عضو لجنة الاستعراب والاستشراق في المنتدى العالمي للغة العربية:

المستعرب الإيطالي ألدو نيكوسيا وآخر إصداراته

 باهرة عبد اللطيف

يعدّ ألدو نيكوسيا واحدًا من أبرز المستعربين الإيطاليين المعاصرين الذين انفتح اهتمامهم على الثقافة العربية الحديثة بوصفها فضاءً حيًّا متعدد الأصوات، لا محض موضوع أكاديمي تقليدي.

ينتمي الأستاذ نيكوسيا إلى صقلية، تلك الجزيرة المتوسطية التي احتفظت عبر تاريخها الطويل بآثار عميقة للحضور العربي الإسلامي، الأمر الذي انعكس بوضوح على اهتمامه الفكري والثقافي بالعالم العربي، وعلى نظرته إلى العلاقة بين الضفتين الشمالية والجنوبية للمتوسط بوصفها علاقة تفاعل تاريخي وثقافي متبادل.

تخصّص ألدو نيكوسيا في اللغة العربية وآدابها، وعمل أستاذًا وباحثًا في الجامعات الإيطالية، ولا سيما في جامعة باري  Aldo Moroحيث كرّس جانبًا مهمًا من نشاطه الأكاديمي لدراسة الأدب العربي الحديث والسينما العربية والترجمة وقضايا الهوية والثقافة المتوسطية. وقد تميّز مشروعه الفكري بابتعاده عن النموذج الاستشراقي الكلاسيكي ذي النزعة الكولونيالية الذي طبع بعض المدارس الأوروبية القديمة، وتركيز جهوده نحو قراءة الثقافة العربية من داخل تحوّلاتها الاجتماعية والسياسية والجمالية المعاصرة.

واهتم الأستاذ نيكوسيا بشكل خاص بالعلاقة بين الرواية العربية والسينما، ودرس تحوّل النصوص الأدبية إلى أعمال سينمائية، مع التركيز على التجارب المصرية والفلسطينية والمغاربية. وفي هذا السياق أصدر كتابه المهم Il romanzo arabo al cinema  الذي تناول فيه أعمال كتّاب كبار مثل نجيب محفوظ وغسان كنفاني، محللًا كيفية انتقال الرواية العربية من النص إلى الصورة، وتأثير الرقابة والسياسة والتحولات الاجتماعية في هذا المسار.

كما عُرف باهتمامه بالسينما العربية بوصفها مرآة للتحولات الفكرية والسياسية في المجتمعات العربية، وهو ما ظهر في كتابهIl cinema arabo  الذي يُعد من المراجع الإيطالية المهمة في هذا المجال. ولم يقتصر نشاطه على البحث الأكاديمي بل امتد إلى الترجمة والتعريف بالأدب العربي الحديث في إيطاليا، إذ ترجم أعمالًا لعدد من الكتّاب العرب وأسهم في نقل أصوات عربية معاصرة إلى القارئ الإيطالي.

المستعرب الإيطالي ألدو يُدرّس الأدب العربي الحديث والمعاصر ويتابعه بشغف كبير، لأنه يجد فيه مرآة حيّة لمجتمعات وشعوب تسعى إلى التعبير عن قيمها الإنسانية العليا وأصواتها العميقة وتنجح في إنتاج جماليات وفنون متميزة حتى في أكثر الظروف قسوة ومأساوية. ويضيف: ربما على الغرب،على سبيل المثال، أن يتعلّم من التجربة الفلسطينية معنى التشبث بالأرض والاستعداد للتضحية من أجلها.

وهو يثق في أن إيصال صوت الإنسان العربي إلى العالم الغربي لا يقتصر على الأدب وحده، بل يمتد أيضًا إلى المسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية وغيرها من أشكال التعبير الثقافي. ومن هنا فهو يؤمن بأن المترجم يستطيع أن يبني جسورًا حقيقية بين أوروبا والعالم العربي، لا عبر الكلمات فقط، بل عبر نقل الرؤى الإنسانية والحساسيات الثقافية أيضًا.

