ترجمة

دراسات الترجمة : النشأة و التطور 

هبة عارف هبة عارف 05.07.2025

لعبت الترجمة مكتوبة ام شفاهية دورا حيويا فى التواصل بين البشر على مر التاريخ. لكن لم تبدأ دراسة الترجمة كمبحث اكاديمى الا فى النصف الثانى من القرن العشرين و يرجع الفضل إلى الباحث الامريكى جيمس هومز فى اطلاق اسم “دراسات الترجمة”  Translation Studiesعلى هذا المبحث فى بحث القاه  فى مؤتمر كوبنهاجن للغويات التطبيقية عام 1972 و الذى لم يعرف على نطاق واسع الا فى عام 1988. فى ذات العام كتبت مارى سنيل هورنبى فى تمهيد كتابها  Translation Studies: An Integrated Approach(دراسات الترجمة: مدخل متكامل) “تأتى الدعوة إلى النظر فى دراسات الترجمة باعتبارها مبحث مستقل من أوساط عديدة فى السنوات الأخيرة” [i]و مع صدور الطبعة الثانية من الكتاب عام 1995 تحول الحديث إلى “الطفرة المذهلة فى دراسات الترجمة و النقاش الوفير الدائر حولها عالميا” [ii]و هو ما أشارت اليه منى بيكر فى مقدمة الطبعة الأولى من موسوعة راتلدج للترجمة (1998) بحديثها عن “ثراء المبحث الجديد المثير للاهتمام و الذى يغدو ان يكون مبحث تسعينيات القرن العشرين الذى يسهم فيه باحثون ينتمون لمباحث عديدة رسخت من زمن”[iii] . و تبدى هذا الاهتمام كما يوضح كامينيد و بم (1995)[iv] فى منح درجات جامعية فى الترجمة على مستوى المرحلة الجامعية الأولى و مرحلة الدراسات العليا فيما لا يقل عن 250 جامعة فى ستين دولة و نشأة مراكز تابعة للجامعات تعنى بتدريس الترجمة و فى المؤتمرات العلمية و الكتب و الدوريات الاكاديمية و كذلك المنظمات الدولية التى تضم فى عضويتها المشتغلين بالترجمة و الباحثين الأكاديميين و كلها تتابع تطورات المبحث الذى يزداد نضجا يوما بعد يوم.

الترجمة: بداية تاريخية

ظلت الترجمة حتى النصف الثانى من القرن العشرين حبيسة ما اطلق عليه جورج شتاينرفى كتابه After Babel ( بعد بابل) ” الجدل العقيم الدائر حول ثلاثية الترجمة الحرفية و الحرة و الأمينة”[v]. و يرجع التفريق بين الترجمة الحرفية أو كلمة مقابل كلمة و الترجمة الحرة أو معنى مقابل معنى إلى شيشرون فى القرن الأول الميلادى و القديس جيروم فى القرن الرابع الميلادى حيث اجمل شيشرون مذهبه فى الترجمة فى مقدمة كتابه De optimo genere oratrum[vi] الذى اعيدت طباعته عام 1960 و ترجم فيه خطب خطيبى اتيكا اسخينوس و ديموسثينوس: 

لم اترجمهم كمفسر و لكنى ترجمتهم كخطيب و حافظت على نفس الأفكار و الصيغ أو كما يمكن ان اقول صور الأفكار فى لغة تتماشى مع استخدامنا لها و على هذا لم ارى داعيا لترجمة كلمة بكلمة لكنى حافظت على السمات العامة للأسلوب و قوة اللغة.

و كما يتضح من كلمات شيشرون ان المفسر فى مفهومه هو المترجم الحرفى أما الخطيب فهو من يهدف من كلامه إلى النأثير فى السامعين. و كان مذهب الترجمة الحرفية عند الرومان يقتضى ابدال كل كلمة فى النص المصدر (اليونانى بالأحرى) بمثيلتها  من اللاتينية مع الالتزام بالصيغة النحوية و ذلك لأن الرومان كانوا يقرأون النص المترجم إلى اللاتينية جنبا إلى جنب مع النص اليونانى. و كان رفض شيشرون لمذهب الترجمة الحرفية و رفض هوراس له فى كتابهِ Ars Poetica (فن الشعر) و تأكيد الأخير على اخراج نص مترجم يحمل قيمة جمالية و يتسم بالابداع تأثيره على ممارسة الترجمة فى القرون التالية. و اعتمد على ذات المذهب القديس جيروم فى ترجمته للكتاب المقدس بناء على طلب داماسوس اسقف روما فقام بمراجعة و تصحيح الترجمات اللاتينية السابقة للعهد الجديد و عاد إلى الأصل العبرى فى ترجمته للعهد القديم و هو ما أثار جدلا بين من يؤمنون بقدسية الكتاب المقدس السبعينى اليونانى. و يجمل القديس جيروم مذهبه فى الترجمة فى الفقرة التالية من خطابه إلى صديقه باماكيوس عضو مجلس الشيوخ الرومانى الذى يدفع فيه الاتهامات الموجهة اليه بالتحريف و عدم الدقة:

اقر بل و اعلنها بكل وضوح انى لا اترجم عن اليونانية كلمة مقابل كلمة بل معنى مقابل معنى إلا فى حالة واحدة وهى المواضع التى يلتبس فيها التركيب[vii].


[i] Snell-Hornby, M.(1988) Translation Studies: An Integrated Approach, Amesterdam and Philadelphia, PA: John Benjamins,(preface)

[ii] Snell-Hornby, M.(revised 1995) Translation Studies: An Integrated Approach. Amesterdam and Philadelphia, PA: John Benjamins,(preface)

[iii]Baker, M. (ed.)(1998) The Routledge Encyclopedia of Translation Studies, London and New York:Routledge

[iv] Caminade, M. and A. Pym (1995) Les Formations en Traduction et Interprétation. Essai de recensement Mondial, special issue of Traduire, Paris: Societe francaise des Traducteurs

[v] Steiner, G. (1998) After Babel: Aspects of Language and Translation, London, Oxford and New York: Oxford University Press p.319

[vi] Cicero, M. (46 BCE/ 1960 CE) ‘De Optimo Genere Oratrum’ in Cicero De Inventio, De Optimo Genere Oratrum, Topica, translated H.M. Hubbell, Cambridge, MA: Harvard University Press; London: Heinemann,p.364

[vii] Robinson, D. (ed.) (1997) Western Translation Theory from Herodotus to Nietzsche, Manchester: St Jerome, p.25

هبة عارف
عن الكاتب
هبة عارف

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←