حول ندوة “أنسنة العالم في الشعر العربي الحديث” الشاعرة والناقدة الأستاذة الدكتورة حورية الخمليشي
بقلم: د. طارق النعمان
على مدار ساعتين متصلتين استمتعنا بندوة أكثر من رائعة، بعنوان ’’أنسنة العالم في الشعر العربي الحديث: مقاربة في زمن اللاإنسان‘‘، ندوة لم نرد لها أن تنتهي من شدة إمتاعها وعمقها؛ إذ ارتحلت وطوَّفت بنا الناقدة المبدعة الأستاذة الدكتورة حورية الخمليشي بين العديد من العوالم الفلسفية والشعرية القديمة والوسيطة والمعاصرة راصدة تجليات الأنسنة في صورها وتمثيلاتها المختلفة بداية من تأصيل مصطلح الأنسنة لدى كل من محمد أركون في كتابه العلامة ’’الأنسنة والإسلام‘‘ والفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في كتابه المهم ’’حالة الاستثناء والإنسان المستباح‘‘، ثم أخذت تجوب بنا فضاءات شعرية عديدة ومتنوعة من زهير بن أبي سلمى وحديثه عن الحرب بين عبس وذبيان وأهوالها في بيته الشهير:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المُرجَّم
وصولاً إلى باهرة عبد اللطيف وقراءتها عن الحرب في ’’حرب تتعرَّى أمام نافذتي‘‘ وشذرتها الكاشفة الموجعة والمكثَّفة:
ذاتَ صباحٍ
وجدْنا الحربَ
تتخبّأُ في أسرَّتِناِ
تُشارِكُنا المائدةَ
وتسرقُ اللقمةَ
من أفواهِنا
وحينَ شبعتْ
تكوّمتْ
على أيامِنا
المُقعدة
مرورًا بأنسنات ابن عربي على نحو ما تتجلى في أبياته الشهيرة:
لقد كنتُ قبلَ اليومِ أُنْكِرُ صاحبي … إذا لم يكنْ ديني إلى دينِهِ داني
وقدْ صارَ قلبي قابِلاً كُلَّ صورةٍ… فمرعى لغزلانٍ وديرٍ لرُهْبَانِ
وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ … وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ
أدينُ بدينِ الحُبِّ أنَّى توجَّهَتْ … ركائبُهُ فالحبُّ ديني وإيماني
عبورًا إلى إبداعات جبران وأمين الريحاني وأحمد زكي أبي شادي وأدونيس والسياب وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمود درويش وقاسم حداد والمنصف الوهابي، ثم إذا بها تلقي بنا تحت أمطار السياب في ’’أنشودة المطر‘‘ لتنهمر علينا زخَّاتُ قراءتها العميقة النافذة للقصيدة لتربط بين شعرية السياب في صوره على نحو ما يتجلى في هذا المقطع:
عَيْنَاكِ حِينَ تَبْسُمَانِ تُورِقُ الكُرُومْ
وَتَرْقُصُ الأَضْوَاءُ …كَالأَقْمَارِ في نَهَرْ
يَرُجُّهُ المِجْدَافُ وَهْنَاً سَاعَةَ السَّحَرْ
كَأَنَّمَا تَنْبُضُ في غَوْرَيْهِمَا ، النُّجُومْ …
وَتَغْرَقَانِ في ضَبَابٍ مِنْ أَسَىً شَفِيفْ
كَالبَحْرِ سَرَّحَ اليَدَيْنِ فَوْقَـهُ المَسَاء،
دِفءُ الشِّتَاءِ فِيـهِ وَارْتِعَاشَةُ الخَرِيف،
وشعرية الأثر في لوحات كلود مونيه؛ إذ مثلما لا يصور أو يرسم مونيه الأشياء في ذاتها بقدر ما يصور ويرسم ما تتركه من انطباع، أو أثر، كذلك يفعل السياب في تلك الصور على نحو ما نرى في صورة القمر المنعكسة على صفحة الماء في ارتعاشها وكأنها لوحة تشكيلية من لوحات مونيه، حيث لا نغدو مع القمر وإنما مع وجهه المرتعش على صفحة الماء، ومثلما تنبض النجوم في أغوار العيون، هكذا تزاوج الناقدة المبدعة حورية الخمليشي بين اللوحة والصورة الشعرية، بيسر وعمق لافتين، على نحو تنير فيه اللوحة الصورة بقدر ما تساعدنا صور السياب أيضًا على فهم وقراءة لوحات مونيه، مثلما تنتقل بنا من عالم الفن التشكيلي إلى عالم السينما وتقنية القطع المونتاجية في تلك النقلة ما بين
عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر،
وكيف يتم تجلي تقنية القطع من خلال الحرف ’’أو‘‘ على هذا النحو الصادم.
إضافة إلى كل هذا، فإن عنوان المحاضرة ذاته ينطوي على رؤية إنسانية تمامًا للشعر، ووظيفة الشعر في زمن أعلن منذ عدة عقود أننا نحيا زمن الرواية ولا عزاء للشعر، لتؤكد من خلال هذه المحاضرة أن للشعر موقعًا في هذا الزمن وفي كل زمن ما ظل هناك إنسان وما ظل هناك بشر.
أما أخي وصديقي الحبيب الناقد والمثقف المصري العضوي الأصيل أد. صلاح السروي فقد كان تعقيبه قيمة مضافة لهذه الندوة إذ طاف بنا هو الآخر في محاولة للامتداد بالتأصيل الفلسفي الذي بدأته العزيزة الدكتورة حورية بين أزمنة وأنساق فلسفية مختلفة للكشف عن دلالات كل من ’’الأنسنة‘‘، و’’النزعة الإنسانية‘‘ وما بينهما من فروق، فللأستاذين الكريمين مني ومن مجلس أمناء المنتدى وافر الشكر والتقدير والامتنان والمحبة، آملين أن نحظى بهما مراتٍ ومراتٍ قادمة. وأخيرًا وليس آخرًا أتوجه بالشكر للصديقة المبدعة باهرة عبد اللطيف أن منحتنا هذه المتعة بدعوتها للدكتورة حورية وتنظيم هذه الندوة، وللصديق العزيز الأستاذ يعرب أكرم على إدارته للمنصة، والشكر موصول بالتأكيد لكل من شرفونا بحضورهم البهي.
•ندوة نظمتها لجنة الشعر بالمنتدى العالمي للغة العربية يوم الجمعة 8 أيار/مايو 2026.