ترجمة

الاستعارة – صياغة المشكل

طارق النعمان طارق النعمان 06.10.2026

جون سيرل

ترجمة: طارق النعمان





لو أنك تسمع شخصاً يقول «سالي لوح ثلج» أو «سام خنزير»، فإنك غالباً ستفترض أن المتكلم لا يعني ما يقول حرفياً بل إنه يتحدث استعارياً. وعلاوة على ذلك فمن غير الوارد أن تواجه صعوبة شديدة جداً في اكتشاف ما يعنيه.
ولو أنه يقول «سالي عدد أساس a prime number بين 17 و23» أو «بِل باب حظيرة a barn door» فقد تظل تفترض أنه يتكلم استعارياً، إلا أنه سيكون أصعب كثيراً أن تتبين ما يعنيه. إن وجود تلفظات من هذا النوع – تلفظات يعني فيها المتكلم استعارياً شيئاً مختلفاً عما تعنيه الجملة حرفياً – يثير سلسلة من الأسئلة بالنسبة لأية نظرية للغة والتواصل: ما الاستعارة، وكيف تختلف عن كل من الأشكال الأخرى من التلفظات الحرفية والمجازية؟ لماذا نستخدم تعبيرات استخداماً استعارياً بدلاً من قول ما نعنيه بالضبط وحرفياً؟ كيف تعمل التلفظات الاستعارية، أي كيف يكون ممكناً للمتكلمين أن يتواصلوا مع السامعين حين يتحدثون بشكل استعاري ماداموا لا يقولون ما يعنونه؟ ولماذا تعمل بعض الاستعارات بينما لا تعمل استعارات أخرى؟
إنني أعتزم أن أتناول، في نقاشي، هذه المجموعة الأخيرة من الأسئلة – تلك الدائرة حول مشكل كيف تعمل الاستعارات – بسبب أهميتها الجوهرية، ولأنه لا يبدو لي أننا سنحصل على جواب للأسئلة الأخرى ما لم يجب على هذا السؤال الأساسي.
وقبل أن يمكننا أن نفهم السؤال فإننا نحتاج، مع ذلك، إلى أن نصوغه صياغة أدق.
إن مشكل تفسير كيف تعمل الاستعارات هو حالة خاصة من المشكل العام لتفسير كيف ينفصل معنى المتكلم ومعنى الجملة أو الكلمة. إنه حالة خاصة، فيما أقصد، من مشكل كيف يكون ممكناً أن يقال شيء ويقصد شيء آخر، حيث ينجح المرء في توصيل ما يعنيه على الرغم من أن كلاً من المتكلم والمستمع يعرف أن معاني الكلمات التي تلفظها المتكلم لا تعبِّر تعبيراً مضبوطاً وحرفياً عما يعنيه المتكلم. كما تتمثل بعض الأمثلة الأخرى للانفصال بين معنى تلفظ المتكلم speaker’s utterance meaning ومعنى الجملة الحرفي literal sentence meaning في المفارقة وأفعال الكلام غير المباشرة indirect speech acts إذ في كل حالة من هذه الحالات لا يكون ما يعنيه المتكلم متطابقاً identical مع ما تعنيه الجملة، ومع ذلك فما يعنيه معتمد بطرائق عديدة على ما تعنيه الجملة. ومن الأساسي التشديد منذ البداية على أن مشكل الاستعارة يخص العلاقات بين معنى الكلمة ومعنى الجملة من ناحية، ومعنى المتكلم speaker’s meaning أو معنى التلفظ utterance meaning من ناحية أخرى. ويحاول كُتاب عديدون حول الموضوع أن يُعيِّنوا العنصر الاستعاري element metaphorical the لتلفظ استعاري a metaphorical utterance في الجملة أو التعبيرات الملفوظة. وهم يتصورون أن ثمة نوعين من المعنى للجملة،أحدهما حرفي و الآخر استعاري. ومع ذلك فالجمل والكلمات لها فقط المعاني التي لها. وإذا تكلمنا بدقة، فإننا حينما نتحدث عن المعنى الاستعاري لكلمة أو تعبير أو جملة فإننا نتحدث عما قد يتلفظه متكلم ليعنى، بطريقة تنفصل عما تعنيه الكلمة أو التعبير أو الجملة فعلياً. ولذا فإننا نتحدث عن مقاصد ممكنة للمتكلم possible speaker’s intentions، فحتى حين نناقش كيف يمكن لجملة بلا معنى a nonsense sentence مثل مثال شومسكي «أفكار خضراء بلا لون تنام مستعرة بالغضب» «colorless green ideas sleep furiously» أن تُمنح تأويلاً استعارياً metaphorical interpretation فإن ما نتحدث عنه هو كيف يسع المتكلم أن يتلفظ الجملة ويعني بها استعارياً شيئاً ما على الرغم من أنها حرفياً بلا معنى literally nonsensical. ولكي أجد طريقاً مختصراً لتمييز ما يعنيه المتكلم بتلفظ كلمات وجمل وتعبيرات من جهة أولى وما تعنيه الكلمات والجمل والتعبيرات من جهة أخرى، فإنني سأدعو الأول معنى تلفظ المتكلم والثاني معنى الكلمة أو الجملة. إن المعنى الاستعاري metaphorical meaning هو دائماً معنى تلفظ المتكلم.
