مدخل:
إن النص الحاف paratext، كما يشرحه جينيت، يشير إلى تلك العناصر التي تقع على عتبة النص والتي تساعد في توجيه كيفية استقبال القراء للنص والسيطرة عليه. وتتألف هذه العتبة من نصوص داخلية a peritext، تتألف بدورها من عناصر مثل العناوين، وعناوين الفصول، والتمهيدات والملاحظات والتعليقات والحواشي، كما تشمل أيضًا نصوصًا خارجية an epitext تتألف من عناصر مثل المقابلات، إعلانات الدعاية، مراجعات وخطابات النقاد للنقاد، الخطابات الخاصة والمناقشات الأخرى للمؤلفين والمحررين ــــ أي ما يمثل نصوصًا ’خارجية‘ بالنسبة للنص المتناول، وإن كانت مرتبطة به. وعمومًا فإن النصوص الحافة تشمل النصوص الداخلية والخارجية معًا. كما أن النص الحاف لا يشير فقط إلى عتبة النص بل إنه يشغلها كذلك ـــ إنه الفضاء الداخلي والخارجي معًا (أو ’الحاف‘ ‘para’) على نحو ما تشير هذه الصفة التي يمكن القول إن لها وضعية بينية أو عتبية تمكنها من الإطلال على الداخل والخارج في آن واحد. وهكذا فإن النص الحاف بشكل مفارق يؤطر وفي الوقت ذاته يشكل النص بالنسبة لقرائه (see Graham, 2000: 103).
ووفق هذا الطرح، وبهذا المعنى، فإن نص سنية شعراوي الماثل بين يدي القارئ الآن يمثل نصًا حافًا بالنسبة لمذكرات جدتها هدى شعراوي، مثلما تمثل مذكرات الجدة أيضًا نصًا حافًا لنص الحفيدة. بل إننا نستطيع القول إننا مع هذا النص لسنية شعراوي، إزاء حالة من حالات التناص المبدع والخلاق، حالة خاصة وشبه نادرة، حالة تستكمل فيها حفيدة سردية جدتها التي أملتها منذ ما يقارب ثلاثة أرباع قرن، وتتناص معها بأكثر من كيفية وبأكثر من معنى وبأكثر من طريقة، أو بالأحرى تعيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هذه الدراسة هي نص مقدمتي لكتاب ’’وكشفت وجهها‘‘ لسنية شعراوي، والصادر عن المركز القومي للترجمة.
قراءة سردية الجدة عبر إعادة كتابتها. وإن كان هدفي هنا، بالطبع، لا ينصرف إلى
رصد مواضع التناص بالاتفاق والاختلاف ما بين النصين، إذ لا يتسع الحيز المكاني هنا لمثل هذا الرصد، ولعل موضعه مكان آخر أكثر اتساعًا من هذا، نوفيه فيه حقه. وإنما سأكتفي فقط هنا بالتوقف عند بعض النصوص الأخرى الحافة بكلا النصين، مقتصرًا في هذا السياق على تحفيز القارئ إلى أن يتوجه إلى مذكرات هدى شعراوي مباشرة بعد أن يفرغ من هذا النص، وأن يمد قنواته وجسوره الخاصة ما بين النصين، ليسأل نفسه أو تسأل نفسها، لماذا كتبت الحفيدة هذه الترجمة الذاتية للجدة وقد كتبت أو أملت الجدة بنفسها مذكراتها، وقد نُشِرت وظهرت للعلن منذ فترة طويلة سابقة على كتاب الحفيدة لترجمتها تلك؟ وهنا أتصور أنه سيكون لدى القارئ الكثير الذي يمكن أن يكتشفه ويحاوره. وربما اتسع المقام بنا لاحقًا، كما أشرت من قبل، لعقد مثل هذه المقارنة بين النصين. وهي مقارنة شيقة وواعدة وتنطوي بالتأكيد على الكثير سواء على مستوى النوع الأدبي الخاص بكل نص منهما، أو على مستوى اختلاف المواقع ما بين كلتا الكاتبتين، وعلاقة كل واحدة منهما بالزمن، وعلاقات الحضور والغياب ما بين النصين.
ترجمة العنوان وما تنطوي عليه من تأطير:
وفق ما تخبرنا به مارجو بدران نقلاً عن حواء إدريس ابنة خال هدى، فإن هدى شعراوي قد أملت مذكراتها على سكرتيرها الخاص السيد عبد الحميد فهمي قرب نهاية حياتها،
(Sharawi 1998:1). وحيث إنها قد توفيت بتاريخ 12 ديسمبر عام 1947، فقد ظلت هذه المذكرات حبيسة الأدراج، لا ترى النور ولا يراها النور، لما يقارب أربعة عقود، إلى أن نشرتها دار الهلال بتقديم حوارية من حواريات هدى شعراوي العديدات، وهي الكاتبة الصحفية الشهيرة المرحومة أمينة السعيد، في سبتمبر عام 1981. وإن كان من الغريب أن أمينة السعيد وتتبعها في ذلك مارجو بدران تحدد تاريخ وفاة هدى بأنه في 12 أغسطس 1947 وليس 12 ديسمبر 1947، في حين أن تسلسل الأحداث في سردية الحفيدة التي بين أيدينا هنا توحي بأن الوفاة كانت يوم 8 ديسمبر 1947 ( انظر مقدمة أمينة السعيد لمذكرات هدى شعراوي، صص 8-9، وانظر المرجع الانجليزي السابق، وانظر نهاية كتاب سنية شعراوي وكشفت وجهها).
