أدب ونقد

جدلية الزمان والإنسان في قصيدة ” الصديق الوحيد”

صالح هويدي صالح هويدي 16.06.2026

د. صالح هويدي

إلى ولدي الطيّب ذي الأربعة أعوام

تبدأ قصيدة الشاعر عارف الساعدي بحديث الشخصية عن نفسها في زمن الحضور، من خلال ضمير المتكلّم، متّخذة من أسلوب النفي صيغة لمفتتح القصيدة الاستهلالية المعلنةِ عما آلت إليه حال الشخصية من وحدة ومعاناة تتجلى رويداً، إثر تفرق شمل الأصدقاء، حتى أنه لم يبق للشخصية الرجل اليوم منهم سوى ابنه الصغير الذي حلَّ محل ّالأصدقاء القدامى:

” لم يتبقّ من أصدقائي أحد

ولدي الصغير هو صديقي الجديد”.

وإذ يعلن الأب عن هذا الواقع كاشفاً عن جانبٍ مما يعيشه، فإنه لا يكتفي به بل يستمر في كشف أوراقه مع الأصدقاء، في المقطع التالي للمفتتح الاسنهلالي، مستبدلاً بزمن الحضور الذي مرّ بنا زمن المضي الذي يأخذنا إليه سراعاً ويستغرق النص، مثلما يستبدل بصيغة الإفراد الملائمة لوحدته (كنتُ) صيغة الجمع التي تلائم مشهد الأصدقاء قبل تفرّقهم (كنّا):

” كنتُ ممتلئاً بالأصدقاء

كنّا

نجوبُ الشوارعَ

ضحكاتُنا تملأُ شقوقَ الحيطان

وتتسربُ أغانينا

مع الأنهرِ الصغيرة

كنّا نسيرُ على أقدامنا

ونحلمُ أنْ نشتري سيارةً ولو صغيرة

نجوبُ بها شوارعَ بغداد”.

ولعل أول ما نلحظه على شريط وصف الشخصية للأحداث التي عاشها صاحبها مع أصدقائه القدامى في هذا المقطع، وصفها لحياتها معهم في ماضيها بالامتلاء، وهو وصف يستدعي الحالة المقابلة لها، التي صورها لنا النصّ بين الحاضر والماضي، بين التجمّع والتفرّق، وإنْ لم يُشر صراحة إليها حتى الآن. من هنا فإن الشخصية تنطلق من هذا الواقع المفارق الموصوف بالامتلاء إلى ذكر التفاصيل أو الحيثيات إنْ شئت للتدليل على هذا الوصف المقتضب العام الواسع الذي بدأت به، وأعني بذلك ذكر الأب جوبه مع أصدقائه الشوارع، وضحكه معهم ضحكاً ملأ شقوق الحيطان، وغنائه معهم غناء تسرَّب مع الأنهر الصغيرة، والسير مع أولئك الأصدقاء على الأقدام، حالمين بشراء سيارة حتى وإن كانت صغيرة، ليجوبوا بها شوارع بغداد. لكنّ عدم امتلاكهم أو قدرتهم على شراء سيارة لم تكن لتعني في حينها أنهم غير راضين أو غير سعداء بما هم عليه، فلقد سبق أن تكرر جوبهم الشوارع مصحوباً بالضحكات والأغاني، والضحك والغناء علامة من علامات الفرح والسرور، وأنّ وجود الطموح لا يلغي حالة الفرح أو ينفيها. ولعل ما يؤكد هذا الأمر ما ورد من وصف لحالة امتلاكهم السيارة والهدف منها، وهو أن يجوبوا بها شوارع بغداد التي يحبون.

ولنا أن نقف على بواعث وصف ضحك الأصدقاء في النصّ أنه ملأ شقوق الحيطان، والصياغة هنا إنما أريد لها الإيحاء بمشاركة الطبيعة الأصدقاء سعادتهم التي فاضت على الجدران فملأت الثقوب السلبية التي تركها فيها الزمن، لتجعلها (الطبيعة) ممتلئة، ولتعيدها سوية كما كانت، ومشابهة لحالتهم المثالية التي هم عليها (ممتلئين ببعضهم). ولم يقف أمر إحساس الأصدقاء بالطبيعة أو إحساسهم بالعلاقة في ما بينهم وبينها عند هذا الحد، بل ذهب الوصف إلى أبعد من ذلك، حين قدّم لنا لوحة وصف أخرى أشد تعبيراً عن حالة الفرح والانتشاء التي كان عليها الأصدقاء (الغناء). وهي حالة طربيّة أكثر تعبيراً من حالة الضحك العفوي ولا ريب، لنجد تلك الأغنيات التي كانت تصدر عنهم وقد تعدَّتهم لتفيض متسربة إلى الطبيعة في مظهرها الجديد ثانية (الأنهر الصغيرة) راسمة لنا صورة من التمازج العضوي بين أصدقاء الأمس وعالمهم المحيط بهم:

“وحين أصبح كلُّ واحدٍ منا

يمتلكُ سيارة

رُحنا ندور في شوارع بغداد

معزولينَ ومنعزلينَ ومنفردين”.