ومع ذلك فهو يقرّ بوجود تضليل ممنهج في بعض وسائل الإعلام الإيطالية يصل إلى حد الاستخفاف أحيانًا بمصير الفلسطينيين ومعاناتهم، وهو ما يبعث على الخجل والرفض الأخلاقي. ويعزو لهذا السبب محدودية التضامن مع القضية الفلسطينية داخل الجامعات، على الرغم من الجهود التي يبذلها هو وزملاؤه في توعية الطلبة وتعريفهم بحقائق الواقع.

وتكشف كتابات المستعرب ألدو نيكوسيا ومقابلاته عن رؤية إنسانية وحوارية للثقافة العربية، رؤية تقوم على فكرة المتوسط المشترك والتداخل الحضاري بين أوروبا والعالم العربي، وهو ما يضعه ضمن جيل جديد من المستعربين الإيطاليين الذين تعاملوا مع العربية بوصفها لغة ثقافة وإبداع حيّ، لا محض مادة للدراسة الفيلولوجية أو التاريخية فحسب. (يمكن متابعة بعض الحوارات المنشورة معه على شبكة الإنترنت)

المستعرب ألدو في المنتدى العالمي للغة العربية فوملار:

شارك الأستاذ ألدو نيكوسيا في أكثر من ندوة ضمن أنشطة المنتدى العالمي للغة العربية، من بينها الاحتفالية التي أقامها المنتدى في اليوم العالمي للغة العربية في كانون الأول/ ديسمبر 2025 والتي خصصت لـ “تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها: تجارب مقارنة ورؤى مستقبلية”، مع مجموعة من الأساتذة العرب والمستعربين في المنتدى:

كما قدم في الشهر الماضي، ضمن برنامج لجنة الاستعراب والاستشراق في المنتدى التي هو عضو فيها، ندوة أخرى عن “صورة الطليان في الأدب العربي”:

آخر أعماله في الترجمة:

نشر المستعرب الإيطالي المعروف ألدو نيكوسيا، فضلا عن أعماله السابقة المتعددة، ترجمة إيطالية لعمل سردي فلسطيني انتقاه بعناية وقصدية تضامنية. فقد صدر له في الشهر الماضي، عن دار نشر Edizione Q, Roma، كتابًا يضم حكايتين طويلتين كتبهما الشهيد الفلسطيني الأسير وليد دقة (1961-2024) في السجن هما: “سر الزيت” (2018) و”سر السيف” (2021). في الحكاية الأولى، ينطلق الطفل جود، ذو الإثني عشر عامًا، برفقة أصدقائه (أرنب، عصفور، قط، كلب، وحمار) في مهمة شبه مستحيلة لزيارة والده الأسير في سجون إسرائيل، في أول لقاء به في حياته، لأنه ولد من نطفة مهرّبة.

في “سر السيف” يقدم الكاتب مغامرة شيقة أخرى إذ يبحث جود الذي بلغ الخامسة عشرة من عمره، بمساعدة أصدقائه من الحيوانات المذكورة، عن مفتاح قبو في قرية مهجورة عام 1948 ليحكي قصة جدته فريدة والشعب الفلسطيني.

وفي الحكايتين تصبح الأسرار الكامنة في “الزيت” و”السيف ” مفاتيح لفهم الجذور الثقافية والهوية الفلسطينية.

وهكذا يعبر وليد دقّة، من خلال هاتين الحكايتين، عن إبداع الخيال الذي يحاكي الواقع  ليؤكد المقاومة الفلسطينية للاحتلال المستمر في عملية الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين.

والمعروف أن الأديب الفلسطيني وليد وليد دقّة (1961-2024) كان مناضلا فلسطينيا أُسر منذ عام 1986 وحكم عليه بالإعدام في البداية، ولاحقًا خفف الحكم بالسجن 37 عامًا، وسنتين إضافيتين بزعم ضلوعه في قضية إدخال هواتف نقالة للأسرى. ويعدّ الشهيد دقّة من أبرز مفكريّ الحركة الأسيرة، فقد كتب عددًا من المقالات والكتب منها يوميات المقاومة في جنين، الزمن الموازي، وكتب في الأسر كتابه “صهر الوعي” الذي يرصد أساليب الاحتلال المتطوّرة ضدّ الأسرى لمحاربة وعيهم، فضلًا عن كثير من المقالات السياسية والفكريّة، وكما يقول عنه باسم خندقجي الروائي المناضل المحرَّر: “وليد عنده دِقة في التوصيف والتحليل لواقع السجن، هو لا يحلّل فقط السجن، بل يحلّل الظرف الاستعماري بالكامل”.