ثم بعد كل هذه السنين وبعد أن ترجمت مارجو بدران أجزاء من هذه المذكرات ونشرتها بعنوان ’’سنوات الحريم‘‘ عام 1986 في نيويورك، ثم نشرتها الجامعة الأمريكية في القاهرة نشرة أخرى عام 1998، إذ بنا نجد حفيدتها سنية شعراوي تقرِّر أن تستأنف وتستكمل سردية الجدة وتنشر علينا هذا النص السردي الرفيع عام 2012، باللغة الإنجليزية بعنوان ’’إسقاط النقاب: حياة هدى شعراوي، نسوية مصر الأولى‘‘. وهو العنوان الذي أصرَّت المترجمة، الأستاذة نشوة الأزهري، على تحويره قليلاً وتحويله إلى ’’وكشفت وجهها‘‘. وهو ما كان مثار حوار بيني وبينها كمراجع للترجمة. ولا شك أن لكل منا مبرراته في الاختيار، وقد ذكرت المترجمة أن المؤلفة (سنية شعراوي) قد أخبرتها أن الكتاب قد تُرجِم إلى الإيطالية بهذا العنوان، وأن المترجمة ذاتها قد قامت بهذاالتحوير من تلقاء نفسها، ودون أن تكون على علم أو دراية بأن هذا العنوان هو ما تُرجِم إليه الكتاب في الإيطالية.
وبعيدًا عن هذا المبرر، فإن اختيار المترجمة ترجمة العنوان بـ ’’وكشفت وجهها‘‘ يبدو، دون شك، أكثر جاذبية وشعرية وانسيابية، من العنوان الأصلي للكتاب ’’إسقاط النقاب‘‘، وبالطبع فإن لكل عنوان من العنوانين تداعياته ودلالاته الحافة المغايرة؛ إذ يبدو اختيار المترجمة لعنوان ’’وكشفت وجهها‘‘ كعتبة نصية، أكثر نعومة بما ينطوي عليه من تحول من الخفاء إلى التجلي خصوصًا في اقترانه بما أدعوه واو المفاجأة السابقة على الفعل ’’كشفت‘‘ وبتاء التأنيث التي تجعل القارئ يتطلع لرؤية هذا الوجه الأنثوي المنكشف على غير ما توقع، وبالطبع فإن المسافة ما بين هذه النعومة المُضمَّنة في هذا العنوان ’’وكشفت وجهها‘‘، والعنف الضمني الملازم للعنوان الإنجليزي ’’إسقاط النقاب‘‘ ــــ بما يحيل عليه الإسقاط من قوة وعنف وإزالة لشيء ظل قائمًا لزمن طويل وظل يخفي حقيقة ما خلفه، على نحو ما تحيلنا عبارات مثل إسقاط حائط برلين، أو إسقاط الأقنعة، الخ ما تنطوي عليه هذه العبارات الفاضحة لأوضاع مفتعلة وزائفة وغير حقيقية ـــ هي جد كبيرة. وبالطبع فإن عنوان ’’وكشفت وجهها‘‘ لا ينطوي على مثل هذه التداعيات والاقترانات التي يحيل عليها الإسقاط، من أن وضعية النقاب هي وضعية زائفة ومفتعلة؛ ومن ثم تستأهل الإسقاط والإزالة، ذلك أن الكشف الذي هو مضاد التغطية لا يحيل ضرورة وحتمًا على ما يحيل عليه الإسقاط من أن هذه التغطية تنطوي على مثل هذا التزييف أو الافتعال؛ أو أنها كانت قسرية، بل إنه قد يوحي أن التغطية ربما كانت إرادية بقدر ما أن الكشف، في هذه الحالة ولا شك، كان إراديًا. ولذا، فإن ’’وكشفت وجهها‘‘ كعنوان، وكعتبة نصية، رغم كل ما ينطوي عليه من جاذبية وانسيابية وشعرية ونعومة، لا يجسد في تقديري مدى قوة ما ينطوي عليه الفعل الذي اجترحته هدى شعراوي من مباغتة ومفاجأة وصدمة؛ ومن ثم فإن كل خيار من الخيارين يتضمن تأطيرًا مغايرًا للحدث على مستوى التداعيات والإيحاءات.
وفضلاً عن هذا، فإن ’’إسقاط النقاب‘‘ هو العنوان الانجليزي الفعلي للنص الإنجليزي. إلا أنني، مع ذلك، لم أرد أن أصر على وجهة نظري لئلا يُفهم ذلك على أنه نوع من أنواع الهيمنة الذكورية المقيتة أو التصلب الذكوري المتشنج، أو الرغبة في فرض الرأي، واستجبتُ لرأي المترجمة، خصوصًا وأنني التمست تبريرًا وتخريجًا بلاغيًا ومجازيًا آخر لهذا الاختيار، وهو أنه من قبيل الإحالة على السبب بالنتيجة، أو إحالة النتيجة على السبب، أي أن كشف الوجه كان النتيجة الطبيعية لسببه الذي هو إسقاط النقاب، وإن كان كشف هدى شعراوي لوجهها قد أدى في حقيقة الأمر أيضًا إلى إسقاط المرأة المصرية للنقاب داخل الفضاء العام. وإن كنتُ مازلت مقتنعًا أن العنوان الثاني أكثر تمثيلا لقوة الفعل الذي ابتدرته هذه الرائدة العفية الجسورة.
لقد كان لا بد من هذا التنويه للقارئ في الحقيقة ليدرك أن تحوير العنوان على هذا النحو لم يكن وليد نوع من الغفلة أو الاستخفاف من قبل المترجمة أو المراجع، وإنما هو نتاج رؤية للمترجمة رأى المراجع أنه لا بأس من موافقة المترجمة عليها ما دام بوسعه أن يشير إلى ما بين الخيارين من اختلاف في التأطير للنص والفعل الذي اجترحته هدى على حد سواء.