أدب ونقد

أنطولوجيا اللغة وقداسة المدن في الثقافة العربية مدينة فاس نموذجًا

حورية الخمليشي حورية الخمليشي 16.08.2026

أنطولوجيا اللغة: اللغة بوصفها وجودًا

الأنطولوجيا من أهمّ المفاهيم المعرفيّة خاصة في مجال الفلسفة. وهو عند بعض الباحثين مؤسّس لعلم الوجود. وقد تعدّدت مفاهيمها عند الفلاسفة وعلماء اللغة. فقد جاء في المعجم الموحد لمصطلحات الآداب المعاصرة أن “الأنطولوجيا (Ontology) مبحث وجود، ودراسة الكائن في ذاته، مستقلاًّ عن الظواهر، وهو تأمّل شمولي في الآداب العالميّة والإنسانيّة، يمتح من الدرس الفلسفي للإشارة إلى الحالات الكونيّة.”[1] ما يعني أنّ الأنطولوجيا هي التفكير في الكائن من حيث وجوده العميق، أي البحث في ماهية الوجود بعيدًا عن مظاهره السطحية والظواهر المتغيرة. وعندما يُستثمر هذا المفهوم في الأدب، فإنه يفتح المجال لقراءة النصوص بوصفها تعبيرًا عن أسئلة كونية وإنسانية تتعلق بالوجود والزمان والمعنى. لذلك يصبح الأدب مجالًا للتأمل الشمولي في التجربة الإنسانية، حيث تتحول اللغة إلى أداة للكشف عن أبعاد الوجود ومعناه في العالم. ومصطلح الأنطولوجيا، عند محمد عابد الجابري، هو البحث في الوجود المطلق أو ما يطلق عليه أرسطو “الميتافيزيقا العامّة”. فالوجود من المباحث الهامّة في الدرس الفلسفي.[2]

إنّ أفلاطون يعدّ من الفلاسفة الذين بحثوا في مسألة اللغة، وقد أكّد علاقة الاسم للمسمّى، وقدرة الدالّ على محاكاة المدلول والتعبير عنه. أمّا أرسطو فيرى أنّ الكلام تمثيل لانفعالات النفس كما أنّ الكتابة صورة للأصوات المنطوقة. فيعترف القديس أغسطين بقصور اللغة عن الإحاطة بالحقيقة إحاطة تامّة. أمّا عند العرب فقد انصبّ اهتمامهم اللغويّ أساسًا على النحو والصرّف، كما اختلفوا في أصل اللغة؛ فمنهم من قال بوضعيتها ومنهم من رأى أنّها إلهام من الله.

ويرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أنّ هناك نسيانًا لسؤال الوجود “الكينونة” عند معاصريه برغم اعترافه بأنّ العصر الذي يعيش فيه يعتبر القبول بالميتافيزيقا ضربّا من التقدّم.[3] فالذات تمتلك إمكانيّة كينونة السؤال (دازاين). واستيعاب مفهوم سؤال الكينونة يكون منطلقًا للسؤال عن معناها وحقيقتها. فالكينونة قبل كل شيء هي كينونة كائن ما. ويرجع هايدغر إلى سؤال الوجود ليؤكّد أن الأنطولوجيا تحتاج إلى الكثير من التّوضيح. وأنّ البحث الأنطولوجي يمنح لمسألة الكينونة أولويّتها الأنطولوجية. غير أنّ هذه الأولويّة العلميّة الماديّة ليست الأولويّة الوحيدة.[4]

فالتّمييز بين الوجود والموجود ليس إلاّ تمييزًا يرجع إلى طريقة التعبير اللغوي. فاللغة عند هايدغر بيت حقيقة الوجود، وحارس هذا البيت هو الإنسان. وتتعدّى وظيفة الإنسان الحراسة الى التأويل، ومن هنا تساهم اللغة في حلّ لغز الوجود وإشكاليّته. وقد خالف الفيلسوف الألماني أستاذه هوسرل وواجهه بنقد شديد واهتمّ بالحقول الجديدة للأشياء التي أقامها أمام أنظاره التحليل القصدي. واعتبر أنّ اللغة الحقيقيّة هي التي تستطيع التعبير عن عمق الوجود. فاللغة ليست موجوداً يقتصر وجوده على علاقتنا به، بل إنّ علاقتنا المنسوجة معها هي أهمّ العلاقات وسيّدتها، فهي ما يحرّك العالم ويكشف الوجود وبذلك يتجلّى الوجود للإنسان من خلال اللغة.

