باقون في الذاكرة

أغنية للشتاء قراءة في شعرية النبوءة والفقد الاستباقي

طارق النعمان طارق النعمان 16.08.2026

قصيدة صلاح عبد الصبور

    أغنية للشتاء

  يُنبئني شتاء هذا العام

أنني أموت وحدي

ذاتَ شتاء مثله، ذات شتاء

 يُنبئني هذا المساء أنني أموت وحدي

ذات مساء مثله، ذات مساء

و أن أعوامي التي مضت كانت هباء

و أنني أقيم في العراء

 يُنبئني شتاء هذا العام أن داخلي

مرتجف بردا

و أن قلبي ميت منذ الخريف

قد ذوى حين ذوت

أولُ أوراق الشجر

ثم هوى حين هوت

أول قطرة من المطر

و أن كل ليلة باردة تزيده بُعدا

في باطن الحجر

و أن دفء الصيف إن أتى ليوقظه

فلن يمد من خلال الثلج أذرعه

حاملة وردا

 يُنبئني شتاء هذا العام أن هيكلي مريض

و أن أنفاسيَ شوك

و أن كل خطوة في وسطها مغامرة

و قد أموت قبل أن تلحق رِجلٌ رِجلا

في زحمة المدينة المنهمرة

أموت لا يعرفني أحد

أموت لا يبكي أحد

و قد يُقال بين صحبي في مجامع المسامرة

مجلسه كان هنا، و قد عبر

فيمن عبر

يرحمُهُ الله

 يُنبئني شتاء هذا العام

أن ما ظننته شفاىَ كان سُمِّي

و أن هذا الشِعر حين هزَّني أسقطني

و لستُ أدري منذ كم من السنين قد جُرحت

لكنني من يومها ينزف رأسي

الشعر زلَّتي التي من أجلها هدمتُ ما بنيت

من أجلها خرجت

من أجلها صُلبت

و حينما عُلِّقتُ كان البرد و الظلمة و الرعدُ

ترجُّني خوفا

و حينما ناديته لم يستجب

عرفتُ أنني ضيَّعتُ ما أضعت

 يُنبئني شتاء هذا العام أننا لكي نعيش في الشتاء

لابد أن نخزُنَ من حرارة الصيف و ذكرياتهِ

دفئا

لكنني بعثرتُ في مطالع الخريف

كل غلالي

كل حنطتي، و حَبِّي

كان جزائى أن يقول لى الشتاء انني

ذات شتاء مثله

أموت وحدي

ذات شتاء مثله أموتُ وحدي .

(ديوان صلاح عبد الصبور، ص ص 193-196)

     ************

  1. نبوءة الشتاء 

في ’’أغنية للشتاء‘‘ نحن مع نبوءة الذات للذات عن الذات، وكأنها انعكاس الموت على الذات وانعكاس الذات على الموت، أغنية للشتاء هي أغنية للموت، أغنية تحيا عبر تيمة الموت ومن خلال الموت، تلك هي مفارقة القصيدة المحكوم عليها بالحياة عبر الموت.

 القصيدة تعمل كنبوءة ذاتية متكررة، والشتاء هنا ليس مجرد فصل بقدر ما هو حكمٌ زماني ونبأٌ وجودي: الشاعر يعلن عن موته المحتوم لكنه أيضًا يعلن عن موت ذاته الشعورية والوجدانية منذ خريف سابق. هي أغنية للموت تحيا عبر تيمة الموت، الموت بما هو شرط للحياة الشعرية وللوجود الاجتماعي، والموت أيضًا بما هو قوة تقطع صلات الشاعر بالعالم.

تبدأ القصيدة من جملة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها تحمل منذ اللحظة الأولى البنية العميقة للنص كله: ’’ يُنبئني شتاء هذا العام / أنني أموت وحدي‘‘. إن الفعل ’’ يُنبئني‘‘ هو مفتاح القصيدة؛ فالشاعر لا يقول إنه يشعر بأنه سيموت، ولا يقول إنه يخشى الموت، ولا حتى إنه يتوقعه، وإنما يجعل الشتاء نفسه مصدرًا للمعرفة. ثمة خبر يأتي إلى الذات من الخارج، خبر عن مستقبل لم يقع بعد، لكن الشاعر يتلقاه كما لو كان حقيقة مكشوفة لا تحتمل التشكيك أو الشك. الشتاء هو الذي يتكلم، وكأنه قد تأنسن كي يُقرِّر مصير هذا الإنسان. وهنا تتأسَّس شعرية النبوءة، حيث لا يعود المستقبل زمنًا مجهولًا يقع خارج الوعي، وإنما يصبح حاضرًا داخل الوعي من خلال علامة زمنية وكونية هي الشتاء.

لكن الشتاء في هذه القصيدة ليس مجرد فصل من فصول السنة؛ إنه، في الوقت نفسه، قرين الذات في مصيرها.  فالشتاء يذوي فيه النبات، والذات يذوي فيها القلب؛ أوراق الشجر تسقط، والقلب يسقط؛ أول قطرة من المطر تهوي، والقلب يهوي معها؛ الطبيعة تدخل طورًا من البرودة والانحسار، والداخل الإنساني يدخل الطور نفسه. ولهذا فإن العلاقة بين الشتاء والذات ليست علاقة تشبيه خارجي، بحيث يشبه الشاعر حزنه بحزن الشتاء، وإنما هي علاقة أعمق؛ إذ يبدو الشتاء وكأنه يقرأ الذات لأنه صورة خارجية لما يحدث فيها. فالطبيعة والإنسان لا يعودان عالمين منفصلين؛ بقدر ما يبدو أنهما يتحركان وفق إيقاع واحد.

ولهذا تتكرَّر عبارة ’’ يُنبئني‘‘ في القصيدة بصورة لافتة. فالشتاء يُنبئ، والمساء يُنبئ، وكل ما يحيط بالذات يتحول إلى علامة قابلة للقراءة.إذ يقول: ’’يُنبئني هذا المساء أنني أموت وحدي / ذات مساء مثله، ذات مساء‘‘. وإذا كان الشتاء زمنًا دوريًا يعود كل عام، فإن المساء زمن دوري يعود كل يوم. ومن ثم فإن القصيدة تحيط بالموت بسلسلة من الأزمنة الطبيعية الارتجاعية العائدة، الشتاء يعود، والمساء يعود، لكن الإنسان لا يعود. وهنا تنشأ مفارقة بالغة الأهمية، وهي أن الزمن الدوري للطبيعة يجاور الزمن الخطي للإنسان. الطبيعة تستطيع أن تعود إلى بدايتها؛ أمَّا الإنسان فماضٍ نحو نهاية لا عودة ولا رجوع منها. ولذلك يصبح الموت، على الرغم من فرادته وعدم قابليته للتكرار، كأنه موعد موسمي، ’’ذات شتاء مثله، ذات شتاء‘‘، وكأنه حدث ينتظر اكتمال دورته الزمنية.

طارق النعمان
عن الكاتب
طارق النعمان
ناقد ومترجم وأكاديمي

ناقد ومترجم وأكاديمي

صفحة الكاتب ←