أدب عربي

سعدي يوسف: ما تبقْى لنا منه بعد رحيله

ضياء خضير ضياء خضير 09.06.2026

الدكتور ضياء خضير

مات سعدي يوسف ولم يشبع، رغم عمره الطويل، من الحياة، ولا من رغبته العارمة في المزيد من المغامرة والاكتشاف، ولكنه واجه موته بشجاعة الفرسان النبلاء الذين لم يقولوا أفٍّ من الملل، وإنما من ضعف الجسد وتفاقم العلل، على طريقة المتنبي الذي كان يقول:

            وإذا الشيخُ قال أفٍّ فما ملّ –

                           حياةً وإنّما الضّعفَ ملّاَ

              آلةُ العَيش صِحّةٌ وشبابٌ

                            فإذا ولّيا عن المرءِ ولّى

ولكنّ سعدي لم يولِّ أمام موته، ولم يشعر بالهزيمة، ولم يُدرْ وجهه للحياة، فبقيَ على ذاكرته الحديد، وروحه الشابة الهازئة بمرور الزمن وحدثان الدهر، حتى اللحظة الأخيرة التي جاءته فيها تلك الحمامتان لتهباه جناحيهما: 

“جاءت إليّ يمامتانِ

وحطّتا فوق الوسادة في الصباح…

وقالتا:

سنكون، يا سعدي، جناحيكَ!

انتبهْ!

إنَّ الحياةَ كريهةٌ

لو عشتَها متتبّعاً مَن هبَّ أو دبَّ  . . .

الحياة كريمةٌ

لو عشتَها كالطير .. يا سعدي!”

   كانت هذه القصيدة نوعا من الرؤيا التي رأى فيها علامة الموت ورسوله إليه؛ وابنُ سيرين يقول في تأويل مثل هذا الحلم – الرؤيا إن “رؤية الحمامة تسقط في المنام على الرائي إن كان مريضاً قد تدل على الهلاك وحِمام الموت”.

  ويبدو من المؤكد أن سعدي كان يعرف، حينما كتب هذه القطعة، تعبيرَ هذه الرؤيا الخاصة بالهلاك وحمام الموت، كما عرفها ابنُ سيرين وغيرُه من معبّري الرؤيا القدماء، وأنه فضّل أن يُبقي على حياته (كريمة) كما عاشها كالطير، بدلًا منها (كريهةً) إن عاشها متتبعا ما هبَّ ودبَّ من قيل وقال، وأن المنفى أو المنافي التي كان يقصدها مع هذا الطير لم تكن له وطنا صالحا للاستقرار بعيدا عن وطنه وعشه العراقي الأول، ولكنها وفّرتْ له الأمن والأمان على ما تخللها من قلق واضطراب، وأن الموت وحدَه هو الذي تكفّل بقصّ جناحي طائره ووضع حدا لرحلته الطويلة في الحياة والشعر.

  ورغم جولان سعدي يوسف وتنقله الواسع في الآفاق، ورغم عناده ومكابرته، وشعوره الثقيل بانعدام المنفى والوطن كليهما، فقد ظل العراق ومنطقة طفولته الأولى ومراهقته الخضراء في حمدان وأبي الخصيب والبصرة أعمقَ ما كان يحمله في نفسه من قوة وطاقة.

     كان الشعر موضعَ اهتمام سعدي الأول ورفيقه الذي صنعت له الكلماتُ فيه هذه الأجنحة التي كان يطير بها مع هذا الحمام في حياته. فهو لم يعش إلا من أجل الشعر وقوة الخلق الحيوية المتجددة فيه على مدى حياته المديدة. كان هذا الشعر مجالَ سره وسروره وقوته ومدار إبداعه وبهجته الخفية العارمة التي صنعت له وطنا بديلا ترحّل فيه ومعه حيث رحل حتى لحظة موته الأخيرة. والمهم في كل هذا هو شجاعة سعدي واستعداده لقبول التحدي الذي فرضه طارقُ الموت عليه، ليُبقي على ذاته وقراره الشخصي حرّين في مواجهة الفجيعة؛ فكان طوال الوقت يوطّن نفسه ويقنعها بقبول الموت والاعتراف به ومواجهته مباشرة، ليحرر نفسه من القلق وحقارة الشعور بالضعة والضعف، وليكون حرّا في شعوره بنفسه وليس بأحد آخر سواه، وعلى نحو لا يكون فيه هذا الموت محطةً أخيرة في نهاية الرحلة، كما نتصوره في العادة، وإنما هو اكتمال التجربة ونضج الثمرة.

