طارق النعمان

من طرائف التوافقات وغرائب المصادفات، بل ربما أنه من مفارقات القدر

أن يرحل شاعران من أكبر شعراء العامية المصرية في يوم واحد، وهما خالد الذكر صلاح جاهين، وخالد الذكر عبد الرحمن الأبنودي، وإن كان بين رحيل الأول ورحيل الثاني تسع وعشرون سنة، حيث رحل جاهين يوم الواحد والعشرين من أبريل عام 1986، ورحل الأبنودي يوم الواحد والعشرين من أبريل عام 2015 ولولا أنه لا دخل للإنسان في اختيار ساعة أو يوم موته لقلت أن الأبنودي قد اختار لسبب ما، أو لأكثر من سبب، أن يكون يوم رحيله هو يوم رحيل صديقه وأستاذه جاهين. وكأن القدر قد شاء ألا تطوى صفحة كل منهما إلا في اليوم ذاته.

 أهي مجرد مصادفة، لكن وإن بدا أنها لا تعدو أن تكون مصادفة، فهل يمكننا أن نتجاهل ما يمكن أن يكون لها من دلالات ومعانٍ في وجداننا؟ هل ثمة رسالة ما كامنة في مثل هذا التوافق، ألا يبدو أن وراء مثل هذه الصدفة ما وراءها، فهل من قوى خفية أرادت أن تغزلهما معًا في ذاكرتنا، هل أراد القدر أن يؤرشفهما معًا هكذا في وجداننا؛ أم أن الزمن قد أراد أن يربط الصوتين معًا ربطًا أبديًا لا ينفصم، وكأنه يخشى إذا ما تفرقا أن ننساهما معًا، فأراد أن يُضاعفَ لنا الفقد ويُضاعف لنا الذكرى، ويضاعف لنا الأحزان ؟ ربما.

إن الفارق الزمني بين ميلاد الشاعرين لا يعدو أن يكون ثماني سنوات فحسب، ذلك أن جاهين من مواليد (1930) والأبنودي من مواليد (1938)، ومع ذلك فإن الأبنودي ظل يعترف بأستاذية جاهين وسبقه، بل ويضعه – مع فؤاد حداد – في منزلة الآباء المؤسسين لشعر العامية المصرية. ومع ذلك، فإن العلاقة بينهما لم تكن علاقة تلميذ بأستاذ بقدر ما كانت علاقة صوتين متجاورين في أوركسترا واحدة، صحيح أن  لكل منهما صوته ونبرته، إلا أنهما كانا يعزفان لحنًا واحدًا لا يختلف إلا في توزيعه وإيقاعه، وهو لحن الحلم القومي، أو الحلم العربي الذي لم يفتأ أن تناثر أشلاء أشلاء.

والحقيقة أن هناك الكثير الذي كان يجمع بين الاثنين؛ إذ تجمعهما الغنائية والتدفق الغنائي الرهيف، إذ يتدفق الغناء من كل منهما مثلما يتدفق الماء، وخصوصًا الأغاني الوطنية، تلك الأغاني التي أصفها بأغاني ’’الوجدان الجمعي‘‘ التي كان كل منهما قادرًا فيها على التقاط واختطاف الشفرة الجمعية السرية وتحويلها إلى لحن لغوي ينساب ويتدفق على هذا النحو الآسر والقادر على أن يشبك ويضم كل وجدان فردي في وجدان فردي آخر في عقد واحد. فأغانيهما الوطنية لم تكن كما سواها من الأغاني، وإنما كانت تمتاز بخصوصيتها الفريدة التي تجعل الفرد يغنيها والجموع أيضًا تشدو بها؛ إذ كانت تنساب الأحلام جداول منها مثل الماء، وهي جميعًا مدموغة دومًا بالختم الجمعي، أعني ختم الأمة؛ ومن ثم كان غناء جاهين والأبنودي يخترق ذاكرة الأجيال وينفذ في وجدان وضمير جموع الأمة؛ إذ كانت أغانيهما تمتاز بالقابلية الذاتية للحفظ وبالقابلية الذاتي للتداعي. إذ من يمكنه أن ينسى مِمَّن عاشوا هذه المرحلة رجالاً ونساءً، شيوخًا وشبابًا، أولادًا وبنات، من يمكنه أن ينسى ’’صوره صوره صوره كلنا كدا عاوزين صوره تحت الرايه المنصوره ..‘‘، أو ’’دي مسئوليه عزيزة عليا ..‘‘، أو ’’يا أهلاً بالمعارك يا بخت من يشارك بنارها نستبارك ونطلع منصورين ..‘‘، أو ’’بالأحضان يا بلادنا يا حلوه بالأحضان‘‘..الخ أو أن ينسى بعد الهزيمة ’’على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء‘‘  أو أن ينسى للأبنودي ’’ابنك يقول لك يا بطل هات لي نهار، ابنك يقول لك يا بطل هات لي انتصار، ابنك يقول لك ثورتك عارفه الطريق وعارفه مين يابا العدو ومين الصديق‘‘، أو من ينسى:

