طارق النعمان
طارق النعمان 24.10.2026
اقرأ ←