أفكار للمستقبل

الإنتلجنسيا الإصطناعية الجديدة القسم الأول 1/3

فلاح حكمت فلاح حكمت 10.07.2026

روها بنجامين*

ترجمة وتقديم: فلاح حكمت إسحق

   سئمتُ تكاليف الترجمة منذ أن راقبتُ بعَيْن المتابع الدقيق كم أصبحت برامج الترجمة الجاهزة المدعومة بالذكاء الإصطناعي تحسّنُ من قدراتها بكيفية لا سبيل لنكرانها أو تجاهلها أو إغفالها؛ لكن تظلّ حقيقةٌ راهنةٌ أحسبها لم تزل حاكمة في الميدان الترجمي: لم نبلغ بعدُ مرتبة أن تلقي شباكك في مياه الترجمة الآلية ليأتيك الصيد جاهزاً. لا بدّ من ملاعبة وتشذيب وبعض (أنسنة) للغة كما السياق المفاهيمي. هذا لمن ألقى ببضاعته في سلّة الذكاء الإصطناعي ونشدَ راحة البال ووفرة المنتج والتخفّف من الأعباء الترجمية الثقيلة. من جانبي أرى في الترجمة لذّة ذهنية ونفسية لا أريدُ خسرانها. كلّ تقنية جديدة بطبيعتها تعملُ على خسارتنا لمهارات سابقة؛ لكنّ هذه الخسارة ليست محتّمة إلّا إذا أردنا نحنُ خسارتها. خذْ السيارة العاملة بمحرّك الإحتراق الداخلي: هل ثمّة من أوجب علينا ترك رياضة المشي بدعوى وجود سيارة؟ الأمرُ مرهون بنا وبعزيمتنا وقدرتنا على كبح جماح الأعطيات التقنية الجاهزة ولذائذها المتخيّلة سريعة المفعول والتي يمكن ان تنقلب شرّاً إذا ما أوغلنا فيها من غير تحسّب وتفكّر.

   بعد هذه المقدّمة التنويهيّة بأهمية المنشط الترجمي (البشري!!) أقول: ثمّة موضوعات أحسبها ستراتيجيّة من حيث القيمة والمفاعيل، أطالعها في مواقع محدّدة، مجّانية في الغالب (لا أحبّ رأسمالية فعل المثاقفة الجادّة)، على شاكلة الغارديان البريطانيّة ومراجعة لوس أنجليس للكتب، تعجّ بموضوعات في غاية الرصانة والأهمّية. يصل بي الأمر أحياناً مبلغ الرغبة الحارقة في نقل بعضٍ من هذه الموضوعات إلى العربية، نشداناً لإشاعة الفائدة والتبشير بالموضوعات الحاكمة في عصرنا بدل المكوث في منطقة الراحة البليدة التي لا يفعل فيها المرء شيئاً سوى الطواف حول رغاوي لغوية غير منتجة (نقد نقد ما بعد الحداثة مثلاً في وسط بعيد عن أبسط شروط الحداثة)، أو التعلّق بمتطلبات جامعية عتيقة هي بعض مخلّفات عصر ثنائية الشيخ/المريد التي شاعت في عصور مظلمة سالفة. نحن في النهاية جزء من هذا العالم، وحتّى لو كنّا غير فاعلين فيه في الجنبة التقنية (لا نقاتلُ سوانا في تصغير نطاق النانومترات التي تصنعُ بها الرقائق الجديدة) فالواجبُ الأقلّ يفترضُ أن نعي بما يتسارعُ حولنا من وقائع وأفكار ومفاهيم في العالم. من يعرفُ اللعبة حتى ولو من بعيد ستتاحُ له فرصةٌ ربّما لتقليل خسائره فحسب، بعكس من لا يعرف شيئاً وظلّ سادراً في الغفلة. أظنّه -هذا الغافل أو المتغافل- سيلقى يوماً نفسه وقد ابتلعته أسماك القرش التقنية المرعبة: تلك الإمبراطوريات التي تمثلُ عودة لعصر الإقطاعيات ولكن في ثياب الذكاء الإصطناعي العام ومن ثمّ الفائق. المستقبل ليس بعيداً بل صارت بعضُ تباشيره تُرى اليوم، وحسبُنا أن نعي بعض ما ينتظرُنا من تهديدات وجودية مخيفة.

المترجم    

   في خريف عام ٢٠١٦ ألقيتُ محاضرةً في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بعنوان “هل الروبوتات عنصرية؟”. أثارت إنتباهي في الأشهر التي سبقت تلك المحاضرة عناوينٌ مثل “هل يُمكن لأجهزة الحاسوب أن تكون عنصرية؟ تحيّزُ الخوارزميات الشبيه بالسلوك الإنساني”، و“مشكلة الرجل الأبيض في الذكاء الإصطناعي” و“هل الخوارزميات أقلُّ عنصرية من الإنسان؟”. فكّرتُ حينها حثيثاً: ما عساه يكون المكان الأمثل لمناقشة المخاوف المتعاظمة بشأن التقنيات الناشئة من مؤسسةٍ أُسِّسَتْ في بدايات صعود الفاشية في أوروبا، والتي احتضنت في السابق عمالقة الفكر من أمثال  ج. روبرت أوبنهايمر وألبرت أينشتاين (إشارة إلى معهد برينستون للدراسات المتقدّمة. المترجم)، وتفخر بـ“حماية وتعزيز البحث المستقل.

   ركّزَتْ ملاحظاتي الأولية على كيفية انعكاس التقنيات الناشئة على أوجه عدم المساواة الإجتماعية وإعادة إنتاجها لها، واستخدمتُ في ذلك أمثلةً محددةً لما أسماه البعض “التمييز الخوارزميalgorithmic discrimination ” و”تحيّز الآلة machine bias“. تلا ذلك نقاشٌ حيوي. كان الحوار الأكثر تميّزاً مع عالم رياضيات أقرّ -بكياسة- بأهمية القضايا التي أثرتُها، ثم أكّد لي أنّ “مع تقدم الذكاء الإصطناعي، سيُظهِرُ لنا هذا الذكاءُ في النهاية كيفية معالجة هذه المشاكل”. أدهشني إيمانُهُ الصادق بالتقنية كقوة تعمل للخير، فقلتُ متلعثماً: “ولكن ماذا عن أولئك الذين يلحقُ بهم ضررٌ مؤكّد بسبب تزايد نشر الذكاء الإصطناعي التجريبي في الرعاية الصحية والتعليم والعدالة الجنائية وغيرها؟ هل يُتوقّعُ منهم انتظارُ مستقبل أسطوري تكون فيه الأنظمة الواعية بمثابة حُكماء مُطوَّبين  للبشرية؟.

فلاح حكمت
عن الكاتب
فلاح حكمت

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←