’’أحلف بسماها وبترابها

أحلف بدروبها و أبوابها

أحلف بالقمح وبالمصنع

أحلف بالمدنى والمدفع

بولادى بأيامى الجايه

ما تغيب الشمس العربيه

طول ما أنا عايش فوق الدنيا‘‘

أو من يمكنه أن ينسى بعد الهزيمة مباشرة أغنية ’’موال النهار‘‘:

’’ عدى النهار

والمغربية جايه

تتخفى ورا

ضهر الشجر

وعشان نتوه فالسكه

شالت

من ليالينا القمر

وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها

جانا نهار ماقدرش يدفع مهرها

يا هل ترى الليل الحزين

ابو النجوم الدبلانين

ابو الغناوى المجروحين

يقدر ينسيها الصباح

ابو شمس بترش الحنين

أبداً .. بلدنا ليل نهار

بتحب موّال النهار

لما يعدّى فى الدروب

و يغنّى قدّام كل دار

و الليل يلف ورا السواقي

زى ما يلف الزمان .. و على النغم

تحلم بلدنا بالسنابل و الكيزان

تحلم ببكرة .. و اللى حيجيبه معاه

تنده عليه فى الضلمة و بتسمع نداه

تصحى له على ايد الأدان

تروح تقابله فى الغيطان

فى المصانع .. و المعامل .. و المدارس .. و الساحات

طالعة له صحبة .. جنود

طالعة له رجال .. اطفال .. بنات

كل الدروب واخدة بلدنا للنهار

و احنا بلدنا ليل نهار

بتحب موال النهار

لما يعدى فى الدروب

و يغنى قدّام كل دار‘‘

هذه الأغنية التي بقدر ما جسَّدت معاني الهزيمة والاندحار بقدر ما أخذت في الوقت ذاته تقاوم كل معنى للهزيمة والانكسار، وتولد إرادة التجاوز، وإرادة النهار، من بوسعه أن ينسى تصدع الآمال وانهيار الحلم، من بوسعه أن ينسى ’’وجوه على الشط‘‘، أو ’’سوق العصر‘‘ أو ’’المشروع والممنوع‘‘ أو ’’لا شك أنك مجنون لا شك‘‘، أو ’’المد والجزر‘‘، أو  ’’الأحزان العادية‘‘ … أو ’’ضحكة المساجين‘‘.

وإلى جانب الغنائية، كانت تجمعهما أيضًا الدرامية؛ كلاهما يمتلك حسًّا مسرحيًا واضحًا، يتجلى في بناء المشهد، وتعدد الأصوات، والقدرة على تجسيد الحالة الجمعية في صورة حوار داخلي أو خارجي. صحيح أنهما لم يكتبا مسرحًا شعريًا بالمعنى التقليدي، لكن نصوصهما حافلة بالدرامية، خصوصًا عند جاهين في الليلة الكبيرة أو في ’’الرباعيات‘‘ وعند الأبنودي في مطولاته العديدة مثل:

’’سوق العصر‘‘ أو ’’المشروع والممنوع‘‘ أو ’’لا شك أنك مجنون لا شك‘‘، أو ’’المد والجزر‘‘، أو  ’’الأحزان العادية‘‘ … أو ’’ضحكة المساجين‘‘.

إذ ينطوي كل منها على حس درامي مُكثَّف، يجعل من الصوت الشعري شخصية قائمة بذاتها.

