ترجمة

صُنوف الخديعة

مصطفى رياض مصطفى رياض 16.08.2026

الحريري. (2020). صُنوف الخديعة. (ترجمة: م. كوبرسون). مطبعة جامعة نيويورك.

المَقَامَاتُ فِي ثَوْبٍ إِنجِلِيزِيٍّ: التَّثَاقُفُ وَالترْجَمَةُ الأُسْلُوبِيَّةُ

مصطفى رياض

يقدم الناقد والمفكر المغربي عبد الفتاح كليطو في تصديره لكتاب “المقامات” للحريري قراءةً تحليليّةً عميقةً لنشأة شخصية المحتال الأديب في الأدب العربي، مبيّنًا كيف استطاع الهمذاني والحريري صياغة نمطٍ أدبيٍّ فريدًا يقوم على الجمع بين التضلع في علوم اللغة وبين الاحتيال والتسول بلا حياء. ويرى كليطو أن الخداع والتصنع يمثلان الجوهر الأصيل لهذه الشخصية، حيث تتحول الأدبيات والشعر إلى أدواتٍ للمخادعة ونيل المآرب. وعلى الرغم من أن الحريري يمتدح سلفه الهمذاني في مقدمته، إلا أن نص المقامات يضمر خصومةً وتنافسًا واضحًا؛ إذ يزعم بطل الحريري، أبو زيد السروجي، تفوقه على بطل الهمذاني، أبي الفتح الإسكندري. وقد تقبل الجمهور هذا الادعاء عبر سبعة قرون، الأمر الذي أدى إلى أفول نجم الهمذاني وتفوق النسخة المقلدة على الأصل، فلم يستعد المبتكر الأصلي مكانته إلا في أواخر القرن التاسع عشر.

ويتطرق كليطو إلى ما واجهه الحريري من اتهاماتٍ بالسرقة الأدبية والانتحال؛ إذ سرعان ما سرت في بغداد شائعةٌ مفادها أن الحريري ليس المؤلف الحقيقي للمقامات، بل عثر على مخطوطةٍ في خُرجٍ لأحد المغاربة أخذها الأعراب سلبًا ثم بيعت في البصرة، واشتراها الحريري لينسبها لنفسه. وكان الحجة الأساسية للمشككين هي اختلاف أسلوب المقامات عن بقية مصنفات الحريري السابقة، الأمر الذي جعلهم يفترضون أن الكاتب رحالةٌ مغربي. ويستنكر كليطو هذا التفكير الذي يسجن الكاتب في أسلوبٍ واحدٍ ثابتٍ ويجعله أسيرًا له، مستشهدًا بمقولة والت ويتمان التي أوردها بورخيس حول التناقض واحتواء التعدد؛ إذ إن شخصية الحريري، وكذلك بطل المقامات أبا زيد، تتسم بالتعدد والتغير المستمر واستعراض أشكالٍ متجددةٍ من الذات.

ويحلل كليطو طبيعة أبي زيد السروجي الذي طُرِد من مسقط رأسه “سروج” على يد الصليبيين، فيخوض حياة التشريد ويعتمد على فصاحته وبلاغته لاستجداء العطايا. فالجمهور لا يمنحه المال شفقةً بل انبهارًا بقدراته اللغوية والاستعراضية، الأمر الذي يجعل الاحتيال لديه فنًّا وقوامًا للحياة. ويتنكر أبو زيد في كل مقامةٍ بشخصيةٍ جديدة؛ فتارةً يظهر في صورة رجلٍ أعمى، وتارةً كشخصٍ أعرج، أو قاضٍ، أو واعظ، بينما يتبعه الراوي الحارث بن همام كظله، متقصيًا أثره ومتنقلًا معه. ويشير كليطو إلى أن أبا زيد يبرر ألاعيبه بالدهر وتقلباته؛ فالدهر هو المحتال الأكبر، وأبو زيد ليس إلا تجسيدًا واستعارةً للدهر وتقلباته. كما تتجلى هذه المراوغة في التقنيات البلاغية مثل “التورية” و”الجناس العكسي”؛ حيث يمكن قراءة بعض النصوص طردًا وعكسًا بنفس المعنى أو بمعانٍ مختلفة، الأمر الذي يعكس الاضطراب الكوني والتغير الذي يحدثه الدهر في العالم.

