أدب ونقد

في ذكرى شاعر الظل العالي

طارق النعمان طارق النعمان 09.08.2026

طارق النعمان

8/9/2026

مدخل

في التاسع من أغسطس عام 2008 حلَّت على الشعر العربي المعاصر وعلى جموع محبيه من الخليج إلى المحيط وعلى كل من عرفوا شعر درويش وتذوقوه عبر العالم، من خلال ترجماته المختلفة، فاجعةٌ قاسيةٌ وموجعة، فاجعة غير قابلة للجبر أو التعويض، صدمة بكل ما في الكلمة من معنى، وهي صدمة رحيل هذا الشاعر الفذ، هذا الشاعر الظاهرة، الذي لن تنتهي قصيدته قط مثلما أراد لها ألا تنتهي، والتي ستبقى ما بقي الشعر وبقي من يقرؤونه. إنه محمود درويش ابن البروة وابن الجليل وابن البحر، ابن ساحل عكا، وشاعر العصافير التي تموت في الجليل، وقاطن بيروت والقاهرة وباريس الذي ظل يرتشف القُبْلةَ من حد السكين! والذي استطاع أن ينقل فلسطين من فضاء السياسة والشعار إلى فضاء أوسع وأرحب، وهو فضاء الإنسانية، من خلال قدرته الفذة على تطويع السياسي ليصبح جزءًا لا يتجزأ من نسيج الشعري والجمالي وهي قدرة خلاقة واستثنائية إلى حد كبير لأننا للأسف لا نجدها لدى أحد آخر من شعراء المقاومة سوى درويش نفسه.

ولذا، ونحن اليوم في الذكرى الثامنة عشر لرحيل محمود درويش، لا يبدو أننا نستعيد ذكرى شاعر مات، بقدر ما نستعيد حضور شاعرٍ لم يتوقف عن الحضور. فبعض الشعراء يغادرون حين تغادر أجسادهم، وبعضهم الآخر يترك وراءه قصائد تُقرأ، أما محمود درويش فقد ترك وراءه شيئًا أكثر تعقيدًا وأعمق أثرًا: لغةً كاملةً للسؤال الفلسطيني والعربي عن الوطن والمنفى والهوية والحرية والحب والموت.

لهذا ربما كان من الصعب أن نقول عن درويش أنه قد رحل. فكيف يرحل من صار جزءًا من اللغة التي نتكلم بها عن فلسطين؟ وكيف يغيب من أصبحت قصيدته ذاكرة أخرى لنا، تحفظ لنا ما كاد التاريخ أن يمحوه أو يُخفيه؟ إن درويش لم يكتب فلسطين فحسب؛ بقدر ما جعل فلسطين، تحضر في فضاء الوعي العربي المعاصر، بوصفها قصيدةً وهويةً وذاكرةً ومجازًا دائمًا للمكان المفقود والمأمول معًا.

ولعل هذه هي المفارقة الأولى في إرثه، وهي أن الشاعر الذي بدأ من جُرح المكان انتهى إلى أفق الإنسان، وأن الشاعر الذي حمل فلسطين في قصيدته لم يسمح لفلسطين أن تتحول إلى قيد على شعره. لقد كان فلسطينيًا إلى أقصى درجات الانتماء، وشاعرًا إلى أقصى درجات الحرية.

  1. الشاعر الذي يُنقذ الوطن من أن يختزله الشعار

لقد كانت القضية الفلسطينية، قبل درويش، حاضرة بقوة في الشعر العربي، وكانت فلسطين رمزًا للمقاومة والحرية والعدالة، لكن درويش أضاف إلى هذه القضية شيئًا بالغ الأهمية، شيئًا منحها حضورًا مختلفًا، وجسدًا شعريًا مغايرًا.

لم تعد فلسطين في شعره مجرد أرض مغتصبة، ولا مجرد قضية سياسية، ولا مجرد نشيد للمقاومة. صارت أمًا وحبيبةً وطفولةً وبيتًا ولغةً وذاكرةً وقبرًا ومقهىً وزيتونة وليمونةً وخبزًا وسماءً؛ صارت المكان الذي يسكن الإنسان بقدر ما يسكنه المكان:

أحنُّ إلى خبز أمي
وقهوة أُمي
ولمسة أُمي..
وتكبر فيَّ الطفولةُ
يومًا على صدر يومِ
وأعشَقُ عمرِي لأني
إذا مُتُّ،
أخجل من دمع أُمي!

