فلسطينيات

محمود درويش شعر المقاومة في أفقه الإنساني الوجودي

حورية الخمليشي حورية الخمليشي 09.08.2026

حين نستحضر محمود درويش في ذكرى رحيله، فإننا لا نستحضر شاعرًا غاب، بل شاعرًا ما زال يحضر فينا بشعره وصوته ورؤيته. نستحضر شاعرًا استثنائيًا سبق شعره متلقيه، وصوتًا فلسطينيًا إنسانيًا مقاومًا، انفتح على الأفق الكوني، واستطاع أن يجعل من خصوصية التجربة الفلسطينية أفقًا للإنسان في كل مكان. لقد تجاوز شعره حدود الجغرافيا والثقافة والزمن، وتحرر من سياقه التاريخي المباشر، ليغدو منجزًا شعريًا عالميًا راسخًا في الوجدان والذاكرة الإنسانية. فغدا شعره أيقونةً للشعر الإنساني، وهو ما ذهب إليه عدد من كبار النقاد والمترجمين الذين انشغلوا بتجربة محمود درويش، من أمثال الشاعر الصيني “بي ضاو”، والمترجم والناقد الألماني “شتيفان فايدنر”، والمستشرقة الألمانية “آنا ماري شِمِّل”، والباحث الصيني “شيو تساي”، وغيرهم. ويرجع ذلك إلى ما تمتاز به قصيدته من قوة لغوية وجماليات فنية ورؤية إنسانية رحبة، استطاعت أن تعيد تشكيل الوجود في أبهى صوره، وأن تمنح اللغة طاقةً استثنائية على الكشف والإيحاء والجمال.

محمود درويش نموذجٌ شعري متفرّد نجح في أن يبني كوناً شعرياً بلُغته ومهاراته التّخييلية. فقد حظي شعر محمود درويش بالعديد من الترجمات. وأُنجزت العديد من الدراسات حول تجربته الشعريّة. كما اهتمّ معظم الفنّانين الكبار بشعره على مستوى الموسيقى والتشكيل والسينما والمسرح والسينوغرافيا وغيرها سواء في المعاهد والجامعات أو المتاحف والمسارح العالمية وغيرها. فشعر محمود درويش منبع الفن في زمننا الراهن. وهي سمة العديد من كبار شعراء الحداثة العربية.

نعرف أن كثيرًا من أسرار القصيدة لا تحيا إلا في أعماق شعرائها، ولا تكشف عن نفسها كاملة، مهما تعددت القراءات وتنوعت التأويلات. فقصيدته تمنح الوجود بهاءً جديدًا لا يتحقق إلا بالشعر. ولعلّ السرّ في ما أحدثته قصيدته من دهشة في أفق التلقي أنها استطاعت أن تؤلّف بين العمق الإنساني والرؤية المقاومة والفتنة الجمالية، فغدت القصيدة عنده فضاءً تتعانق فيه الحرية والجمال، ويلتقي فيه الوطن بالإنسان، والمحلي بالكوني، والذاتي بالوجودي.

فما زلنا حتى اليوم نشتاق إلى طعم خبز أمه، وزيتون كرمله، وكمنجاته، وإلى يافا ورام الله والقدس وحيفا، وعصافير الجليل، وشجرة الخروب، وشجرة البرتقال، وإلى كل محطاته وأمكنته الأثيرة. لقد حوّل محمود درويش هذه الأمكنة إلى وطن شعري، وجعل منها مسكنًا لقصيدته، ومسكنًا في وجدان محبيه وعشاق شعره، فغدت، في زمن عربي مهزوم، أوطانًا رمزية يسكنها الحنين بقدر ما يسكنها الشعر.

ولعل سرّ الأثر العميق الذي أحدثه شعر محمود درويش في أفق التلقي لا يكمن في موضوعه وحده، بل في الكيفية التي أعاد بها بناء التجربة الإنسانية شعريًا؛ إذ ارتقى بالمقاومة من حدود الحدث السياسي إلى أفق إنساني وجمالي رحب، حيث تغدو القصيدة فعلًا للحرية، وتغدو اللغة أفقًا لإعادة اكتشاف الإنسان والعالم. صوتٌ شعريٌّ منفتحٌ على كل ثقافات العالم الإفريقية والأوروبية والآسيوية والأمريكية. صوتٌ طرح أسئلة الشعر الحديث والمعاصر في زمننا.

حورية الخمليشي
عن الكاتب
حورية الخمليشي

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←