    وقد كان سعدي، كما أظهر ذلك صديقُه الأديب حسان الحديثي في كلمة قالها بعد موت صديقه الشاعر ، قد تنبأ بمكان موته الغريب على رابية مشرفة في قصيدة كتبها قبل سنوات طويلة، وعلى نحو يشبه أن يكون ، كما يقول الحديثي، “طرفا من أطراف الجنون، وضربا من ضروب المعرفة الغريبة والدراية العجيبة؛ فأن يكتب بصريٌّ من أرضٍ منبسطةٍ حارةٍ عن الموت في المنفى والبرد قبل بضع وخمسين سنة من موته ثم يصْدقُهُ القدرُ فيموت فوق ربوةٍ مشرفةٍ في ضاحية من ضواحي لندن البعيدة مدينةِ البردِ والمنفى، بعيداً عن غابات نخيل ابي الخصيب وضفاف شط العرب، هو أمرٌ غايةٌ في الغرابة والعجب:

قبري وراءَ التلِّ يستبقُ القيامة

في وحشةِ المنفى الأخير، وتستظلُ به حمامة

والبرد يُرجفني؛ عراق عراق، ليس سوى عراق

وانا العراق أو القيامة.”

      وقد كانت قصيدة حسب الشيخ جعفر المهداة إلى الشاعر بعد موته بفترة قصيرة هي التي فجّرت فينا هذا الإحساسَ المتفاقم بالأسى والفقد حول رحيل سعدي يوسف، جوّاب الآفاق الذي عاش حياته كما وُصِف في قصيدة حسب، غريبا موزّعا بين (المابين) و(الضفتين)، عاشقًا للرحيل منذ لحظة هتافه المبكر بسالم المرزوق -المذكور في القصيدة- أن يأخذه في السفينة، في السفينة، واستعداده لأن تكون (مقلته) نفسُها ثمنا لذلك العبور إلى الضفة الأخرى، حتى اللحظة التي كتب فيها وصيته ودفع ثمن الأرض الإنكليزية الغريبة التي نُثر بعض رماده  فيها وودع دنياه غير آبهٍ بغير كلمته الحرّة، ولم يخرج عن تلك الدائرة التي لا بدّ فيها للغريب أن يذكر أهله، ولتنغلق الدائرة التي انتهى إليها، ولو في عين الخيال، وبقبضة متطايرة من رماد الجسد المنطفئ، بتلك النقطة التي بدأ منها.

  وقصيدته الأخيرة التي كتبها وهو يحتضر في بيته الإنكليزي على فراش الموت:

“نحيا حياة لا يليق بنا 

إلا الكريمان فيها:

الطهرُ والخطرُ”،

 تعبّر، هي الأخرى، عن هذه القوة الوحشية عند شاعر كانت كلمة (الشعور) بمفهومها المعجمي الأول الخاص بالإحساس هي المتحكمة في حياته؛ ولا شيءَ آخر فيها غير هذا الطهر والخطر، وأكاد أقول (إرادة القوة) التي لا تجعلنا نستغرب من وصف أحد أصدقائه، وهو منصف الوهايبي، له في قصيدته ب ” الشيوعيُّ الأخيرُ النيتشويُّ”؛ فقد كان، مثل الفيلسوف الألماني يؤمن بأن الحياة السعيدة لا وجود لها، وأن الحياة الحقيقية غائبة، وأنها ضرب من المستحيل؛ وخير ما يكافئ به المرء نفسَه أن يظل على كبريائه وعزّة نفسه، لتبقى ذكراه حية، يمجّد فيها إرادة الحياة أمام الموت والعدم، فيما هو يثب من خطر إلى خطر، ويصعد من قدر إلى قدر.

   كان شعر سعدي، في مجمله، شعرَ تمرد وقوة، ولكنه شعر  حنين ورأفة بالغة، في الوقت نفسه؛ محبة قاسية  تشبه الموت، وشعر يعرف في العزلة المضيئة لصاحبه وعمق إنسانيته، عذاباتِ الفقراء وانكساراتهم التي جاء صاحبه منها وانتمى إليها. كان سعدي ينطوي، حتى اللحظة الأخيرة من حياته، على ما يمكن أن نسميه (كبرياء الحب) التي تقدّر، على ما فيها من قسوة المحبين والعاشقين، الالتزامَ في الرأي وصلابة المعتقد، وتهزأ بالمتخاذلين والجبناء الذين أخطأوا، في طرقهم ومصالحهم المتباينة والتباس مصائرهم، قراءةَ مستجدات الواقع للحفاظ على الحدّ الأدنى من سلامة الموقف وشرف الكلمة.     

