دراسة الناقد العراقي عذاب الركابي
” بغدادُ وقد انتصفَ الليلُ فيها ” للكاتبة حياة الرايس
السيرة كيمياءُ الروح
عِذاب الركابي
.” السيرة الذاتية : شخصٌ حقيقيّ يروي قصّة وجودهِ الخاص ، مُركزاً حديثه على حياتهِ الفرديةِ ، وعلى تاريخ شخصيتهِ بالخصوص” – فيليب لوجون / عن الكتابات الذاتية – ص15.
. ” إنَّ زمنَ الرواية الأكاديميّة قدْ ولّى ، وأنّكَ بالنتيجة تعبّر عن شيءٍ آخرَ ، ما أدعوهُ أنا : بالرواية الأوتوبوغرافية.. رواية السيرة – الترجمة الذاتية ” – هنري ميللر – اعترافات الثمانين ص69.
رواية ” بغدادُ وقد انتصفَ الليلُ فيها ” – سيرة ذاتية في نسقِ حكاية ..!!
و” أهمّ نقطة على الإطلاق هي الحكاية .. إنَّ الحكاية هي كلّ شيء” – كما يُعبّر هنري جيمس في “نظرية الرواية” – ص79.
والحكاية هنا حكايتان ، بلْ حكايات يبدو انتهائها مستحيلاً ، وليلها لاينتهي إلى صباحٍ ، ولاتقوى عليهِ الراوية ُ-“شهرزاد” زمانها وعصرها المراوغ ، وكلّ حكاية في أبجدية عسيرة ، تُقرأ بعدَ الكلماتِ ، وتثيرُ ما بعدَ الخيالِ .. وكأنَّ الراوية – الذات الكاتبة – الساردة تعيدُ عبارة عمانويل شميت في طقوس الكتابة : ” أنا أذهبُ بالمجاز لأبعد من الأسلوب ، إلى الدراما حيث العملية السرديّة ذاتها” ..!
أهي حكاية بغداد – ميتافيزياء المكان ، وقيثارة الكون ؟ أمْ حكاية ليلها الذي توقّفَ عند المنتصف وإلى اللازمان ، وفقَ عقاربِ ساعةِ الوقتِ العراقيّ الحالكِ ؟ أمْ هي حكاية الراوية – الذات الكاتبة وأحلامها وأحزانها بعمر المدى والأزل ، والفرح لايبدو مهنتها ، ورفيقها القلق والحيرة والتشظي ، وقدْ أضحت لا أحد !؟
الراوية – الذات الكاتبة من دون أي امتدادٍ لظلّ شخصيةٍ ورقية أخرى .. الذات الحقيقية بطلة النصّ السردي والحكاية معاً ، كائنٌ واحدٌ بكلّ أوجاعهِ وهمومهِ وأحلامهِ وعلاقاتهِ ، هي النصُّ بلا لهوِ استعاراتٍ ، أو غمز ألفاظ ٍ، أو سياحةِ أخيلةٍ ، إذ لا غرابة في ذلك مادام : ” تعكفُ جميع الروايات في كلّ زمانٍ على لُغز الـ”أنا” – حسب ميلان مونديرا !
والحكاية واحدة ، والرواية بعبقرية التناول ، وصفاءِ حكمتِها هي كلّ ذلك ! بغداد والليل والراوية ، وخلفهم ظلمة شرسة وأشباحها بلا أسماء ، وأمامهم عدوٌّ غادرٌ هو الزمن ! وإذا كان الأغريق يصارعون القدر ، فأنّ الراوية وبغداد وليلهما يصارعون الزمن !
. وبغدادُ وليلها لحظة قلق ! وكلاهما طفلان توأمان ماهران في الحبّ والحزن والشغب حتّى انتهاء الزمان ، وقد وُلِدا من رحم تاريخ لمْ يدرك الرواة بعدُ إيقاع أبجديته وبريق فسفور حروفه وعمق بلاغة حكاياته .. تاريخ عبثَ بهِ العابثون الخارجون من الحياة والزمن ، وهم شذاذ الآفاق من كلّ جنسٍ وهويةٍ وعقيدة ..!!
” بغداد وقدْ انتصف الليلُ فيها ” أصلً الحكاية ، والشاهدُ ليلها الطويل الحالك ، وقد تبعثرت دقائقه على وسادة الراوية ، توقف عند المنتصف ، وباتت لحظاته بعددِ رمل ِالانتظار، ممتدٌ وفق الزمن النفسي للراوية حتى أخر نفسٍ ونبضٍ في الرئة ، وآخر سيمفونية حزينة يعزفها المدى .. والراوية – شهرزاد عصرها ترواغ زمنها بالكلماتِ ، وإقامةِ العلاقات الصباحية ، بمفردات الماضي البعيد – القريب .. بالذكريات وقد أضحت جراحاً غائرة ، تؤلمُ وتوقظُ وتبهجُ في الآن و ” الرواية استكشاف الحياة الداخلية للإنسان” – كما يقول ريتشاردسون :
: ” مَنْ قالَ إنّني أهاجرُ من بلدٍ إلى بلدٍ ؟
لستُ أقيمُ سوى في اللغة ، وأسكنُ الحرف والمفردة ، وأتوسّد الجملة ، وأتبسّط وسع الفواصل والنقاط” – الرواية ص12.
