لم أكن أتوقع، بعد نحو عشرين عامًا من مشاركتي في البدايات الأولى لتأسيس البيت العربي (كاسا أرابي (Casa Árabe في مدريد، أن أكتب يومًا دفاعًا عن رسالته الثقافية! فقد كنت من أوائل العاملين في المؤسسة قبل افتتاحها الرسمي عام 2006، وشاركت في مراحلها الأولى، قبل أن أستقيل بعد بضعة أشهر وأعود إلى عملي في الترجمة الفورية والتحريرية. غير أن صلتي بالمؤسسة لم تنقطع، وظللت أتابع مسيرتها من خلال عملي مترجمة فورية في مؤتمراته وفعالياته ومحاضراته، وعبر ترجماتي لكتب ومنشورات صدرت عنه، أو بوصفي محاضرة فيه. وقد شهدت خلال عقدين من الزمن مراحل ازدهار، وأخرى من التراجع، تبعًا لمكانة العلاقات العربية الإسبانية في أولويات الحكومات المتعاقبة.
ومن موقع الشاهد على البدايات، أكتب اليوم دفاعًا عن فكرة أكبر من مبنى، وأبقى من إدارة، وهي فكرة الحوار الثقافي بين العرب وإسبانيا.
لقد أثار قرار بلدية مدريد استعادة مبنى Escuelas Aguirre، وهو المقر الممنوح للبيت العربي “كاسا أرابي” منذ افتتاحه، نقاشًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والثقافية، بين من يرى أن القرار يندرج في إطار إعادة تنظيم استخدام الممتلكات العامة وترميم المبنى التاريخي (وهي الحجة التي ساقتها بلدية مدريد التي يهيمن عليها الحزب الشعبي اليميني المعارض مع رئاسة إقليم مدريد للحكم الذاتي) ومن يعده انعكاسًا للتجاذبات السياسية في المشهد الإسباني. ولكن يبقى السؤال الأهم: كيف نحمي المؤسسات الثقافية من أن تصبح ضحية للخلافات السياسية؟
لقد تأسس البيت العربي “كاسا أرابي” بمقرّه الرئيس في مدينة مدريد عام 2006، وبمقر آخر لاحقًا في قرطبة، ضمن رؤية إسبانية متقدمة للدبلوماسية الثقافية تقوم على بناء جسور الحوار مع مختلف الثقافات الأخرى. فهو جزء من شبكة مؤسسات تضم بيت أمريكا (Casa de América) وبيت آسيا (Casa Asia) وبيت إفريقيا (Casa África) ومركز سفاراد-إسرائيل (Centro Safarad-Israel) وغيرها، في إطار قناعة الحكومة الإشتراكية يومذاك بأن الثقافة والمعرفة عنصران أساسيان في بناء العلاقات الدولية الحديثة، وأداة مهمة للدبلوماسية الإسبانية الناعمة.
ومن هذا المنطلق، لم يكن البيت العربي مشروعًا موجهًا إلى العرب وحدهم، بل فضاءً إسبانيًا للحوار مع العالم العربي، يجمع العرب والإسبان، ويستقبل الباحثين والطلاب والدبلوماسيين والفنانين والمهتمين من مختلف الجنسيات، ليكون منصة للتعارف وتبادل المعرفة.

وعلى مدى عقدين من الزمن، احتضنت المؤسسة مؤتمرات دولية، ومعارض فنية، وندوات فكرية، وبرامج تعليم اللغة العربية، وأسهمت في تقديم صورة أكثر عمقًا وتوازنًا عن الثقافة العربية داخل المجتمع الإسباني. كما مرت، شأنها شأن المؤسسات الثقافية، بفترات من النشاط المكثف وأخرى من الخفوت، وهو ما يرتبط عادةً بدرجة اهتمام الحكومات الإسبانية المتعاقبة بالعلاقات مع العالم العربي، وبمكانة الدبلوماسية الثقافية في سياساتها الخارجية، وبكفاءة المدير المعين لإدارة البيت العربي. لكن الأكيد الذي لا جدال فيه، هو الدعم المستمر للقضية الفلسطينية ونشر الثقافة الفلسطينية بكل تعبيراتها الأدبية والفنية، واستضافة أدباء ومثقفين وفنانين من فلسطين، وهنا لا بد من الإشادة بالزميلات والزملاء الإسبان العاملين في البيت العربي، ووعيهم العالي بحيثيات القضية الفلسطينية والواقع العربي والدولي.
لذا بقي البيت العربي بيتًا للحوار، لا بين العرب والإسبان فحسب، بل بين مختلف الثقافات، وهو ما منحها مكانة خاصة في المشهد الثقافي الإسباني.
إن ما يثير القلق اليوم ليس الجدل حول مبنى أو إدارة، بل احتمال أن تُختزل المؤسسات الثقافية في حسابات سياسية آنية. فالثقافة بطبيعتها مشروع طويل الأمد، بينما السياسة متغيرة، وما يُبنى عبر سنوات من التراكم يمكن أن يتعرض للاهتزاز إذا غابت الرؤية بعيدة المدى.
