حينما نتحدث عن صلاح عبد الصبور في ذكراه اليوم (1931- 1981)، فإننا لا نستعيد شاعرًا من الماضي بقدر ما نستعيد تجربة أدبية وشعرية وجمالية ما تزال أسئلتها حاضرة في وعينا الشعري. ونستعيد كذلك شاعرًا لم يكن تجديده مقصورًا على الإيقاع وبنية القصيدة، وإنما امتد إلى الرؤية واللغة والصورة، وإلى علاقة الشعر بالحياة والإنسان.
نستعيده صلاح عبد الصبور أيضًا بوصفه شاعر التساؤلات الكبرى. الشاعر الذي لم يتعامل مع القصيدة باعتبارها فضاءً للإجابات الجاهزة، وإنما جعلها مجالًا للتفكير في الإنسان ومصيره، وفي الموت والحياة، والحرية والعدالة، والحقيقة والسلطة، والقلق والإيمان. ومن هنا كان الشعر عنده أكثر من صناعة جمالية؛ كان طريقة في اختبار الوجود ومساءلة العالم. إذن فاستعادة عبد الصبور عودة إلى سؤال الشعر نفسه: ماذا يستطيع الشعر أن يفعل حين يواجه الإنسان عالمًا مثقلًا بالأسئلة؟
ولعل كتابه “حياتي في الشعر” يكشف بوضوح عن هذا الوعي الذي يجعل الشعر متصلًا بالحياة اتصالًا عميقًا؛ فالتجربة الشعرية عنده ليست منفصلة عن التجربة الإنسانية، وإنما تنبع منها وتتغذى بأسئلتها وقلقها ومفارقاتها. فالشعر عنده هو الحياة. ليس لأنه يصفها وإنما يشاركها قلقها الوجودي ويخوض أسئلتها الكبرى ويبحث معها عن معنى. فحياته في الشعر كانت في جوهرها حياةً داخل السؤال. وهنا تتجلّى قيمة الشعر عنده في أن يعيد الإنسان إلى دهشته الأولى أمام الحياة. وهو ما وسم طابع الحزن والقلق والألم الذي وسَم حياته.
وصلاح عبد الصبور شاعر الرؤية والرؤيا. وقصيدته “شنق زهران” احتلت مكانة بارزة في ديوانه الأول “الناس في بلادي” (1957)، لندرك كيف يتحول الحدث الواقعي إلى سؤال شعري يتجاوز زمنه. فزهران ليس مجرد شخصية من حادثة دنشواي، بل إنسان يُستعاد من التاريخ لكي يصبح موضع مساءلة للظلم والموت والحياة والحرية. في هذا الديوان يكشف الشاعر عن واقع المجتمع المصري آنذاك. وزهران شخصيّة حقيقيّة من الصعيد المصري، وهو أحد أبطال حادثة دنشواي الذين شنقهم المحتل الإنجليزي. وقد كانت شخصيّة زهران المضطهدة شخصيّة ولوعة بالحب والشعر والغناء مناهضة للاستعمار والظلم. يقول صلاح عبد الصبور:
كان زهران صديقًا للحياة
ورأى النيران تجتاح الحياة
مدّ زهران إلى الأنجم كفا
ودعا يسأل لطفا
ربما… سورة حقد في الدماء
ربما استعدي على النار السماء…
ومن الملاحظ أنّ في هذا النص ينتقل صلاح عبد الصبور من أسئلة الواقع إلى أسئلة الحريّة والحياة والموت والإنسان. وبعدها تتابعت دواوين الشاعر، منها “أقول لكم”، و” تأملات في زمن جريح”، و”الإبحار في الذاكرة”، و”أحلام الفارس القديم”، و”شجر الليل”، وغيرها.
فقد وضع عبد الصبور تجربته الشعريّة في صميم التجربة الإنسانيّة. فهو لا يكتب عن الحياة بقدر ما يكتب من داخلها من خلال مؤلفاته كذلك. و”تبقى الكلمة” و”في مدينة العشق والحكمة” و”رحلة على الورق” بالإضافة إلى العديد من مؤلفاته الغزيرة. وتنوَّعت تأثيرات صلاح عبد الصبور من الشعر العربي القديم الذي قدّم له قراءة جديدة من خلال مؤلفه “قراءة جديدة لشعرنا القديم”، وبالتراث الصوفي كالحلاج وبشر الحافي، كما تأثر بالشعر الإنجليزي والفرنسي والألماني عند كلٍّ من إليوت وكيتس وبودلير وريلكه…
يبقى صلاح عبد الصبور من أهم رواد الشعرية العربية الحديثة، وأحد رواد حركة الشعر الحر. وهو كذلك من رواد المسرح الشعري العربي الحديث الذي كان أمير الشعراء أحمد شوقي الأب الحقيقي لهذا المسرح، ومن بعده عبد الرحمان الشرقاوي ونجيب سرور.. وكان صلاح عبد الصبور أيضًا روائيًّا ومترجمًا، وفيلسوفًا وأديبًا ومؤرّخًا. وامتدت تجربته إلى فنون أخرى كالرسم والموسيقى. لقد أدرك عبد الصبور، مبكرًا، أن القصيدة الحديثة لم تعد قادرة على أن تنحصر في حدود شكل واحد. فالشعر في تجربته يتجاور مع الدراما، والحوار يتداخل مع الإيقاع، والشخصية التاريخية تتحول إلى حامل لرؤية شعرية، والسرد يصبح جزءًا من البناء الشعري. لقد أدرك عبد الصبور، مبكرًا، أن القصيدة الحديثة لم تعد قادرة على أن تنحصر في حدود شكل واحد. فتجاورت أشعاره مع فنون كتابيّة وبصريّة التي هي سمة الشعر الحديث والمعاصر. فعمل على توسيع الشعر وامتداده إلى المسرح ليمنح لشخصياته أصواتًا وأجسادًا تتحرّك في فضاء درامي، فتتحوّل القصيدة من صوت فردي إلى حوار متعدد الأصوات، وتتجسد أسئلتها الكبرى في صراع حيّ بين الإنسان وذاته والعالم والسلطة والمصير. فلا يسأل عن الحريةوالظلم والعدل والحقيقة بوصفها قضايا فكرية مجردة، وإنما يجعلها تعيش داخل الشخصيات والصور والحوار والإيقاع. فالشعر عند عبد الصبور هو شكل من أشكال التفكير في الوجود، لكن التفكير لا يأتي في صورة فلسفة مجردة، بل يتحول إلى شعر وحياة وشخصيات ومواقف وصور.
واللافت أن عبد الصبور لا يسقط في المباشرة الخطابية، وإنما يستعين بالحكي، وبالتفاصيل اليومية، وباللغة القريبة من الوجدان الشعبي، ويستعين بتقنيّة الاسترجاع، والحس الدرامي، وغالباً ما يبدأ بناؤها من النهاية ثم يعود إلى البداية ليكشف أسباب المأساة. هكذا تبقى قصيدة صلاح عبد الصبور مفتوحة على السؤال ومفتوحة على الأجناس وعلى الإنسان والعالم.