    لقد كان حسب آنئذٍ مريضا، متعبا يعاني من الوحدة والفراغ والخيبة حين بلغه خبرُ موت سعدي يوسف، ولم يتوقع أحدٌ أن ذاكرة صاحب الطائر الخشبي ونخلة الله، وروحه الشاعرة ما زالتا حيّتين، محلّقتين، وقادرتين، هكذا، على أن تكتبا في هذا الظرف الصعب والعمر المتأخر قصيدةً على هذا القدر من القوة والشجن، يرثي بها نفسه فيما هو يرثي صديقه ورفيقه في النضال والإبداع والتألّق الشعري.

 وقد كان سعدي نفسُه خلال مرضه الأخير دائمَ السؤال عن حسب، قلقًا عليه، يحثّني حين أكلّمُه على الاتصال بحسب ومعرفة أخباره، وحينما أقول له إنني عاجز عن الوصول إليه يقول لي اتصل بنسيبه الشاعر ياسين طه حافظ، فهو يعرف أخباره.

 غير أن التراسل بين الشاعرين، وجدانًا وروحًا عطشى عند الصديقين والرفيقين الشاعرين الجنوبيين كليهما، كان قائمًا، كما يبدو، على نحو آخر، ولا قبل للكلمات نفسها أن تترجمه أو تعّبر عنه. فهو “صلةٌ بالروح لا ينفع معها جسدُ”، كما يقول الجواهري في رثاء زوجِه أمِّ فرات؛ وهي، كذلك، معرفةُ الشاعر بالشاعر، والغريب بالغريب، والأديب بالأديب الذي أدركته (حرفةُ الشؤم) العراقية كما أدركتْ من قبلهما مواطنَهما أبا حيان التوحيدي الذي أحرق قبل موته ما توفر لديه من كتبه التي تمثّل عصارةَ فكره وخلاصةَ تجاربه في حياته بسبب من

“أنَّ عِياني مِنهم [من الناس] في الحياة هو الذي يُحَقِّقُ ظَنِّي بهم بَعْدَ الممات، وكَيفَ أتركها لأناس جَاوَرْتُهُم عشرينَ سَنَةً فَمَا صَحَّ لي من أحَدِهِم وِدَادٌ، ولا ظَهَرَ لي من إنسانٍ منهم حِفاظٌ، ولَقَدِ اضطررت بينهم بَعْدَ الشُّهرةِ والمعْرِفَةِ في أوقات كثيرةٍ إلى أكلِ الخُضَرِ في الصَّحراءِ وإلى التَّكفُّفِ الفاضِحِ عند الخاصَّة والعامَّة، وإلى بَيْعِ الدِّينِ والمروءة، وإلى تعاطي الرِّياءِ بالسُّمْعَةِ والنِّفاقِ، وإلى ما لا يَحْسُنُ بالحرِّ أن يرسمه بالقلمِ، ويطرح في قلب صاحبه الألَمَ”،

  فيما أوصى سعدي يوسف بحرق جثته بدلا من كتبه، ولم يُتِحْ لأحد أن يعودَه في مرضه، أو يمشيَ وراء جثته بعد وفاته، تاركًا لكتبه وحدَها أن تنوب عنه في الحديث بعد موته كما تحدثت عنه في حياته. ولم يكن حردُ سعدي وغيظُه على الناس، أو بعضهم مساويًا لما كان له من غيظ على زمنه ووجوده الشخصي نفسه، لما رآه من قلة جدوى الرحلة وتعب العمر الذي لم يكن له من خلاصة ومعنى يستخلصه في النهاية منه غير ” تفاصيل القذى في جوعة الزرزور”، كما يقول في مقطوعة كتبها أيضا عند إحساسه بالنهاية وانفراط عقد أيامه قبل موته بفترة قصيرة :

” أيّامي

وأعوامي التي انفرَطَتْ

كعنقودٍ مُصابٍ …

كَمْ تأَكّلَني السؤالُ : لأيّما سببٍ أتَينا ؟

الآنَ ،

آمَنّا بأنْ لا شيءَ يأتي من وراءِ التلِّ ،

ليس سوى تفاصيلِ القذى

في جَوعةِ الزرزور …”

ضياء خضير
عن الكاتب
ضياء خضير

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←