الرواية مطلعُ قصيدة هاربةٍ من طقوس الأقدمين ، لاتظل الطريق إلى قوافيها وجملها المارقة الرشيقة .. هكذا وجدتني في البدء أقرأ نصّاً شعرياً متمرّداً ، لاتمتّ كلماته وقوافيه وموسيقاه بصلةٍ لقواميس ورؤى الأسلاف ، وبدت لي أبجدية السرد narrative مانحة ، ماتعة ، لاتكتفي بإيقاظ والعبث في المواطن الساكنة والخاملة في النفس ، بل ولها القدرة على أن تكونَ عابرة ً للنفوس .. و السردُ الروائي ، بكونهِ الشعريّ ، عابراً للأزمنة أيضاً !؟
. ” بغدادُ وقدْ انتصفَ الليلُ فيها ” بوحُ confidence الذات المتشظية أملاً وألماً ، فرحاً وحزناً ، حاضراً وماضياً ، وجوداً وعدماً .. سردٌ حكائي حسنُ التماثل semmetria حيث لاتفريق بين السارد والمسرود ، والكاتبة – الساردة – الناصّة textor كائن نصّي ، يفيضُ ببلاغةِ وحشةِ الروحِ ، وقد اضطربَ نبضها باضطراب مكانها وزمانها .
الرواية نوعٌ من كتابة – الذات أو ” تمارين الذات في شكل كتابة” – كما يُعبّر غوسدروف .. والسيرة الذاتية – الأوتوبوغرافية auto biography كتابة الذات بعيداً عن الخطاب الانطوائي في لحظة تأسيس وتواصل حميمي بين الذات وذاتها من جهةٍ ، وبين الساردة – الناصّة textor وقارئها من جهةٍ أخرى .. وبوح الذات كعطرِ الأمّ – الوطن لايقبلُ التفاوض ، صكّ صالح للتداول المشروع في كلّ بنوك الدنيا والكون ، وعملتهُ التي تفوق في ثقلها كلّ عمولات الدول والإمبراطوريات والممالك – الكلمة : ” قدري أن أكتبَ خلودي بالكلمة” !
. الراوية صورة الأنثى – الأصل – شهرزاد أخرى تحكي تفاصيل المكان والزمان اللذين تعيش ، ووسيلتها الأمثل والأرقى – الكلمات الخميرة المنتقاة لتسوّي وتحضّر عجينة الواقع ، واللغة سكنُها التي لمْ يذق عسل أبجديتها قبلها كائن آخر .. اللغة – الحلم المتلوّ بيقظة آسرة، وتبدو الكتابة للراوية هي الحياة بكلّ مافيها .
“بغدادُ وقدْ انتصفَ الليلُ فيها ” بوحٌ confidence وإيحاء allusion .. !
في لحظةِ سطوٍ سلميّ على مفردات وأخيلة قصيدة نثرٍ متمرّدة ، برائحة النفّري وآرتور رامبو معاً .. شعرية دافئة ، كلّ شذرة ضربة في القلب ، نزيف قريحة أنثى مغامرة ، يتوّج موكبها الأنثوي الصاخب أملٌ قريب – بعيد عبرَ جهدٍ سيزفيّ للانتصار على الآتي والمجهول في خطوات عمرٍ نزقٍ مشاغبٍ في أحلامه وأمنياته وزحام عدد كواكبه :
” مأخوذة بشهوة الأجنحة ، نجمة مغامرة في الليل التائه ، أفتحُ خطّاً في الأفق ، وأعدُ نفسي بأجمل صبحٍ ينتظرني” – ص12.
ومكان إقامة الراوية – الذات الكاتبة الدائم والمخمليّ الحالم – اللغة ” سكن الوجود” بتعبير هايدجر ، بلْ استنطاق الوجود ، والمكانُ قرُبَ أو بعُدَ محض يوتوبيا :
” لستُ أقيمُ سوى في اللغة” – ص12.
. ” الطابعُ الاسترجاعي للسرد يُشكّلُ أحد مفاتن الحكي السير- ذاتي” – توماس كليرك / الكتابات الذاتية ص12.
والحكي هنا مزيج بديع من الواقعي – الحلمي والنستولوجي الشفيف .. روحي وإنسانيّ محض ، شخصية ” الأب” وعلاقتها المتجذرة بتربة الروح ، و” اللغة – الأمّ ” وعلاقتها بالإنساني ، وما بينهما كيمياءُ الحنين ، وقد بدا كالصلاة الواجبة التي لاتصير قضاءً .. الحنين إلى اللغة – الأمّ الكيان والوجود ، وبدا الحنينُ فنيّاً ، لحظة توهج ٍوأمانٍ وانتصارٍ منتزعة من الوقتِ ، ورثتها الراوية عن “الأب” الطيب ِالمجنونِ بعروبتهِ وكراهيتهِ لظلال لغة الآخر – الأجنبي .
