مدخل
يعدّ “الهامش” من المصطلحات الفضفاضة في الاصطلاح النّقديّ، ولكنّه يكتسب ثنائيّة جدليّة واضحة نسبيًّا عند ربطه بمصطلح “المركز”؛ إذ يُدخلنا ربط المصطلحين معًا إلى عالم التّنازع والتّدافع والصّراع، إلاّ أنّ التّعاطي معهما يختلف باختلاف المنهج النّقديّ الّذي يخضع له النًّص الأدبيّ.[i]
وتمتلك كلمة الهامش في أصل اللغة معنى سلبيًّا؛ إذ تحيل إلى كلّ ما هو خارج المتن أو الأصل، وبذلك فهي تحدّد الموقع والدّور المنوط به، كما تحمل معنى الخلط في الكلام وكثرته بلا فائدة[ii]؛ ممّا يجعل الكلمة في مرتبة دونيّة في دلالتها، ومن هذين المعنيين في أصل الاستخدام تشكّل معنى الهامش في الدّراسات الثّقافيّة والاجتماعيّة بصورة عامّة، وأصبح يمتلك دلالة مجازيّة تتحدّد ماهيّتها وفق مفهوم المركز، فإذا كان المركز هو السّلطة السّياسيّة فالهامشيّ كلّ ما هو بعيد عن عالم السّياسة، وإذا كان المركز يتمحور حول الثّروة الاقتصاديّة فالفقر هامش، وإذا كان السّيد مركزًا فالمولى والعبد هامشان، ومثله وضع الذّكورة في المركز سيجعل الأنوثة والطّفولة في موقع هامشيّ، والأدب الّذي يدور في فلك السّلطة مركزيّ، وكلّ ما عداه هامشيّ، وهو ما تسبّب بعدم امتلاك الهامش لدلالة اصطلاحيّة واضحة ومحدّدة يلتزم بها النّاقد عند النّظر في النّصّ الأدبيّ، وتحليل مواقعه المركزيّة وتشكّلاته الهامشيّة، إلاّ من خلال النّظر في الأنساق والسّياقات الثّقافيّة الّتي تحكم النّصّ الأدبيّ وتتحكّم فيه، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الأدب الهامشيّ[iii] يختلف في مدلوله عن الأديب الهامشيّ وعلاقته بالمركز.
ولمّا كانت هذه الدّراسة النّقديّة تُعنى بشاعر أندلسيّ هو ابن عمّار، فإنّ مفهوميْ المركز والهامش يتحدّدان على ضوء تشكّلهما في الثّقافة الأندلسيّة الّتي كانت حاضنة للأدب الأندلسيّ، وهي ثقافة بُنيت مركزيّتها على ما بنيت عليه مركزيّة الثّقافة العربيّة في المشرق، فالسّلطة السّياسيّة هي أصل المركز ، وهي الّتي تحدّد ما هو مركزيّ أو هامشيّ، فالإسلام الّذي دان به كلّ حكّام الأندلس- من الفتح إلى السّقوط- مركز، واللغة العربيّة الّتي تبنّتها السّلطة السّياسيّة في إدارة شؤون الدّولة مركز، والثّروة الاقتصاديّة الّتي تبني الدّولة مركز، والجيش الّذي يحميها مركز، والعصبيّات القبليّة من مراكز القوى الاجتماعيّة كذلك، ومنها تشكّلت الطّبقات الاجتماعيّة، وإن تدافعت عصبة الموالي مع عصب العرب قرونًا طويلة بسبب اتّكاء بناء دولة بني أميّة على عصبة الموالي؛ ممّا أهلهم للوصول إلى الحكم بعد سقوط الخلافة الأمويّة (422ه/1031م)، لكنّ عصب العرب لم تنتهِ أو تَضعف كما يُظنّ، إنّما مرّت بمراحل كُمون حافظت خلالها على كلّ خصائصها، وكلّما أتيحت لها الفرصة استعادت حضورها القويّ كما كانت عليه الحال أوّل أمرها، وكلّ من هو خارج هذه الدّوائر المركزيّة إمّا أن يسعى إلى الانتماء إليها، أو يمتلك من الإمكانات ما تؤهّله لخلق مركزيّة جديدة، أو يكتفي بالتموضع في الهامش الّذي حدّدته له المؤسّسات السّلطويّة المختلفة.
إنّ هذه (الثيمات) المركزيّة في الأندلس هي الّتي حدّدت أنّ ابن عمّار ينتمي إلى الهامش، فهو فقير معدم، وليس له نسب رفيع يتباهى به، ولم يكن في عائلته من يشار إليه بالبنان في شؤون العلم أو السّياسة أو الجند يمهّد له الطّريق. لم يكن معه سوى حلمه وطموحه وشعره لاقتحام المركز، لكنّه مرّ بتحوّلات كثيرة تسعى هذه الدّراسة إلى رصد آثارها في شعره من خلال منهج النّقد الثّقافيّ.
[i] للمزيد، انظر: سلامة، زاهي، وأبو العدوس، يوسف: “المركز والهامش في شعر الصّعاليك في العصر الجاهليّ في ضوء سيمياء الثّقافة”، مجلّة اتّحاد الجامعات العربيّة للآداب، الأردنّ: جامعة اليرموك، مجلد16، العدد2، 2019، ص529-557.
[ii] ابن منظور، أبو الفضل جمال الدّين بن مكرم (ت711ه/ 1311م): لسان العرب، بيروت: دار صادر، مج6، ص 365.
[iii] للمزيد، انظر: محمود، محمّد: إشكاليّات الهامش وتجلّيات المتن، القاهرة: الهيئة العامّة لقصور الثّقافة، 2017.