لم يكتب هايدجر بحوثاً منظّمة في فن الشعر شأن أرسطو وهيغل وشوبنهاور، وإنّما دخل الى الشعر من خلال الشعراء لا سيّما هيلدرلين وريلكه. ويعترف بأنّ في اللغة ثرثرة لا توصل الى شيء، غير أنّ اللغة الشعريَّة ذات خصب وجودي يصلح لإضاءة الوجود. وقد أراد هايدجر أن يقول بصوت عالٍ ما تؤديه اللغة بصوت منخفض. فاللغة الشعريَّة تأتي بالأشياء إلى العالم وتقدّمها بحلّتها البِكر والإنسان يسكن كلامه مثلما ينتمي إلى كينونته، ولهذا السبب لا يوقف الإنسان الكلام.

فالشعر بمفهوم هايدجر ليس محاكاةً كما يرى أفلاطون وإنّما وظيفته تسمية الأشياء، وبهذه التسمية يعيد صياغة العالم. وعندما يصير الإنسان بعضاً من الأشياء التي في وعيه يصبح قادرًا على التعبير عنها. وقد نجح هايدغر في تحميل الشعر والفكر قدراً كبيراً من المسؤولية في إعلان حقيقة الوجود، وأنشأ حواراً عميقاً بين الشعر والفلسفة من خلال اللغة. كما أنّ التأويل لا يقف عند حدود تفسير النصّ، بل يسعى الى الفهم الذي هو، عند هايدغر محور الأسئلة كلها. وقد عاد “ميشيل فوكو” دائماً إلى كتابات هايدغر لأنه اعتبره نموذج التوجّه الفلسفيّ الجامع بين اللغة والكينونة بتفكير عميق في اللغة والإنسان.

ويرى رولان بارت أنّ المدينة ليست مجرّد مكان، بل هي خطاب له دلالات متعدّدة. فالنص المديني يحمل ثقافات متعدّدة من خلال اللغة، كما تحمل المدينة كذلك ثقافات متنوّعة. فهي، حسب بارت، تُقرأ كنصٍّ لأنها ليست فقط شوارع ومبانٍ، بل هي أيضاً نظام علامات  (Système de signes). فالمدينة تولد في المخيال الثقافي قبل أن تولد في الواقع. فالمهندس المعماري والمخطط الحضري لا يبدأ البناء من الفراغ، بل من تصورٍ لغويٍّ وثقافيٍّ عن المدينة، بعد أن تشكَّلت انطلاقاً من تصور فكري وثقافي سبق العمارة. فالمدينة تُقرأ كنصٍّ ثقافيٍّ يُعاد كتابته يوميًّا لِما تحمله معالمها من معانٍ ثقافيّة واجتماعيّة. كما أنّ العمارة نفسها حسب أمبرتو إيكو لغة من العلامات.


[1]  سعيد علوش ومحمد أسليم، المعجم الموحد لمصطلحات الآداب المعاصرة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، مكتب تنسيق التعريب، الرباط، سلسلة المعاجم الموحدة.

[2]  محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، 1998.

[3]  مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة وتعليق: فتحي المسكيني، مراجعة إسماعيل المصدّق، دار الكتاب الجديد، الطبعة الأولى، 2012. 

[4]  مارتن هايدغر، الكينونة والزمان، ترجمة وتعليق: فتحي المسكيني، المرجع نفسه.

حورية الخمليشي
عن الكاتب
حورية الخمليشي

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←