.” إنَّ المكان الذي ينجذبُ نحوهُ الخيالُ ، لايمكن أنْ يبقى مكاناً لامبالياً ، ذا أبعاد هندسية وحسب ، بلْ بكلّ ما في الخيالِ من تحيّز” – غاستون باشلار !
والمكانُ – الحُلم بطلاً .. و” بغداد لا تشبهُ إلاّ بغداد ” !
والراوية الذات – الكاتبة حالمة.. والحلم منسّق الحياة ! وبغداد – المكان على شاشة الحلم بستان فاكهة الزمان ، وهي تنهي الصراع الحضاريّ بين المشرق والمغرب ، والسلاح اللامرئي عطرُ المعرفةِ ، وعبقُ التاريخ ، وصبرُ الإنسان .. لحظة انتصار وتميّز سحر المشرقيّ :
” بدا لي الفرقُ واضحاً ، فاضحاً ، أخذتني غيرة ، لماذا أخذ الشرقُ السّحرَ كُلّهُ” – ص13.
” بغدادُ وقدْ انتصفَ الليلُ فيها ” .. خطابٌ نثري خرافيّ ، والسرد narrative وقد تداخلت فيه الأزمنةُ والأمكنة ُ، ولحظة إحياء الموروث في نستولوجيا nostalgia عالية ، قسط ٌمن عطر ِالماضي ، ولحظة تطهّرٍ وتنفسٍ للحاضر والآتي .
والراوية الذات – الكاتبة لحظة تجلٍ شعري ، بوحُ البوح ، وهي تُحيي ذكرى بنات جنسها في إيقاع أنوثتهن الإنساني – الحضاري ، وهنّ يحفرن َعلى جدران التاريخ أسماءهن المنغمة بأفعالهن وأفكارهن ، فقط ليعيدنَ لهُ بريقه ، في فضاء نستولوجي ، ليبدينَ نجماتٍ باهراتِ الضوء ” العباسة ” و”زبيدة” و” أروى القيروانية” ، والراوية امتدادهنّ الحضاري ، ولسان ولغة كلّ هؤلاء .. والأنثى – حياة مغامرة ..!!
.” إنَّ حياتي تتجسّد حينَ أرويها ، وذاكرتي تثبتُ بالكتابة ، وما لاأصوغهُ في كلمات ، وأدونهُ على الورق سيمحوهُ الزمن” – إيزابيل اللندي !
والكتابة ُ تبقى ! تذكرة السفر إلى عوالمَ تصبحُ فيها للأنوثة سلطة كما الكتابة ، حتى لو بدت في لغة تحايلٍ ومكرٍ للتفوق على سلطة الذكورة التي بدت بفيض فقهِ الروايةِ سجناً بأبواب وأقفال صدئة .. والأنثى فرسٌ جامحة ، تغزل أحلامها الفتية في الهواء الطلق .. أصداء حرية الحريّة :
” كانت تلك المرة الأولى التي أسافرُ فيها ، وأول مرة أركب طائرة في حياتي ، وأول مرة أغادرُ عائلتي وبلدي ، في قلبي ينبت جناحان أكبر من عمري ومن حدود بلدي” – ص15.
.و لأنَّ ” السياسة كامنة في نصوصنا شئنا أم أبينا” – كما تقولُ توني موريسون ، فأنَّ حديثها في السرد narrative يأتي مزيجاً من التعلق والحنين إلى المكان ، وفكرة الانتماء إلى الأصل العروبي القومي التي بدت لغتها طاغية على كينونة ومشاعر ” أب” الراوية ، وهو يجاهرُ بكراهيته للفرنسيين المحتلين ولغتهم ، وإلى تابعهم في السلوك والأخلاق والفكر الرئيس التونسيّ ” الحبيب بورقيبة” الذي يراهُ ” الأب” من منظار وعدسةِ الرجلِ المحافظ والعروبيّ مارقاً على التقاليد والقيم والأخلاق العربية والإسلامية الأصيلة ، وهو يتبنى الفرقة بين أبناء شعبه ، فيما يدعو لهُ من فوضى في العلاقات الأسرية ، باسم الانتصار إلى المرأة وحريتها ، وهو في الحقيقية يدقّ إسفيناً بين الذكورة والأنوثة :
” لم يكنْ أبي يحبّ الفرنسية ولا أدب الكفّار ..
” كان أبي يحقدُ على الرئيس بورقيبة كثيراً ” – ص18.
.” أحد معالم سطوة الرواية ، أنها تتيحُ لكَ أن تذهبَ بخيالك أنّى شئت” – هاروكي موراكامي !