مدخل إلى التجربة
كنت طفلة لم أتخط العاشرة حين وجدت كتاباً في مكتبة والدي – الناشر المعروف ببغداد- عن فتح الأندلس، لعلها كانت رواية الأديب اللبناني المعروف جرجي زيدان، اختفت تفاصيلها وبقي منها أجواء حلمية تتردد فيها أسماء عربية وأخرى إسبانية (فرديناند، إيزابيل، رودريك أو لذريق، الكونت يوليان، فلورندا ابنة يوليان، طارق بن زياد،…). وفي تلك السن أيضاً قرأت رواية أخرى منزوعة الغلاف بعنوان (رامونا)، اكتشفت لاحقاً إنها لهيلين هانت جاكسون تتحدث فيها عن معاناة سكان أمريكا الأصليين، بقي في ذهني منها أجواء الصراع في كاليفورنيا في أعقاب الحرب بين المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية، وعلاقة ربطت بين رجل مكسيكي من أصل إسباني وحبيبته رامونا.
ومع أني قرأت في ما بعد روايات أخرى مترجمة إلى العربية عن الفرنسية والإنجليزية والروسية فقد سحرتني أجواء وأحداث هاتين الروايتين على وجه التحديد، ولعلها سكنتني وكانت سبباً في لاوعيي في اختيار دراسة اللغة والأدب الإسباني في كلية اللغات بجامعة بغداد، والتخصص فيهما حتى اليوم، لأعمل وأنجز من خلال ولعي بالأدبين الإسباني والأمريكي اللاتيني. وهكذا خطّ القدر توجهاتي اللاحقة وأنا بعد طفلة.
الآن، كيف أوجز في بضع صفحات ما تعنيه لي إسبانيا عبر حياتي التي أمضيتها فيها منذ قرابة ثلاثين عاماً ؟ كيف ألملم كل ما تراكم من تجارب وخبرات على مقاعد الدراسة في بغداد أولاً ثم في مدريد وسالامانكا – شلمنقة حسب التسمية العربية القديمة- وسانتاندير مع زميلات وزملاء إسبان، وأساتذة فتحوا لي آفاقا معرفية هائلة ما زلت أنهل منها بعد هذه الأعوام، أو لاحقاً من خلال عملي أستاذة في الجامعات الإسبانية مع طلبتي وزملائي الإسبان، بالتزامن مع عملي مترجمةً فوريةً في مئات المؤتمرات في شتى مدن إسبانيا وخارجها؟ كيف أختصر وجوهاً صديقة أحاطتني بمحبتها في أحلك لحظات حياتي في أثناء الحروب التي تعرض لها أهلي وأحبتي في العراق؟ كيف أشرح فكرة الوطن الثاني الذي يحتضنك في لحظة تجد نفسك فيها بلا وطن؟ كيف أمرّ على كل ما عنته وتعنيه لي إسبانيا التاريخ والأرض والإنسان في هذه العجالة؟
أعترف بأنها مهمة عسيرة حقاً، ولكن لا بد من المحاولة…!
محاولة أولى:
انتظمت عام 1975 في دراسة اللغة والأدب الإسبانيين في كلية الآداب بجامعة بغداد، وهناك كان لقائي الأول بنخبة من مدرّسين أجلاء عراقيين وإسبان علموني الأدب واللغة والثقافة الإسبانية، وفتحوا لي آفاقاً معرفية لم تتح لكثيرين. ما زلت أدين لهم بالفضل الكبير في كل ما أنا عليه في مسيرتي كمختصة وباحثة في اللغة والثقافة الإسبانية، وفي مقدمتهم البروفيسور الراحل رافائيل بالنثيا الذي غدا مستعرباً مرموقاً، بعد أن تخصّص في تاريخ إسبانيا الإسلامية ووضع الكثير من المؤلفات ودرّس في جامعات عربية وعالمية ورأس في أعوامه الأخيرة أكاديمية إشبيلية للفنون. وقد كان خير عون لنا نحن الطلاب إذ قرّب تاريخ إسبانيا وثقافتها إلينا من خلال علمه الغزير وفيض روحه السخية، مستعيناً بشروحات ضافية بالإسبانية والعربية، الأمر الذي سهل علينا المهمة ونحن نتلمس خطواتنا الأولى في مسالك اللغة الإسبانية.
وحين نجحنا من المرحلة الثالثة إلى الرابعة أرسلتنا الجامعة في منحة دراسية أنا وزميلات وزملاء من المتفوقين إلى إسبانيا في رحلة علمية صيفية لثلاثة أشهر، ما بين سالامانكا وأندالوسيّا. تلك كانت أول مرة زرت فيها إسبانيا وأنا في التاسعة عشرة من عمري، وقد غرست في روحي حبّاً وتعلّقاً بالأرض والتاريخ والثقافة ترسّخ في ضميري مع مضي الأعوام.
رافقنا في تلك الرحلة مشرفاً علينا أستاذ الأدب الأندلسي العالم الجليل الدكتور محسن جمال الدين رحمه الله، بينما كان ينتظرنا البروفيسور رافائيل بالنثيا في أشبيلية بعد أن سبقنا إليها لقضاء عطلته الصيفية بين الأهل هناك. بصحبته جبنا شوارع أشبيلية وشواهدها ذات البصمة العربية المميزة، وغمرنا بلطفه وعنايته وكرمه. سلاماً لروحه التي رحلت عنا في حزيران من العام الماضي وتقديراً من طالبة ممتنة له أبداً.
في تلك الرحلة زرنا أشبيلية وغرناطة وقرطبة حيث اكتشفت أهم رابط مشترك لنا كعرب بإسبانيا: تاريخ الأندلس وشواهد الحضارة العربية الإسلامية. وكان ذلك بمثابة كشف عظيم لي وإعادة فهم لجزء مهم من تاريخنا أفادني في مدّ جسور الحوار مع المستعربين والمثقفين الإسبان، وحتى مع بعض رجال الكنيسة ممن يؤمنون بالحوار واحترام ثقافة الآخر المختلف. الأندلس بوصفها تاريخاً مشتركاً لنا يهمّنا جميعاً وليس ساحة صراع وتعصب. من هنا انخرطت في ندوات ومؤتمرات تدعو للحوار القائم على التفاعل الثقافي واحترام التعددية والاختلاف. ومن هذا المنطلق أيضاً عكفت على ترجمة عدة كتب إسبانية تتناول أدب وتاريخ العرب والمسلمين في الأندلس.