فمن أجل أن يستطيع المتكلم أن يتواصل مستخدماً تلفظات استعارية وتلفظات مفارقية ironical utterances وأفعال كلام غير مباشرة indirect speech acts يجب أن تكون هناك بعض المبادئ التي وفقاً لها يكون قادراً على أن يعني أكثر مما يقوله أو شيئاً مختلفاً عما يقوله، مبادئ يستطيع المستمع بواسطتها مستخدماً معرفته بها أن يفهم ما يعنيه المتكلم. إن العلاقة بين معنى الجملة ومعنى التلفظ الاستعاري علاقة منتظمة systematic وليست عشوائية random أو خاصة ad hoc. ومهمتنا في بناء نظرية للاستعارة هي أن نحاول أن نُعيِّن هذه المبادئ التي تربط معنى الجملة الحرفي بمعنى التلفظ الاستعاري. ولأن المعرفة التي تُمكِّن البشر أن يستخدموا ويفهموا التلفظات الاستعارية تتجاوز معرفتهم بالمعاني الحرفية للكلمات والجمل، فإن المبادئ التي ننشدها ليست متضمنة أو على الأقل ليست متضمنة بشكل كامل داخل نظرية عن الكفاءة اللغوية كما يُتصوَّر تقليدياً. ومن وجهة نظر المستمع، فإن مشكل نظرية الاستعارة هو تفسير كيف يستطيع هو أن يفهم معنى تلفظ المتكلم في ظل أن كل ما يسمعه هو جملة لها معناها بما هي كلمات وجملة. أمَّا من وجهة نظر المتكلم فإن المشكل هو تفسير كيف يستطيع أن يعني شيئاً مختلفاً عن معنى الكلمات والجملة الخاص بالجملة التي يتلفظها. في ضوء هذه التأملات، يمكن لسؤالنا الأصلي، كيف تعمل الاستعارات؟ أن يعاد صياغته على النحو التالي: ما المبادئ التي تُمكِّن المتكلمين من أن يصوغوا والمستمعين من أن يفهموا تلفظات استعارية؟ وكيف يمكن لنا أن نُعيِّن هذه المبادئ بطريقة تُوضِّح كيف تختلف التلفظات الاستعارية عن أنواع أخرى من التلفظات التي لا يتطابق فيها معنى المتكلم مع المعنى الحرفي؟ ولأن جزءاً من مهمتنا هو أن نفسر كيف تختلف التلفظات الاستعارية عن التلفظات الحرفية، فلابد لنا بداية من أن نصل إلى تشخيص للتلفظات الحرفية. إن معظم – بل في الواقع كل – المؤلفين الذين قرأت لهم حول موضوع الاستعارة يفترضون أننا نعرف كيف تعمل التلفظات الحرفية, ولا يظنون أن مشكل التلفظات الحرفية يستحق المناقشة في طرحهم للاستعارة والثمن الذي يغرمونه مقابل هذا هو أن طروحهم غالبا ما تصف التلفظات الاستعارية بطرق تخفق في أن تميزها عن التلفظات الحرفية.
وفي الواقع فإن إعطاء بيان دقيق للحمل الحرفي في an accurate account of literal predication لهو مشكل صعب ومعقد ودقيق الى أقصى حد. ولذا فإنني لن أحاول أي شيء من قبيل الحصر الشامل لمبادئ التلفظ الحرفي وإنما سأعلق فقط على تلك السمات التي تعد أساسية لمقارنة التلفظ الحرفي مع التلفظ الاستعاري, و أيضا, ولمقتضى البساطة, فإنني سوف أقصر معظم نقاشي لكل من التلفظ الحرفي والاستعاري على حالات بسيطة جداً ولجمل مستخدمة من أجل فعل الكلام الخاص بالتقرير the speech act of assertion. تخيل أن متكلماً ينتج تلفظاً حرفياً لجمل مثل:

طارق النعمان
عن الكاتب
طارق النعمان
ناقد ومترجم وأكاديمي

ناقد ومترجم وأكاديمي

صفحة الكاتب ←