ومن هنا تأتي فرادة تجربته. لقد استطاع أن ينقل القضية من لغة الخطاب السياسي وخطابته الطنَّانة الرَّنَّانة إلى لغة أكثر شعرًا وأكثر عُمقًا وأكثر سؤالًا وتساؤلًا، وهي لغة التجربة الوجودية، وأن يجعل من الفلسطيني إنسانًا وليس مجرد عنوان سياسي، أو واجهة سياسية كما أراد له كثيرون أن يكون. فالمنفى عنده ليس مجرد نفي جغرافي، وإنما اقتلاع للإنسان من علاقته الطبيعية بالأشياء، وبالطبيعة، بالبيت، واللوز والبرتقالة والزيتونة والحجر، والاسم، واللغة، والطفولة، والموت، وحتى بالمرآة.

ولهذا فإن درويش فلسطين جعل فلسطين مثله درويشية؛ لقد تجاوزت معه حدود المكان وحدود الزمان؛ وأصبحت سؤالًا من أسئلة الوجود الإنساني نفسه.

  • من قصيدة المقاومة إلى شعرية المقاومة

ومن أجمل ما فعل درويش أنه قد حرَّر قصيدة المقاومة من أن تكون قصيدة موقف ومناسبة، لتصبح قصيدة الإنسان في كل مكان وزمان.

في بداياته كان صوت المقاومة واضحًا ومباشرًا، وربما حتى جهيرًا وزاعقًا، وكانت القصيدة تحتاج أن تقول: ’’هذا وطني، وهذا عدوي، وهذه أرضي‘‘. لكن الشعري سرعان ما تجاوز السياسي داخله، مثلما تمثَّل الجمالي لديه الواقعي ونقله من فضاء المؤقت والعابر واليومي إلى فضاء آخر هو فضاء أبعد وأعمق وهو فضاء الكوني، والكُلِّي، والفلسفي؛ إذ اكتشف أن الشعر لا يلبث أن ينطفأ حين يُكرِّر الوقائع السياسية ويتماهى معها دون أن يمنح ذاته المسافة الكافية للرؤيا، وأن الشعر الحق أو الشعر الخالد هو ما يستطيع أن يَعْبُرَ من التفاصيل إلى ما وراء التفاصيل، ومن اليومي إلى الكوني ومن العابر إلى الأبدي، وإن كان في الوقت ذاته يفعل ذلك من خلال التفاصيل وعبر التفاصيل، وهي معادلة بالغة الصعوبة وبالغة الروعة، وقد تميز بها درويش دون من سواه من نظرائه مِمَّن جعلوا فلسطين تيمتهم الشعرية. وقد تمثل جزء من شعرية وعبقرية درويش في قدرته تلك على النفاذ إلى عمق التفاصيل بما يجعلها تجاوز ظاهرها وبساطتها الظاهرة وأن يؤسطر ببساطة شديدة مثل هذه التفاصيل العادية والعرضية ويخلق منها كونًا شعريًا كاملًا؛ إذ لا تكاد توجد مفردة من مفردات الطبيعة الفلسطينية أو نبتة من نبتاتها إلا وهي حاضرة وتطل علينا من قصائده، إنه شاعر التفاصيل الذي ارتحل بعيدًا بعيدًا بالتفاصيل ونجح في أن يصوغ منها مشهدياته الرائعة والفاتنة؛ إذ ظل ’’نازلًا من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل البلاد‘‘ مع أحمد الزعتر، وصوت أحمد، مع أحمد العربي، ومع اغتراب البحر ومع المخيَّم، والرصاص، والبرتقال، ومع الجبال، ومع الزنازين الشقيقة، ومع إناء الموز ومع الندى والمشهد البحري، ويدين من حجر وزعتر …