ولا يمكن إغفال حقيقة أن هذه التطورات تأتي في سياق سياسي شديد الاستقطاب، ازداد حدة بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، وما رافقها من تباين في المواقف السياسية داخل إسبانيا. إذ دعمت الحكومة الاشتراكية الموقف الإنساني العالمي ونددت بحرب الإبادة على غزة، واتخذت موقفا حازما بالاعتراف بدولة فلسطين، بينما اتخذت المعارضة بقيادة الحزب الشعبي اليميني (الحاكم في إقليم مدريد للحكم الذاتي وفي بلدية مدينة مدريد) مواقف علنية مؤيدة لدولة الاحتلال. وفي مثل هذا السياق، تزداد الحاجة إلى تحييد المؤسسات الثقافية عن التجاذبات، لا إلى زجّها فيها، حفاظًا على رسالتها الإنسانية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الجانب الإسباني وحده. فـالبيت العربي “كاسا أرابي” مشروع يقوم على شراكة مع العالم العربي أيضًا، الأمر الذي يجعل من الضروري أن تضطلع المؤسسات الثقافية العربية، والسفارات العربية المشاركة في مجلس إدارة المؤسسة، بدور فاعل في حماية هذا المشروع الثقافي المشترك، والعمل على ضمان استمراريته، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي.
إن الدفاع عن البيت العربي “كاسا أرابي” ليس دفاعًا عن إدارة أو مقر أو حكومة، بل دفاع عن فكرة الحوار الثقافي ذاتها. فالمؤسسات الثقافية لا تُقاس بجدرانها، بل بما تصنعه من جسور بين الشعوب، وما تفتحه من آفاق للتفاهم والمعرفة.
وتزداد أهمية هذه الفكرة حين نتذكر أن العلاقات العربية الإسبانية ليست وليدة الحاضر، بل تستند إلى أكثر من ثمانية قرون من التفاعل الحضاري في الأندلس، حيث تشكلت واحدة من أغنى تجارب التلاقح الثقافي في التاريخ، وتركت أثرًا عميقًا في اللغة الإسبانية والعمارة والعلوم والفلسفة والأدب، وما تزال ملامحها حاضرة في الذاكرة المشتركة للطرفين.
إن هذا الإرث المشترك يجعل من الحفاظ على مؤسسات الحوار الثقافي مسؤولية حضارية مشتركة، لأنها تمثل الامتداد الطبيعي لذلك التاريخ، ولكن بصيغة معاصرة تستجيب لتحديات الحاضر.
لقد علمتني تجربتي المبكرة في البيت العربي”كاسا أرابي” أن الحوار الحقيقي لا تصنعه الحكومات وحدها، بل يصنعه المثقفون والمترجمون والباحثون والفنانون وكل من يؤمن بأن المعرفة أقوى من الصور النمطية، وأن الثقافة أبقى من الخلافات السياسية.
قد تتغير الحكومات، وقد تنتقل المؤسسات من مبنى إلى آخر، لكن ما ينبغي ألا يتغير هو الإيمان بأن الثقافة تمثل أحد أهم الجسور بين العرب وإسبانيا، وأن الحفاظ عليها هو حفاظ على إمكانية الفهم المتبادل بين الشعوب وتعزيز المصالح المشتركة للطرفين.
فالبيت العربي “كاسا أرابي” ليست محض عنوان في مدريد ومبنى تراثي يريد استعادته رئيس بلدية مدريد “لترميمه وإعادته إلى أهل مدريد لينتفعوا به”، بل مشروع ثقافي ودبلوماسي وإنساني، ينبغي أن يُصان ويُطوّر، لأنه جزء من ذاكرة العلاقات العربية الإسبانية، وجسر من جسور مستقبلها.
*باحثة ومترجمة فورية وتحريرية وأستاذة جامعية في كلتا المادتين، وفي الأدبين الإسباني والأمريكي اللاتيني، وفي اللغة والثقافة العربية والإسلامية، كما أنها كاتبة في مجالات الشعر والقصة والمقالة. وقد ترجمت الكثير من الكتب والوثائق الصادرة عن البيت العربي “كاسا أرابي” في مدريد وقرطبة، وشاركت في الترجمة الفورية لعشرات الندوات والمؤتمرات والفعاليات التي نظمتها المؤسسة والتي جمعت مفكرين وكتابًا وفنانين ومسؤولين، عربًا وإسبانًا. كما قدمت محاضرات وساهمت في أنشطة أكاديمية وثقافية مرتبطة ببرامج المؤسسة منذ مراحلها التأسيسية الأولى حتى احتفالية البيت العربي بالذكرى التأسيسية العشرين له في نيسان الماضي.
You must be logged in to post a comment.