طارق النعمان
في ندوتنا التي انعقدت مساء أمس الجمعة، 9/10/2026، بعنوان ’’قراقوش بين التاريخ والحكاية: قراءة في الفاشوش في أحكام قراقوش‘‘، استمتعنا، على مدار ساعتين وربع، بصحبة أستاذين جليلين وصديقين عزيزين: الأستاذ الدكتور عماد أبو غازي، أستاذ الوثائق بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وزير الثقافة الأسبق، والأستاذ الدكتور عمرو عبد العزيز منير، أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة قناة السويس.
لقد كشف لنا الدكتور عماد أبو غازي، في تقديمه العميق، عن ثراء المشروع العلمي للدكتور عمرو منير، وعن انشغاله بتلك الصلة التي كثيرًا ما غابت عن أدبياتنا بين التاريخ والأدب الشعبي. وهي صلة تتجلى في أعماله المتعددة، من تحقيق كتاب ’’الفاشوش في أحكام قراقوش‘‘ لابن مماتي، إلى تحقيق كتاب ’’طيف الخيال‘‘ لابن دانيال، إلى جمعه لسيرة الحاكم بأمر الله، وما سوى ذلك من أعمال عديدة تمضي في نفس المسار. وفي هذه الأعمال جميعًا يتبدى انحياز معرفي إلى كتابة التاريخ من أسفل؛ أي إلى استجلاء أصوات المُهمَّشين والمتوارين في خلفية المشهد التاريخي، والإنصات إلى ما تتركه الجماعة الشعبية من آثار في الحكايات والسير والمرويات.
بهذا المعنى، يمثل الدكتور عمرو منير نموذجًا لافتًا بين الباحثين في تاريخنا العربي؛ نموذجًا يسعى إلى استعادة تلك المساحة التي تفصل، في كثير من الأحيان، بين التاريخ كما تكتبه المؤسسات والروايات الرسمية، والتاريخ كما عاشه الناس، واستوعبته ذاكرتهم، وأعادوا روايته في حكاياتهم ومخيالهم الشعبي.
ولعل ما منح تقديم الدكتور عماد أبو غازي خصوصيته وحيويته وعمقه أنه لم يكن مجرد استعراض للسيرة العلمية لزميل وصديق عزيز وباحث أصيل، بقدر ما كان قراءة واعية لمشروعه، تكشف عن فهم عميق لرهاناته المعرفية ودلالاته الثقافية. ومن هنا اكتسب التقديم قيمته ومتعتَه؛ إذ تجاوز تقاليد تقديم زميل لزميله، ليصبح تعبيرًا عن رؤيا مشتركة تجمع المُقدِّم بالمُقدَّم، وتجمعهما، في الوقت نفسه، برؤى الحضور إلى قيمة التاريخ الآخر، تاريخ الذين ظلوا طويلًا خارج المتون الرسمية، أو على هوامشها، ينتظرون من يُنصِت إلى أصواتهم ويعيد إدراجها في سرديتنا التاريخية.
إنه تاريخ ينتظر، في تقديري، مئات المؤرخين كي يُكتب؛ لا لأن أحداثه غائمة أو مشوشَّة على نحو ما يبرر البعض تجاهلهم لهذه التواريخ، وإنما لأن أصوات أصحابه لم تجد، في أغلب الأحيان، من يمنحها حق الظهور في الكتابة التاريخية. وكان تعبير الدكتور عماد عن هذا الهم في مشروع الدكتور عمرو منير درسًا بليغًا في معنى التاريخ والتأريخ، وفي ضرورة أن يظل المؤرخ يقظًا لما تُقصيه الروايات السائدة، وما تخفيه وراء يقينها الظاهر. وهو درس نحن في أمسّ الحاجة إليه، لا في الدراسات التاريخية وحدها، بل في كل قراءة تسعى إلى فهم الإنسان والثقافة والمجتمع.
ثم أخذنا الدكتور عمرو منير إلى عالم ’’الفاشوش‘‘ وعالم قراقوش، مستعيدًا رحلة بحثية امتدت من عام 2013 إلى عام 2025، وما شهدته من عودة متكررة إلى الكتاب تحقيقًا وقراءةً وتأملًا. وقد توقف عند دلالات شخصية قراقوش في المخيال الشعبي، وعند الصلة بين الحكايات التي أنتجها هذا المخيال وسياقاتها التاريخية؛ ليكشف كيف تحوَّلت هذه الشخصية الحائرة بين التاريخ الرسمي والمخيال الشعبي إلى رمز تقاوم من خلاله الجماعة الشعبية ما تتعرَّض له من ظلم وجور، وتُعبِّر به عن موقفها من هذا الظلم والجور السياسي، ومن اختلال موازين العدل والعقل والمعنى.
وهنا تتجلى أهمية الانتقال من السؤال عن قراقوش بوصفه شخصية تاريخية إلى السؤال عن قراقوش بوصفه شخصية صنعتها الحكاية وأعادت تشكيلها الذاكرة الشعبية. فالحكاية، في هذه الحالة، لا تقف على هامش التاريخ، وإنما تصبح مدخلًا إلى فهمه؛ إذ تكشف، بما تختزنه من سخرية ومبالغة واحتجاج، عن تصورات الناس للسلطة والعدل، وعن طرائقهم في مقاومة الظلم رمزيًا، حين تضيق بهم سبل مقاومته في الواقع، على نحو يُذكرنا بكتاب جيمس سكوت عن فلاحي المالايو وهو كتاب Weapons of the Weak: EVERYDAY FORMS OF PEASANT RESISTANCE، أي ’’أسلحة الضعفاء: أشكال مقاومة الفلاحين اليومية‘‘، وهو الكتاب الذي ترجمه كل من إبراهيم العريس ومخايل خوري بعنوان تأويلي تمامًا هو ’’المقاومة بالحيلة: كيف يهمس المحكوم من وراء ظهر الحاكم‘‘.
لقد كانت أمسية ممتعة حقًا، على المستويين العقلي والمعرفي، وزادتها مداخلات الصديقات والأصدقاء وأسئلتهم حيويةً وثراءً، وحوّلتها إلى فسحة حقيقية للحوار وتبادل الرؤى. وهي تجربة تدفعنا، أنا والصديقة العزيزة الأستاذة باهرة عبد اللطيف، رئيسة المنتدى، وسائر الأصدقاء في مجلس الأمناء، إلى أن نطلب من هذين الصديقين العزيزين أن يسعدانا بلقاءات أخرى على هذه الشاكلة؛ لقاءات لا تكتفي بعرض المعرفة، بل تفتحها على الأسئلة، وتعيد وصل الثقافة بالحياة، والتاريخي باليومي والمعيش، والبحث الأكاديمي بالذاكرة الجمعية.
فللصديقين الكريمين مني، ومن رئيسة المنتدى، ومن جميع أعضاء مجلس أمناء المنتدى العالمي للغة العربية، بالغ الشكر والامتنان والتقدير والحب. والشكر والامتنان موصولان بالطبع إلى كل الصديقات والأصدقاء الذين شرّفونا بالحضور، وإلى أخي العزيز الأستاذ يعرب أكرم على إدارته للمنصة.
دمتم جميعًا بخير، أيها الصديقات والأصدقاء الأحباء.