أفكار للمستقبل

الإنتلجنسيا الإصطناعية الجديدة القسم الثاني 2/3

فلاح حكمت فلاح حكمت 13.07.2026

 روها بنجامين*

ترجمة وتقديم: فلاح حكمت إسحق

   الفكرة هنا هي أنّ دُعاة هذه الإنتلجنسيا الإصطناعية يجرّوننا جرّاً إلى مستقبلٍ إشكالي شديد التطرّف، حيث يُقاسُ الذكاء ويُثبّتُ ويُصنّفُ، ويُقدّسُ فيه الذكاء فقط ولا شيء سواه. حريٌّ بنا أن نتذكر أنّ معدّل الذكاء، قبل كل شيء، مفهومٌ لتحسين النسل، مُفتعلٌ لفرز الناجحين من الخاسرين ولتبرير قواعد اللعبة المسمّاة  تحسين النسل Eugenics… في القرن الحادي والعشرين… بين مَن يعتبرون أنفسهم روّاد طلائع المستقبليين.

                                              *****

   لن ننسى أنّ تحسين النسل كان في الأصل فلسفةً وحركةً روّج لها التقدميون الإجتماعيون. اعتبر العديدُ من أعاظم علماء تحسين النسل أنفسهم حُرّاساً على البشرية، يعملون على ضمان ازدهارها من خلال تنمية الجينات الجيدة (بواسطة مسابقات أفضل المواليد Better Baby Contests) واستئصال الجينات السيئة (بواسطة التعقيم sterilization). كان من بينهم (هذه أمثلة فحسب) مخترعون مثل ألكسندر غراهام بيل، وعلماء مثل فرانسيس كريك الحائز على جائزة نوبل، وسياسيون مثل تيدي روزفلت، وكتّاب محبوبون مثل هيلين كيلر وهربرت جورج ويلز، وعدد لا يُحصى من رؤساء الجامعات وأساتذتها. في الواقع، ساهم هاري تشاندلر، ناشر صحيفة لوس أنجليس تايمز من عام ١٩١٧ إلى عام ١٩٤٤، في ترويج تحسين النسل، ودعا إلى التعقيم لمعالجة المشكلات الإجتماعية. كان مقرّ مركزهم البحثي الرئيسي، مؤسسة تحسين النسل البشري، في جنوب كاليفورنيا، وليس في ألاباما أو ميسيسيبي. وبمصطلح اليوم، كانت المؤسسة “مؤثرة” في السياسات، وساهمت في نشر مفهوم تحسين النسل، ونسجت “روابط بين الجهات الفاعلة الرئيسية في القطاع الخاص ومسؤولي الدولة الذين نفّذوا هذا العمل”. خذوا على سبيل المثال الكاتب المسرحي الأيرلندي العظيم والناشط والحائز على جائزة نوبل للآداب، جورج برنارد شو George Bernard Shaw الذي جادل بأنّ “الإشتراكية الأساسية والممكنة الوحيدة هي تأميم التربية الإنتقائية للإنسان”، والذي كتب غير مرّة  أنّ “الإطاحة بالأرستقراطيين خلقت ضرورة وجود سوبرمان”. أو خذوا على سبيل المثال المدافعة الصريحة عن حقوق المرأة الإنجابية (وعشيقة هـ. ج. ويلز) مارغريت سانجر Margaret Sanger، التي زعمت عام ١٩٢١ أنّ “المشكلة الأكثر إلحاحاً اليوم هي كيفية الحد من فرط الخصوبة لدى ذوي الإعاقات العقلية والجسدية وتثبيطها”. إذا كان علماء تحسين النسل في الماضي يعتبرون عملهم تقدمياً، فإنّ مَنْ  يسمّون أنفسهم بالمستقبليين الذين يبيعوننا أوهام الذكاء الإصطناعي هُمْ  بوادر علم تحسين نسل جديد. كما في الماضي، يُغلّفُ علم تحسين النسل 2.0 -الذي يُنادي به مُبشّرو التقنية- لغةَ التحسين؛ لكنهم يسعون إلى ما هو أبعد من مجرد تحسين البشر. في الواقع، ربما يُمكن فهم رؤيتهم للعالم على أفضل وجه باعتبارها مؤيدة للإنقراض؛ إذ يُجادل توريس بأنّ هؤلاء المُستقبليين البعيدين مُتحمسون لتخلي “البشر القدامى” عن مكانتهم لنوعٍ من البشر  يوصفون بأنّهم ما بعد البشر Post-Human، أذكى وأقوى وأكثر تطوراً من البشر البيولوجيين العاديين. يَعِدُنا الذكاءُ الإصطناعي بإرشادنا إلى هذا المستقبل حيث نتخلص من ملابسنا البشرية الفانية، ونسبح في واقعٍ رقميٍّ مُبهج، ونندمج مع التقنية الرقمية (“التفرد Singularity“) و/أو نتجاوزها لنبلغ مرحلة (ما بعد الإنسانية). إنهم يُنادون بالإعتماد على العلم والعقل، وهي عقلانية غالباً ما تُفَسَّرُ على أنها تفكير كمي، إذا أردنا خلق خيرٍ دائمٍ وذي معنى في العالم ( مفهوم الإيثار الفعال Effective Altruism؛ في حين يُعطي المتشدّدون الأولوية للبقاء في المستقبل البعيد (النظرية طويلة المدى) على حساب المخاوف قصيرة المدى المزعجة كالفقر والأوبئة والإبادة الجماعية. يُشير ويليام ماكاسكيل William MacAskill، أحد مؤسسي الإيثار الفعال والفيلسوف في معهد الأولويات العالمية بجامعة أكسفورد، في كتابه الصادر عام ٢٠٢٢ بعنوان “ما ندين به للمستقبل What We Owe the Future، إلى أنّنا “يمكننا توجيهُ المستقبل بشكل إيجابي مع تحسين الحاضر أيضاً”. ومع ذلك، يُجادل الفيلسوف توبي أورد Toby Ord من جامعة أكسفورد، زميل ماكاسكيل في تأسيس حركة الإيثار الفعال، في كتابه الصادر عام ٢٠٢٠ بعنوان “الهاوية: الخطر الوجودي ومستقبل البشرية The Precipice: Existential Risk and the Future of Humanity“، بأنْ “نظراً لأنّ […] حياة البشرية بأكملها تقريباً تكمن في المستقبل، فإنّ كل شيء ذي قيمة تقريباً يكمن في المستقبل أيضاً […] إن المخاطرة بتدمير هذا المستقبل، من أجل ميزة تقتصر على الحاضر فقط، تبدو لي ضيقة الأفق وقصيرة النظر بشكل خطير. […] إنها تُعطي إمتيازاتٍ لأقلية ضئيلة من البشر على حساب الأغلبية الساحقة التي لم تولدْ بعدُ. إنها تُعطي امتيازاً  لهذا القرن بالتحديد على حساب الملايين، أو ربما المليارات، التي لم تأت بعدُ.

فلاح حكمت
عن الكاتب
فلاح حكمت

كاتبٌ في المُنتدى العالمي للغة العربية.

صفحة الكاتب ←