فلسطينيات

أن تكون أمًا في فلسطين

لينا أبو بكر لينا أبو بكر 27.06.2026

كيف استطاع شاعر البلاط الملكي، تيد هيوز، أن يجهض طفلا من لحم و روح في قصيدة تكتظ بالطقوس السحرية القاتمة، هي قصيدة “أحمر” من ديوان: رسائل عيد الميلاد؟

كيف تمكن من وصف آلام المخاض بلغة مضرجة بالدم، لغة تتصبب من ظل سيلفيا بلاث الأزرق، فيخرج من مرآتها بحجر مغناطيسي ” الهيماتيت”، كي يتشظي في لغتها كحجر جرانيت؟!

وقف هيوز أمام غرفة الذاكرة، يراقب كيف يمكن لجوهرة زرقاء أن تسقط جثة هامدة من كهف التكوين…هكذا وفي زمن فالت من حدود الذات والسمات، يتخلص الشاعر من القوالب البيولوجية، متقمصا الميلاد بكامل موته، فهل كان يكفي أن تصفه القناة الرابعة البريطانية بأنه أقوى من الموت، كي لا يموت الحب في رحم القصيدة!

اختفت سيلفيا” الأم” من “أحمر”، وحضر الإجهاض، ليس كحادث ولا كحدث بل كاستعارة دموية لتابوت لغوي مرصع بالمجوهرات التي تتخثر اللغة في عروقه حين تقرر شاعرة مجنونة أن تقتل القاتل بقتل نفسها. فهل اللغة هي الجريمة الكاملة عندما لا يغفر المجتمع جريمة الحب الذي عاش بلا قلب ومات بلا عقل!

محكمة الموتى

الغربة العاطفية، هي مختبر الموت بين هيوز وسيلفيا، ليس لأن الموت مجرد عدوى شعرية، بل لأنه محكمة للموتى الذين ما زالوا على قيد الحياة.

لم يكن دم سيلفيا أحمر، بل كان أزرق، ليس بالمعنى الطبقي- ولذلك أرادت أن تنتقم من برودة مزمنة في دم القصيدة، قصيدة هيوز- التي يبدو البعد اللوني في عروقها مفقودا، وهذا ما يجعلك تحس أن هذه الأمومة الزرقاء إذ تتدفق فوق سجادة اللغة الأنيقة، الباذخة، لا تستقر سوى في مذبح أرجواني، تُقدم فيه الأجنة قرابينَ للغيلان …. فهل كره هيوز ذكوريته إلى هذا الحد، أم أنه تجاوزها حين استعاد ذلك الصدام النازف بينهما من بنك للدم الأبيض!!!

لم تتقبل المنظمات النسوية محاولات هيوز، لاستعادة سيلفيا على شكل رسائل للأشباح، ولم تشفع أكاليل التاج البريطاني لتبرئته من تهمة القتل التي لاحقته، حتى بعد أن لحق بغريمته في العدم( بلاث)، بأشهر قليلة، فلم يجد من يستلم بريد الموتى، سوى ابنه من زوجته المنتحرة، والذي قضى منتحرا كأمه!

لا تصدق هيوز إذن حين يحاول أن يرى سيلفيا بلون آخر غير الأحمر، لأنه لو أراد ذلك فعلا، لما سفك دم القصيدة بهذا العنوان… بل لما كان أصلا تقمص حالة الموت التي عبر عنها ببرود لغوي حار، تعشش في سقفه الفيكتوري العاري، شبكة من حبال مشيمة سوداء  لحارسة غراب أبيض!

لقد أجهضت سيلفيا ذلك الطفل، ولكن من مات فعلا لم يكن الجنين ولا كان الشاعر الذي جاء احتضاره متأخرا بعد موته، من مات هو الأمومة التي عاشت يتيمة في خلية منتحرة!

درويش: حنين أنثوي

لم يختلف محمود درويش كثيرا عن هيوز، إلا بكونه فلسطينيا، وهنا تكمن الفرادة.

لا مجال للموت هنا، غير أن المجال مفتوح حتما لافتعال الحياة.

ولكن كيف؟

 استعار درويش حنين العروس الفلسطينية التي تهاجر إلى زوجها الفلسطيني وهي تحمل معها أمنية فلسفية، تمزق بها الكتلة الصلبة للذات، في لحظة شعرية عالية، ليعيد صياغة الأمومة بحنين أنطولوجي، يتأمل حالاتها العنقودية، ويعمل على تفكيك ذراتها وقطعها الدلالية، وهو يقول للزوج الغريب، على لسان غريبته:

 ” لتكن أنت أمي في بلد الغرباء”، فكيف فعلها درويش قبل أن تخطر ببال الأنثى الشاعرة نفسها! هل يمكن للزوج أن يكون أمًا؟ أم هل هو اللامتوقع الذي يمكن تحويله إلى واقع بانزياح وجودي تام!

أية حالة تلك التي اعترت هذا الشاعر ليلعب في برمجيات الرموز الوظيفية للأشخاص، فيطلب من الغريب، وعلى لسان الغريبة، أن يكون أمها!

في فلسطين تنسجم الاستعارات والدلالات، ليس بمنطق التجاوب “الهارموني” المحض – فهل كان درويش مدفوعا بعطش تجريبي ما، أم هي محاولة لكسر الحمض النووي للأمومة واستحداث طفرة شعرية جديدة، ترى الأشياء بعين الوطن!

حين يحلو للغة- اللعبة العابثة- أن تمارس هذا التواطؤ الكوني، في تماه مطلق يفسح مجالا للآخر داخل المجال الوجودي للذات، كي ينشطر به انعكاسيا وهو يتوحد معه، فهذا يعني أن الأمومة في فلسطين أكبر من الوجود.

ربما تبدو سيمون دي بوفوار بالمفهوم الدرويشي على حق، حين تنظر إلى الأمومة كبناء ثقافي وليس كنوع اجتماعي، وربما حين يتعلق الأمر بفلسطين، لن تقف عند هذا المنطق بمنطقه، بل بفهم خاص، تخلق فلسطين به أكوادا فلسفية ورمزية لا يفك شيفرتها سوى من كان أمًا من فلسطين، فما الذي يعنيه أن تكون؟

للإجابة عن هذا السؤال لا بد من تأمل المشهد الفلسطيني عبر الروابط السماوية بين الأم وأبنائها في الأرض، وبين الأم وشهدائها في السماء. ولهذا فصل مستقل بذاته، نحاول فيه في القادم من الأيام، أن نسبر ما وراء الوراء بتأن تأملي، وتأويلي، يلقي الضوء على الإكسير الخام الذي ينفذ إلى بلورة المصير برشاقة كنعانية لا تكتفي بالوجود وحده.  

لينا أبو بكر
عن الكاتب
لينا أبو بكر

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←