ها هو صديق آخر من أصدقاء الرحلة يعلن الرحيل، ها هو عمر الصاوي أشعر أبناء جيل تلامذة فؤاد حداد، الوراقي ابن الوراقوأخلصهم للشعر يقرر هو الآخر الرحيل بعد أن سبقه صديقان آخران من شعراء الوراق وتلامذة فؤاد حداد وهما محمد كشيك وأشرف عامر.
في حضرة الموت تتدافع الذكريات يتكثف شريط العمر تبدو أزمنة كاملة ساعات وأيام وشهور وسنون وكأنها ومضات، مجرد ومضات خاطفة، ومضات تشبه ما نراه من حركة للأشياء ونحن نطل على الخارج من قطار سريع يتحرك بنا، هكذا تتدافع كل الذكريات الخاصة بذلك الراحل أو تلك الراحلة، كل ما جمعك به وكل الأصدقاء المشتركون الذين كانوا جزءًا من المشهد وكأن كل هذا لم يكن عمرًا وحياة وتفاصيل، وإنما مجرد حلم أو طيف خيال، هكذا تبدو الحياة إزاء الموت وهمًا، سرابًا، بقايا، وأشلاء من صور. أين عمر وهو واقف أمام مدرج 18 بجوار قسم اللغة العربية هل مر فعلا على هذه الوقفة أكثر من أربعة عقود أو تقريبًا نصف قرن؟!، وأين عمر في لقاءاتنا في بيت أستاذنا وصديقنا نصر أبو زيد في المنيب، ونحن نتحدث عن بشار بن برد والحداثة العباسية والبلاغة العربية، وأين عمر ونحن ساهرون ليالي بأكملها مع أخيه الحبيب رجب الصاوي في بيت الصديق الحبيب سعيد المصري في أكتوبر نتبادل النكات والحكايات والطرائف ونحن نضحك حتى الصباح، وأين عمر ونحن ساهرون معًا حتى الفجر في بيت سليمان العطار، وأين عمر ونحن في عزاء أستاذنا الحبيب جابر عصفور، وأين عمر ونحن في عزاء أشرف عامر، وأين مكالماتنا الطويلة عن شعر العامية وعن شعره، ثم أين وعودي له بالكتابة عنه وعن شعره الذي قرأته ودونت عليه من الملاحظات ما دونت، منتظرًا تلك اللحظة التي أدعوها لحظة الاكتمال والتي للأسف أهملت استدعاءها إلى أن رحل عمر .. كل تلك الذكريات هجمت متدافعة بسرعة البرق وسواها العديد والعديد من الذكريات. لم أكن أتصوّر أن يأتي يوم أنعيك فيه يا صديقي الحبيب. لم أعد أتذكر كم نعيت ورثيت من الأصدقاء، كثيرون حقًا، كثيرون ..! ستنضم يا صديقي إلى رفقة هؤلاء الذين لا يكفون عن زيارتي ومعظمهم من أصدقائك يا صديقي، فالأصدقاء رغم رحيلهم لا يرحلون، بل يُغيِّرون فقط لحظات ومواعيد الزيارات؛ إذ تصبح زياراتهم دائمًا مفاجآت، وكأنهم يريدون دومًا اختبارك، هل ما زلت هشًا وبشًّا ومُرحِّبًا بحضورهم أم أنك سَتَزْوَر عنهم، وتغيب هكذا هي زيارات الراحلين:
الذكريات فاتحه دراعاتها عَ الشَّجَنْ والحُزنْ
واخده اللي ماتوا كُلهم في صدرها بالحُضنْ
أسماء كتير حاضره، ووجوه كتير حاضرين
يحكوا ليلاتي معاك، يحكوا اللي كان ويَّاك..
يحكوا ومش ناسيين أيام عاشوها معاك
فاكرنها بالتفصيل، يحكوا ليلاتي معاك،
لتكون من الناسيين، خايفين عليك تنسى،
وتكون من الآسيين!
*****
كيف أكتب عن غيابك يا صديقي، وقد تركت في القلب من الذكريات ما لا يستطيع الغياب أن يمحوه، ومن المودة ما لا تستطيع الأيام أن تنقضه أو تنتقص منه؟
رحلتَ، لكن ستبقى قصائدك تقول ما يعجز القلب عن قوله، وسنظل نستحضرك دومًا فيها يا صديقي نستحضر رهافتك وعمقك وسخريتك وهدوءك وابتساماتك الحنون، وانحيازك الدائم إلى الإنسان، وقدرتك على أن ترى وراء الأشياء البسيطة حكاياتٍ عميقة، وأن تمنح ما يبدو عابرًا معنى يستحق أن نتوقف عنده طويلًا.
أقبل صديقي اعتذاري عن عدم الكتابة عنك وأنت معنا، والآن أتمنى أن تأتي لحظة اكتمال الكتابة عنك قبل أن تأتي لحظة اكتمالي. كيف أعزي أخي وصديقي رجب الصاوي، ما الذي يمكن أن أقوله له أو للصديق العزيز محمد قاسم، أو لكل أصدقائنا المشتركين، لا أجد حقًا ما أقوله لهم جميعًا سوى ما أقوله لنفسي مع رحيل الأصدقاء، وهو أنهم سيظلون دومًا معنا وأنه لن يتغير شيء سوى مواعيد الزيارة واللقاء، رحم الله عمر أخًا وصديقًا وشاعرًا ومبدعًا أصيلاً أنتمى إلى تراب هذا الوطن بكل همومه وآلامه وأحلامه، ولكنه قد رحل!