غير أن ما يمنح تجربتهما ثقلها الحقيقي هو أنهما لم يكونا مجرد شاعرين، بل كانا،  على نحو دقيق وبكل معنى الكلمة، ’’مُؤَرْشِفينِ للوجدان‘‘. إذ قام كل منهما برصد وتسجيل التحولات الكبرى في الوعي العربي، خصوصًا في مرحلة المد القومي في الخمسينيات والستينيات، ثم لحظة الانكسار الكبرى في هزيمة يونيو 1967. هنا تحديدًا تتجلى أهميتهما، فهما لم يكتبا فقط زمن الحلم، بل كتبا أيضًا زمن انهيار الحلم وسقوطه.

في لحظة المد، كان الشعر أداة تعبئة وليس مجرد بوق دعاية كما اتهمهما كثيرون؛ إذ كان وليد إيمان وتصديق للحلم، كان احتفاء بالأمل الجمعي وصياغة شعرية له، يمكن القول أن مبدأ الرغبة كان هو المبدأ المهيمن على وعي كل منهما وليس مبدأ الواقع، إلا أنهما صدَّقا الحلم وعاشاه، ولا أدل على هذا من اكتئاب جاهين، ومن ذهاب الأبنودي للسويس ليكتب من داخل السويس وجوه على الشط، وهجائياته اللاذعة التي ظل يُوجِّهها للسادات وزمن الانفتاح بكل ما حمله معه من تردٍّ وتفكك. لقد كانت الهزيمة صدمة للحلم بقدر ما كانت أيضًا صدمة للوعي وللوجدان؛ ومن ثم تراجعت الأغنية الوطنية لصالح القصيدة السياسية، إذ تحوَّل الشعر إلى أداة مساءلة، بل إلى شكل من أشكال الوعي الجارح. يكفي أن نتذكر قصيدة جاهين:
’’على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء‘‘
لنرى كيف يتحوَّل الخطاب من نشيد يقيني إلى خطاب ملتبس، مشحون بالتناقض، حب يصل حد العشق المرضي، وكراهية تنبثق من قلب هذا الحب ذاته.

أمَّا الأبنودي، فقد عبَّر عن الجُرح نفسه بلغة أخرى، في ’’موال النهار‘‘ و’’وجوه على الشط،، و’’سوق العصر‘‘ و’’المشروع والممنوع‘‘ و’’المد والجزر‘‘، و’’الأحزان العادية‘‘، و’’ضحكة المساجين‘‘ و’’المربعات‘‘ حيث يتجاور الانكسار مع إرادة تجاوزه؛ إذ أصبح الشعر فضاء لإعادة بناء الذات، لا عبر إنكار الهزيمة، وإنما عبر الإقرار بها ومحاولة تجاوزها.

وهكذا، يمكن القول إن جاهين والأبنودي لم يكونا فقط شاهدين على عصرهما، بل كانا من أبرز صُنَّاع وجدان هذا العصر، إن لم يكنا هما الأبرز. فقد ساهما في تشكيل الحلم، ثم في تفكيكه، ثم في محاولة إعادة تركيبه. ولذلك فإن أثرهما لا يُقاس بعدد القصائد أو الأغاني، بل بمدى حضورهما الحي في الذاكرة الجمعية.

إن كلمات جاهين والأبنودي ما تزال حتى اليوم تعمل كطلقات تغور في الوجدان؛ إذ ما زالت لها هذه القدرة على اختراق الماضي، واستدعاء مشاعره وصوره وأحاسيسه التي نتوهم أحيانًا أنها اندثرت، لنكتشف بمجرد ما أن نسمع بعضًا من تلك الكلمات أنها تنساب داخلنا أسى وحزنًا وحنينًا وألمًا على كل ما كان وكل ما كان يمكن أن يكون. وهكذا، وفي زمن يُوشِك أن يفقد ذاكرته تمامًا وأن يفقد هُويته، تبدو نصوصهما كأنها طلقات رصاص تخترق الوجدان وتخترق الأزمان، وتذكّرنا بما كُنَّا عليه، وربما بما يمكن أن نكونه.

لكل هذا، ربما لا يبدو توافق رحيلهما في اليوم ذاته مجرد مصادفة عابرة، بقدر ما يبدو وكأنه خاتمة درامية ورمزية لرحلة اشتركا فيها معًا؛ ومن ثم أراد التاريخ أن يسجلها في صفحة واحدة من صفحات الذاكرة، كيما تتضاعف في أعماقنا مشاعر الفقد والحنين والأسى وتتكثَّف في وجداننا الأحزان!