وعلى صعيد البنية الهيكلية، يلاحظ كليطو أن المقامات لا تسير وفق تسلسلٍ روائيٍّ خطيٍّ تقليدي، غير أن المجموع يحتوي حبكةً عامةً تنقسم إلى خماسياتٍ ذات أبنيةٍ موضوعيةٍ وبلاغيةٍ متناسقة. ويتجلى الخيط الناظم للكتاب في التواجد المستمر للبطل والراوي، وفي البحث الدائم عن “الأدب” بمفهومه الشامل الذي يجمع بين المهارة اللغوية والسلوك الفاضل. وفي المقامة الخمسين والأخيرة، يحدث تحولٌ غير متوقع؛ إذ يعلن أبو زيد توبته في جامع البصرة الكبير، مستغفرًا ومستجديًا رحمة الله. ورغم شك الحارث الأولي في صدق هذه التوبة واعتبارها حيلةً جديدة، يتضح لاحقًا أن توبته كانت نصوحًا وصادقة؛ إذ يعود أبو زيد إلى سروج بعد تحريرها، ويعتزل الدنيا تمامًا، مقتصرًا في قوته على الخبز والزيت، ومنصرفًا عن أشكال الأدب والبلاغة كافة إلى المناجاة والوعظ ومخاطبة الخالق وحده، رافضًا التنكر والتصنع، ومتخذًا من الزهد لباسًا أخيرًا لا يخلعه.

ويختتم كليطو عرضه بالوقوف عند الموقف الوجداني للحارث بن همام، الذي يبكي لفقدان أستاذه ومربيه في الأدب، غير أنه لا يتبع طريق الزهد ولا يتخلى عن عشق اللغة والأدب، الأمر الذي ينطبق أيضًا على الحريري وعلى قارئ المقامات بصفةٍ عامة. فالتوبة الأدبية لأبي زيد لا تعني القضاء على الأدب، بل تترك للمتلقي نصًّا خافقًا بالجمال والدهشة، حيث يظل العمل احتفاءً باللغة العربية وقدراتها التعبيرية الفائقة، ليؤكد كليطو أن السر في استمرارية هذا المصنف الأدبي الخالد يكمن في قدرته على تحويل الخداع والتصنع إلى فنًّا راقيًا يسحر الألباب.

ويقدم المترجم مايكل كوبرسون في مقدمته الشاملة لكتاب “المقامات” للحريري رؤيةً نقديةً وترجميةً استثنائيةً، يستعرض فيها تاريخ هذا العمل الأدبي الفريد، والتوجهات الفكرية المتعددة في قراءته، فضلًا عن التحديات الاستثنائية التي واجهته أثناء نقل هذا النص إلى اللغة الإنجليزية. ويبدأ كوبرسون بالإشارة إلى نشأة هذا الفن الأدبي على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري، وتحديه لأقرانه بالمجال عبر الارتجال والكتابة المشروطة، ليأتي القاسم بن علي الحريري في القرن الخامس الهجري متنافسًا مع الحريري المبتكر، ومستحدثًا خمسين مقامةً تتميز ببنيةٍ أكثر تماسكًا، وصياغةٍ لغويةٍ أشَدّ إحكامًا وتطريزًا بالألعاب اللفظية، مثل الرسائل الخالية من النقط، والنصوص المقلوبة، والألغاز الفقهية، الأمر الذي جعل هذا المصنف ينال حظوةً وشهرةً واسعةً لم يحظَ بمثلها عملٌ أدبيٌّ آخر في التراث العربي.

ويتطرق كوبرسون إلى الاختلاف في تفسير المغزى من المقامات بين النقاد والدارسين؛ إذ يراها فريقٌ من الباحثين المعاصرين سخريةً تهكميةً ومحاكاةً ساخرةً من الخطاب الديني وأساليب المحدثين، بينما ينظر إليها آخرون بوصفها أداةً تعليميةً وتأويليةً تدرب القارئ على التعامل مع النصوص المركبة والمتعددة الدلالات كالقرآن الكريم. ويطرح كوبرسون رؤيةً عميقةً تتناول اللغة العربية ذاتها كبطلٍ أساسيٍّ في النص؛ فالعربية لغةٌ ذات طابعٍ قدسيٍّ يرتبط بالوحي، غير أنها حين تُستخدم في عالم البشر تصبح عرضةً للتلاعب، فيستخدمها أبو زيد السروجي للخداع والاحتيال، دون أن تفقد تلك اللغة جمالها البهي ونورها الأصيل. فالألعاب اللفظية والمعجزات اللغوية التي يؤديها أبو زيد ليست مجرد حيلٍ فارغةٍ، بل هي تجسيدٌ للطبيعة المذهلة للسان العربي الذي يتجاوز الواقع المادي، الأمر الذي يجعل رحلة الراوي الحارث بن همام في طلب الأدب بمثابة بحثٍ روحيٍّ عن الجمال والمطلوب في عالمٍ ملؤه الخداع.