 فضلًا عن رواية “حكاية سرّ الزيت” الصادرة عن مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي عام 2018، وقد فازت هذه الرواية في العام نفسه بجائزة الاتصالات عن أدب اليافعين في العالم العربي من دولة الإمارات العربية المتحدة،  كتب روايته الثانية في أدب اليافعين “سر السيف” عام 2022. ورحل وليد دقّة قبل أن يكمل الجزء الثالث من الثلاثية “حكاية سر اللطف” عن شهداء الثلاجات والأسرى الفلسطينيين.

استشهد وليد دقة عام 2024 متأثرا بإصابته بالسرطان، وقد أعلنت هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير، في بيان مقتضب، عن استشهاد دقّة داخل مستشفى “آساف هروفيه” جراء سياسة الإهمال الطبي المتعمد والقتل البطيء التي تتبعها إدارة سجون الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين المرضى. 

وهكذا اختتم 38 عاما من المقاومة والنضال في سجون الاحتلال، وما زالت جثته  محتجزة عند قوات الاحتلال. خلال فترة سجنه تخرج من الجامعة وحصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية،  وكتب قصصًا ومقالات، وتزوج من محاميته التي أنجبت ابنة عن طريق تهريب نطفته من السجن.

موجز سيرة ذاتية:

د. ألدو نيقوسيا – إيطاليا (مواليد 1968)
-أستاذ محاضر في اللغة العربية والأدب العربي الحديث بجامعة باري – إيطاليا منذ عام 2012. حصل على دكتوراه عام 2004 ببحث حول الرقابة في السينما العربية (1967–1999)، ويدرّس العربية وآدابها في الجامعات الإيطالية منذ 2003.

– كتب مقالات نقدية بالعربية والايطالية والانكليزية عن كتّاب عرب معروفين من بينهم: الكوني وحيدر حيدر وأبو القاسم الشابي والبشير خريف وأميرة غنيم وأحمد خيري العمري وشعراء الحداثة في القرن العشرين، فضلًا عن تحليل ترجمات روايات كتاب إيطاليين الى العربية.

– له تجربة ميدانية في الترجمة التتبعية، فقد عمل في مجال حماية اللاجئين الناطقين بالضاد لعدة سنوات.

-له اهتمام بحثي واسع في السينما العربية، اللهجات العربية، علم الترجمة والديناميات الاجتماعية-اللغوية في مالطا والمغرب العربي ومصر.

مؤلفاته

أصدر عدة دراسات حول السينما العربية، أبرزها:

1. السينما العربية (2007) – تاريخ السينما العربية

2. الرواية العربية في السينما (2014) – اقتباسات من روائع الأدب العربي

3. المثقفون والرقابة في السينما المصرية (1952–1999) (2025)

ترجمات أدبية

من الإيطالية إلى العربية:

  • كتاب المنطقة. محافظة تراباني في صقلية (1999)

من العربية إلى الإيطالية:

• رواية ليل ونهار لسلوى بكر (2018)

• “كشري” . مختارات قصص عربية ومالطية (2021)

• “بدايات” . مختارات من روايات عربية صدرت بين 2011 و 2023 (2024)

• شهادات من داخل غزة (2025) مع مجموعة من المترجمين

عضويات علمية

• جمعية الدراسات حول الشرق الأوسط – إيطاليا ( Sesamo)

• الجمعية الأوروبية للأدب العربي الحديث (EURAMAL)

• الجمعية الدولية للهجات العربية (AIDA)

• عضو في هيئات تحرير مجلات بحثية دولية

*****