وهكذا، ما من قصيدة من قصائد درويش، إلا وهي مسكونة بالتفاصيل، وتسكن هي الأخرى تلك التفاصيل، تلك التفاصيل التي لا تكف دومًا عن أن تدهشنا، إذ لا تتجلى مثلما نشهدها في حيواتنا وإنما تبدو، وقد عمَّدها درويش في ماء شعره المقدَّس، في نهر لغته المتجدد دومًا، لتصبح تفاصيل أخرى، تفاصيل من نوع آخر، تفاصيل نُزِعَتْ عنها ألفتها، وبقدر ما تتغرَّب التفاصيل في شعر درويش بقدر ما تبدو حميمة وهي بديعة أخرى من بدائع درويش، مثلما أنه برغم ما يمارسه درويش في قصيدته من تكرار، إلا أن تكراره ليس مثل تكرار سواه من الشعراء الآخرين، إنه نوع من التكرار غير المُكرَّر، نوع من التكرار المسكون دومًا بالاختلاف والمغايرة على حد ما ينبئنا جيل دولوز في كتابه المهم عن التكرار والاختلاف، حيث مع كل تكرار ثمة دومًا مغايرة واختلاف وإضافة، ثمة دومًا جديد؛ وفي كثير من الأحيان ثمة مفاجأة؛ ومن ثم ثمة دومًا متعة وعذوبة تولدها تكرارات درويش. ذلك أنها تكرارات غير متكررة، تكرارات فريدة مثله، تكرارات لا تسقط في فخ التكرار.       

مع درويش نجدنا مع تفاصيل الطبيعة وتفاصيل الحب، وتفاصيل الألم، وتفاصيل الحزن، وتفاصيل الفرح المسروق، أو العابر، أي مع تفاصيل المشاعر على اختلافها، وتفاصيل السياسة، وتفاصيل الجغرافيا وتفاصيل اليومي والاعتيادي الغائص تمامًا في أعماق اليومي والاعتيادي والمجاوز تمامًا لهما. كما يتجلى مكون آخر من مكونات شعريته في قدرته النادرة على تحويل البداهات إلى أسئلة، وكل سؤال إلى معضلة، سواء من خلال الطرح المباشر للأسئلة أو من خلال تضمينها.

ولهذا وللعديد من العوامل الأخرى التي لا يتسع المجال لرصدها جميعًا في مثل هذه المناسبة والتي تتطلب دراسة تفصيلية لشعرية درويش ومكونات تلك الشعرية، لكل هذا، تحولت قصيدته من المقاومة بوصفها حالة أو مناسبة أو موقفًا لتصبح سؤالًا وجوديًّا حول معنى الوجود ذاته وقيمته وجدواه، وهو ما جعل المقاومة حاضرة في كل شعره الإنساني بقوة وبعمق يتجاوز سذاجة الشعار، وصخب التعبئة والنداء، مِمَّا يوجد لدى كثيرين سواه من شعراء القضية؛ إذ لم يعد السؤال هو ’’كيف أقول إن فلسطين لي؟‘‘ بقدر ما أصبح ’’من أكون إذا لم تكن فلسطين لي؟‘‘

وإذا كان هيدجر ينيئنا في واحدة من عباراته الشعرية في الوجود والزمان ’’أن اللغة منزل الوجود‘‘، فإن القصيدة لدى درويش تتحوَّل لتصبح مأوى ومنزل الوجود للوطن المُؤجَّل، لفلسطين المرجأة، وهو ما قد أصبحت معه قصيدة درويش مأوى ووطنًا مؤقتًا لكل الفلسطينيين، وليس فقط لكل الفلسطينيين، بل ولكل المنفيين في الأرض سواء كانوا منفيين نفيًا مكانيًا أو نفيًا وجوديًا. فإذا كان يمكن للاحتلال أن يغتصب الأرض، فإنه لن يستطيع أن يغتصب الاسم، وما دام أن فلسطين قد سكنت القصيدة فلن يستطيع كائن من كان أن يزيحها أو ينتزعها من مأواها. القصيدة إذن الوطن المؤقت وليست الوطن البديل. وإذا كان المنفى يستطيع أن يبعد الإنسان عن المكان، فإن الشعر يستطيع أن يعيد المكان إلى الذاكرة والذاكرة إلى المكان. وبهذا المعنى يمكننا أن نقول إن قصيدة درويش لا تمثل نوعًا من استرداد الأرض بالكلمات، بقدر ما تمثل نوعًا من الضيافة والاستضافة.

طارق النعمان
عن الكاتب
طارق النعمان
ناقد ومترجم وأكاديمي

ناقد ومترجم وأكاديمي

صفحة الكاتب ←