وفيما يتعلق بمنهجية الترجمة، يناقش كوبرسون قضية “عدم إمكانية الترجمة” التي ارتبطت بمقامات الحريري تاريخيًّا؛ نظرًا لاعتمادها المكثف على السجع، والجناس، والتطريز اللفظي المرتبط بخصائص أبجدية اللغة العربية. ويستعرض كوبرسون تاريخ الترجمات السابقة للمقامات؛ بدءًا من الترجمات الترسيمية بين السطور إلى اللغة الفارسية، مرورًا بجهود يهوذا الحريزي الذي نقلها إلى العبرية في القرون الوسطى مستخدمًا السجع والعبرية التوراتية، وصولًا إلى محاولات المستشرقين الأوروبيين في القرن التاسع عشر كدي ساسي، وركيرت في الألمانية، وباراديس، ثم تشينري وستينغاس في الإنجليزية. ويرى كوبرسون أن الترجمات الإنجليزية والفرنسية السابقة كانت تتسم بالحرص اللفظي الجاف، مما جعلها تعامل النص كمادةٍ دراسيةٍ تعليمية بدلاً من كونه عملاً أدبيًّا ممتعًا، الأمر الذي حال دون اندماج المقامات في الثقافة الأدبية الأنجلوفونية، بعكس الترجمات العبرية والألمانية والروسية التي لاقت نجاحًا واستحسانًا واسعًا بفضل جرأتها في المحاكاة والابتكار.

ولفك هذا الاستغلاق ولتجاوز فخ الترجمة الحرفية، اعتمد كوبرسون استراتيجيةً قائمةً على التثاقف والترجمة الأدائية، مُستلهمًا كتاب “تمارين في الأسلوب” للكاتب الفرنسي ريمون كينو. وتستند هذه الخطة إلى التخلي عن فكرة السجع الإنجليزي التقليدي الذي قد يضفي طابعًا من الهزلية غير المقصودة، والاستعاضة عنه باستخدام التنوع الأسلوبي والتمايز اللغوي الزاخر الذي تتمتع به اللغة الإنجليزية عبر تاريخها وجغرافيتها. فلترجمة كل مقامة، يختار كوبرسون أسلوبًا أو لهجةً إنجليزيةً متميزةً تتناسب مع المضمون أو البنية البلاغية للمقامة الأصلية؛ فتارةً يحاكي أسلوب كتابٍ كبار مثل تشوسر، وجون ليلي، وفرجينيا وولف، ومارك توين، وكونان دويل، وتارةً يستخدم لهجاتٍ إقليميةً عالمية مثل الإنجليزية السنغافورية (السينغليش)، والأسكتلندية، والإنجليزية الهندية، ولهجة تشيكانو (الإسبانية-الإنجليزية)، وتارةً أخرى يعتمد لغاتٍ قطاعيةً وتخصصية كعامية اللصوص في نيويورك، وأسلوب الإدارة والإدارة الحديثة، والمصطلحات القانونية، وأسلوب الخياطة والغزل.

ويؤكد كوبرسون في ختام مقدمته أنه يدرك التحديات الأخلاقية والأدبية المتعلقة باستخدام التنوعات اللغوية والثقافية المتعددة، موضحًا أنه يتعامل مع كافة التنوعات اللغوية بوصفها لغاتٍ كاملة النضج وقادرةً على التعبير الأدبي الرفيع. ويرى أن الهدف الأساسي من هذه التجربة هو تقديم عرضٍ أدائيٍّ موازٍ ينقل روح الأصالة والابتكار الموجودة في نص الحريري، احتفاءً باللغة وقدرتها الساحرة على التجدد. ويتفق كوبرسون مع المفهوم الذي يرى أن النص العصي على الترجمة ليس نصوصًا ممتنعةً عن النقل بالكلية، بل هو العمل الذي ينفتح على محاولاتٍ وترجماتٍ لا متناهية، مبيّنًا أن كل محاولةٍ لترجمة الحريري تتضمن قدرًا من الفشل المحتوم، غير أنه محاولةٌ ضرورية لإبراز عبقرية هذا العمل التراثي الخالد للمتلقي الحديث، الأمر الذي يجعل الترجمة المبتكرة بمثابة بعثٍ جديدٍ للنص في ثقافةٍ ولغةٍ أخرى.

مصطفى رياض
عن الكاتب
مصطفى رياض

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←