إطلالة بانورامية
اليوم السابع من أكتوبر تحل ذكرى مولد بليغ الموسيقى المصرية الذي كان مثل اسمه تمامًا بليغًا في موسيقاه وفي اختياراته للكلمة التي يلحنها ويُنغِّمها، عبقري الموسيقى المصرية بليغ حمدي، وجدان مصر المتدفق على مدار أربعة عقود متصلة، الذي وصل ما انقطع مع سيد درويش من عمق وبساطة وأصالة وتجديد، وكأنه الابن البكري الجميل لذلك العبقري الأصيل.
لقد ولد بليغ في السابع من أكتوبر عام 1932 وتوفي في الثاني عشر من سبتمبر عام 1993، وعلى امتداد عمره الفني كان صوت مصر الذي ظل يُؤرِّخ ويكتب ويؤرشف بموسيقاه وألحانه الوجدان المصري بكل ما كانت تحمله خلجاته من أحلام وآمال وطموحات وأفراح وانكسارات وأحزان. وكأنه مبعوث التاريخ الموسيقي وموسيقى التاريخ للذاكرة المصرية والوجدان المصري، هذا الوجدان الذي ظل يحمل أمانة تتبعه في كل لحظاته الحميمة، تمامًا تمامًا مثلما كان يفعل أبوه الحقيقي سيد درويش بأغانيه وألحانه. وقد كان ذلك من خلال تواصله مع شعراء أرخوا مصر ووجدان مصر بأشعارهم وأغانيهم، شعراء من أمثال إسماعيل الحبروك، ومأمون الشناوي، وحسين السيد، وأحمد شفيق كامل، وعبد الفتاح مصطفى، وعبد الوهاب محمد، ومرسي جميل عزيز، ومحمد حمزة، وصلاح أبو سالم والأبنودي، ومجدي نجيب، ومحسن الخياط، وعبد الرحيم منصور، وسيد حجاب وسواهم؛ ولذا فقد توزَّعت أغانيه بين الأغاني الوطنية والشعبية والعاطفية والدينية، فضلاً عن العديد من الأعمال المسرحية والسينمائية والتليفزيونية. وقد اتسمت الغالبية العظمى من أغانيه بدرامية موسيقية لافتة، وغنَّى له أبرز أعلام الغناء المصري والعربي من أم كلثوم إلى عبد الحليم حافظ، ومحمد رشدي، ومحرم فؤاد، ووردة الجزائرية، وشادية، ونجاة، وصباح، وفايزة أحمد، وعفاف راضي وصولاً إلى علي الحجار وعزيزة جلال وسميرة سعيد ونادية مصطفى ، والعديد سواهم من المطربين والمطربات.
شبرا والبدايات
في السابع من أكتوبر من عام 1932، كان ثمة طفل يولد في شبرا، في ذلك الحي الذي لم يكن مجرد مكان للسكنى، بقدر ما كان واحدًا من الأمكنة التي تتقاطع فيها مكونات مصر المختلفة والمتنوعة، من شرائح طبقية عليا ووسطى ودنيا، وهو الحي ذاته الذي أنجب لنا نابغًا ومُؤرِّخًا ومُؤَرْشِفًا آخر من مؤرخي ومُؤَرْشِفي الوجدان وهو صلاح جاهين الذي كانت أسرته تجاور أسرة بليغ والذي كان لا يكف وهما طفلان صغيران، وكان أكبر من بليغ ببضعة أشهر، عن ضرب بليغ وكان بليغ يعضه دفاعًا عن نفسه على نحو ما يحكي جاهين.
لم يكن أحد يعرف يومها أن هذا الطفل، الذي سيكبر اسمه ليصبح ’’بليغ حمدي‘‘، سوف يحمل في داخله شيئًا من أسرار هذه المدينة؛ شيئًا من زحامها وزخمها، من ضحكها، وحزنها، من مواويلها، وأفراحها، ومآتمها، وابتهالاتها، ونداءات باعاتها، وتكبيرات مآذنها، وأجراس كنائسها، وأغاني عمالها وفلاحيها وعشاقها، ومن كل ما فيها من زخم.
كان والده أستاذًا للفيزياء بجامعة فؤاد الأول، أي أنه نشأ في بيت علم وعقل ومعرفة، إلا أن الصبي اختار منذ طفولته طريقًا آخر لا يقل عن العلم قيمة، وهو طريق الموسيقى. وفي التاسعة من عمره كان قد أتقن العزف على العود، وفي الثانية عشرة حاول الالتحاق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، غير أن صغر سنه حال دون ذلك. إلا أن الأبواب التي أٌغْلِقَتْ في وجه الصبي لم تمنعه من الولوج إلى هذا العالم من أبواب أخرى؛ فالتحق بمدرسة شبرا الثانوية، وراح يدرس أصول الموسيقى في مدرسة عبد الحفيظ إمام للموسيقى الشرقية، ثم تتلمذ على درويش الحريري، وهناك تعرَّف على الموشحات العربية.
وبحكم البيت الذي نشأ فيه بليغ فلم يكن من المسموح له أن يقتصر تعليمه على الموسيقى وحدها؛ ومن ثم كان عليه أن يلتحق بمجال آخر سوى مجال الموسيقى، وأن تبقى الموسيقى مجرد هواية ينميها كما يشاء لكن بعيدًا عن مساره التعليمي المنتظم، فالتحق بكلية الحقوق، إلا أنه في الوقت ذاته التحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، وبالطبع انتصرت الموسيقى على القانون وأصبحت هي القانون الذي يحكم حياة بليغ وعالمه.
وهكذا، يمكن أن نفهم جانبًا مهمًا في تكوين بليغ، وهو أنه قد جمع ما بين التراث الموسيقي الشرقي الأصيل، وبين الالتصاق الشديد بالشارع الذي بدأ في شوارع شبرا وامتد إلى كل شوارع القاهرة وكل بقاع مصر بعد ذلك، وهو ما يعني أن تتلمذه على الموسيقى الشرقية لم يفصله عن الالتحام الحميم بالشارع المصري وبكل ما فيه من حياة وحركة وضجيج وعنفوان، وهي كلها مكونات ستجد أصداءها المختلفة والمتنوعة في موسيقى بليغ الحميمة. لقد درس بليغ الموسيقى في المعهد، إلا أنه لم يجعلها أسيرة غرف المعهد؛ وإنما أطلق سراحها إلى شوارع القاهرة وحواريها وغيطان مصر وقراها، تعلّم أصولها، لكنه أطلقها بعد ذلك في الأسواق والشوارع والبيوت والمقاهي والمسارح والإذاعة والسينما.