لكنّ السطور الأربعة من المقطع الجديد تنقلب كاشفة لنا عن ذلك التحول الذي بدأ يدب في حياة الأصدقاء وعلاقاتهم، وذلك بعد أتاحت الأيام لأولئك الأصدقاء تحقيق أمانيهم بعد كدّهم واجتهادهم، ليحصل كل منهم على السيارة المُتمنّاة، وليجوبوا بها شوارعهم التي يحبّون، ولكنْ أيّ جوبٍ ذلك الذي تحقق لهم؟

تخبرنا لشخصية أن امتلاك الأصدقاء السيارة قد تحقق، لكن النصّ يَعدلُ عن وصف حركة سيارات الأصدقاء على النحو الذي وصفه من قبل وتمنّوه (الجوبُ) ليبدو هذه المرة في هيئة دوران، وهي هيئة لا تدل على الامتداد في السير، بقدر ما توحي بالالتفاف حول المركز أو النفس. يعمّق من هذا الإحساس الصفات اللاحقة في السطر التالي التي تُظهر هؤلاء الأصدقاء بمظاهر معبرة موحية بالسلبية، من العزل والانعزال والانفراد؛ ذلك أنها تقف في الضد من معاني الانضمام والتكتل والاجتماع. لقد كان الاعتقاد لدى الشخصية، ومن ثم الأصدقاء، أن امتلاكهم السيارة سيكون باعثاً على سعادات أكبر وأفراح أوسع، بعكس ما انتهوا إليه من نهاياتٍ مفاجأة. من هنا وجدنا صيغة الوصف الإخباري التي طغت على مقاطع القصيدة الثلاثة وقد تغيرت إلى صيغة السؤال والاستفهام، لتنتهي إلى استنتاج خيباتٍ لم نجد لها أثراً في زمن الأصدقاء السابق. فلم يعد المذاق حلواً مستذاقاً بل مرّاً يُنبيء عن المرارة والحسرة، بعد أن نأت الوجوه ولم تعد تتلاقى.

ولعلّ من الطبيعي أن يكون زمن المرارة هو المساء، لا الصباح أو النهار. ولا شك في أن تساؤل الشخصية (الأب) عن طعم المساء هنا لم يكن استفهاماً في حقيقته، بل هو نفي في صيغة الاستفهام؛ لأنه أراد أن يقول: إنه لم يعد للمساء أو المساءات من طعم. كما أن المساء يحمل في أحشائه هنا دلالة على خلوّ الزمان في معناه الشامل الأعم من الطعم. ولعل ما يؤيد ذلك استمرار الشخصية في التساؤل أو قل إنكار وجود طعم لمدينتهم، فأي طعم يمكن أن يكون لها وقد غابت الضحكات عنها غياباً نهائياً، لم يجد النصّ طريقة للتعبير عن ذلك الغياب إلا بهذه الصيغة الاستعارية شديدة الإيحاء( التحفّي) بعد أن كانت جدرانها تمتلىء بها وتكتظ شقوقها بحضورها. وهكذا يخلو المساء والمدينة من الأصدقاء وضحكاتهم، ويُعرى الزمان والمكان منهما، ليفقدا صورة العلاقة المثالية التي كانت تؤطرهما وعبّر النص عنها من قبل، لتنتهي الشخصية إلى النتيجة الصارخة التي تقررها في شكل استغاثة إلى بارىء الكون ومبدع الحياة والخلائق جميعاً. إنها (الوحشة) إذن تلك التي انتهىت إليها حال الأصدقاء، وإنها العودة إلى السطر الأول من البنية الاستهلالية للقصيدة، حيث بدأت بهذه النتيجة: ” لم يبق من أصدقائي القدامى أحد”:

“أيّ طعمٍ لهذا المساء الخالي من وجوههم

أيُّ طعمٍ لهذه المدينةِ الحافية من ضحكاتهم

إنها الوحشةُ يارب

صالح هويدي
عن الكاتب
صالح هويدي

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←