عرض موجز لندوة تقييمات الترجمة بين النظرية والتطبيق للأستاذ الدكتور أحمد الكلابي

طارق النعمان

على مدار ساعتين متواصلتين طوَّف بنا الصديق العزيز الأستاذ الدكتور أحمد الكلابي في فضاء موضوع شائك وإشكالي بطبعه وهو موضوع تقييمات الترجمة بين النظرية والتطبيق، وقد تناول بالعرض عدة نماذج من نماذج تقييم الترجمة، وهو في الحقيقة موضوع  من أعقد القضايا في حقل دراسات الترجمة؛ لأنه يقع في نقطة تقاطعٍ حساس بين ما هو معياري نظري وما هو إجرائي تطبيقي. ذلك أن الترجمة ليست مجرد نقلٍ لغوي، بقدر ما هي فعل تأويلي مُركَّب، تتعدد مستوياته وإجراءاته وقراراته، ويحكمه في الكثير من الحالات شكل من أشكال المراوحة ما بين عدة اسراتيجيات، كما يتداخل فيه اللغوي بالثقافي، والدلالي بالأسلوبي، والأخلاقي بالأيديولوجي والوظيفي. ومن ثمّ، فإن تقييم الترجمة لا يمكن أن يُختزل في عدد من المعايير الجامدة، ولا أن يُترك بالكامل لذوق القارئ أو حدس المترجم. ولعل هذا التوتر بين النظرية والتطبيق هو ما يمنح سؤال التقييم خصوبته وإشكاليته في آنٍ واحد.

وقد استعرض في هذا الصدد، المحاولات التأسيسية الباكرة التي حاولت البحث عن توفير معايير موضوعية للحكم على جودة الترجمة، والتي مثلها يوجين نايدا من خلال مفهوم ’’التكافؤ الدينامي‘‘، الذي ينطلق من أن الترجمة الجيدة هي تلك التي تُحْدِث في القارئ الهدف الأثر نفسه الذي يُحدثه النص الأصلي في قارئه. والحقيقة أن هذا النموذج وإن كان يجعل معيار التقييم وظيفيًا-تأثيريًا، وليس حرفيًا، إلا أنه  يواجه صعوبات تطبيقية واضحة، إذ كيف يمكن قياس ’’الأثر‘‘؟ وهل يمكن افتراض قارئ نموذجي واحد في كل الثقافات؟

في مقابل ذلك، طوّر بيتر نيومارك تمييزه الشهير بين الترجمة الدلالية    semantic translation  والترجمة التواصلية communicative translation، مقترحًا أن التقييم ينبغي أن ينظر إلى طبيعة النص، فالنصوص الأدبية تميل إلى الدلالية، بينما النصوص الإعلامية أو الإرشادية تميل إلى التواصلية. هذا التصنيف يمنح أداة عملية للمقارنة، لكنه لا يحسم التداخل بين المستويين، خاصة في النصوص المركّبة التي تجمع بين البعدين.

أما التحول الأبرز فجاء مع هانز فيرمير ونظرية الغرض  Skoposحيث يُعاد تعريف جودة الترجمة انطلاقًا من هدفها في الثقافة المُستقبِلة. وفق هذا المنظور، لا تُقيَّم الترجمة بمدى وفائها للأصل فحسب، بل بمدى تحقيقها لوظيفته. إلا أن نموذج الغرض ينطوي على مشكل نظري ليس بالقليل في تصوري، وهو أنه ينطلق من تصور مغلوط للغة بوصفها وسيطًا شفافًا أو مرآويًّا يتيح أن تنعكس دومًا عبره أغراض النصوص على نحو مباشر، وهو ما يتنافى مع طبيعة اللغة كوسيط، خصوصًا في بعض المجالات النوعية كالأدب بأنواعه المختلفة، وبشكل خاص الشعر، فضلاً عن الفلسفة، وهو ما يعني أن هذا النموذج ينطلق من تصور للغة  ينفي عنها ما تنطوي عليه من التباس وغموض وتعدد، خصوصًا في تلك المجالات التي سبقت الإشارة إليها، والتي يكون الغموض والالتباس جزء لا يتجزأ من طبيع دلالات النص المترجم ذاته، ناهينا عمَّا يمكن أن يُثار من أسئلة حول من الذي لديه سلطة تحديد الغرض، ثم ألا يعود بنا مفهوم الغرض هذا إلى البلاغات الكلاسيكية اليونانية والرومانية والعربية، بل وحتى إلى مفهوم المقام، وما تقتضيه المقامات، وهو أسئلة تعكس تهافت مفهوم الغرض نفسه، كمفهوم قادر على الوفاء بقياس جودة الترجمة. كما تعرض لكل من نموذج توري الوصفي، ونموذج فينوتي حول التوطين والتغريب، وما يثيره كل نموذج منهما من قضايا.  

والحقيقة أن عرض الأستاذ الدكتور أحمد الكلابي لهذه النماذج كان على درجة عالية من الدقة والوضوح والسلاسة، فله منا وافر الشكر والتقدير على هذه الندوة الثرية التي أثارت من الأسئلة أكثر مِمَّا قدمت من الحلول، والشكر موصول للصديقة العزيزة رئيسة المنتدى الأستاذة باهرة عبد اللطيف على قيامها بالتقديم بعد أن تخلى عنا الأستاذ الدكتور عصام عبد الفتاح لأنه قد واتته ترجمة فورية في التوقيت ذاته في العاصمة الإدارية الجديدة، فلها منا وافر الشكر والتقدير والشكر موصول للصديق العزيز الأستاذ يعرب على توليه إدارة المنصة، والشكر لكل الصديقات والأصدقاء الذين شرفونا بالحضور والنقاش، وإلى اللقاء في ندوات أخرى قادمة، بإذن الله.

طارق النعمان