لقد ظل البشر، على مدار التاريخ، يُؤثِرون أن يحكموا من خلال الكلمات، حتى وإن كانت أحيانًا عنيفة، مُهدِّدة أو مُتوعِّدة، أو حتى مُرْعِبة على أن يحكموا تحت وطأة القيد أو السوط أو بواسطة السيف، أو المدفع، بقدر ما قد أخذ الحكام يدركون تدريجيًا أن الحكم بواسطة الكلمات أقل تكلفة بكثير من الحكم بواسطة الأسلحة، والقيود والسجون. وهو ما يعني في جانب منه أن اللغة والسلاح قد ظلا دومًا على متصل ببعضهما البعض من حيث كون كلاهما وسيلتين من وسائل الحكم والسيطرة، يتم في بعض الأحيان تبادل الأدوار فيما بينهما. أي أنه حين يفشل السلاح في السيطرة والحكم يتم دعمه بلطف أو عنف الكلمة أو بمزيج منهما، والعكس أيضًا قد يحدث. أي حين يفشل عنف أو لطف الكلمة أو كلاهما يتم دعمها بقوة السلاح أو استبدال السلاح بهما، وكثيرًا ما يمضيان معًا جنبًا إلى جنب يدعم أحدهما الآخر ويُعزِّزه. ولا شك أن وقائع الواقع والتاريخ تشهد على هذا المتصل على نحو صريحٍ وجلي.
وبالطبع فقد أخذت الحاجة للكلمة تتزايد كلما نحت الأنظمة السياسية إلى ممارسة المزيد من الديموقراطية، أي أنه بقدر ما تتزايد الممارسات الديموقراطية في المجتمعات بقدر ما تتزايد الحاجة إلى الإقناع؛ وبقدر ما تتزايد الحاجة إلى الإقناع، بقدر ما تتزايد الحاجة إلى القول البليغ والفعال في السيطرة والتوجيه وممارسة الحكم؛ وهنا، بالطبع، تتبدى الحاجة ملحة إلى أن توظِّف كل لغة ما يتوفر لديها من ترسانات وذخائر بلاغية فعَّالة.
*. هذا المقال هو مقدمتي لترجمتي لكتاب ’’السياسة الأخلاقية: كيف يُفكِّر الليبراليون والمُحَافِظون‘‘
ولا شك أنه في ظل اتساع مساحة المشاركة السياسية؛ ومن ثم اتساع إمكانية الترشح للقيادة قد أخذ مثل هذا الاتساع يفرض نوعًا من التنافس البلاغي، حيث يغدو كل مُرشَّح للقيادة راغبًا في إقناع الناخبين المحتملين، والجماهير بعامة بأنه المرشَّح
الأجدر، ولا سبيل إلى ذلك لديه سوى عرض برنامجه وتحفيز هذا البرنامج بما يقنع
الجماهير بقيمته من جهة وبإمكانية تنفيذه من جهة أخرى. ولا سبيل لتحقيق هذا إلا من خلال استخدام لغة يمكنها تمثيل الكيفية التي يتم بها إنجاز هذه الغاية وتحقيقها.
ومن ثم نجد هذا التزايد المتنامي في البحث عن خبراء الكتابة السياسية وتخطيط الحملات الانتخابية، حيث ينبغي أن تكون خطب القادة المحتملين أو المرشحين للقيادة مشحونة بقوى أفعال الكلام اللازمة لإنجاز أغراضها وأهدافها. وحتى بعد أن ينجح القادة يظل للخطابة والبلاغة السياسية دومًا دورهما في إعادة إنتاج اقتناع الجماهير بالحاكم، أو القائد أو الزعيم، ومن ثم تبدو الخطب السياسية في كثير من الأحيان وكأنها طقس أو شعيرة من طقوس وشعائر تجدد وتجديد الثقة والاقتناع، والوعود المعقودة أو العهود المُبرمة من قبل، أو التحول حتى عنها واستبدال غيرها بها؛ وهنا تتبدى قيمة البلاغة السياسية مقارنة بقيمتها في المجتمعات الاستبدادية والبطريركية التي تنحسر فيها هذه الإمكانية لتتركز في نطاق الحاكم الفرد الذي غالبًا ما لا تتم إزاحته من خلال أي عملية من العمليات الديموقراطية المبنية على شروط عادلة للترشح وشروط عادلة للاقتراع، وإنما من خلال استخدام مباشر للقوة أو نوع من التلويح بها يتم من خلاله إحلال الطرف الأكثر قوة محل الطرف المخلوع أو المقتول أو المتوفى.
إلا أنه على الرغم من هذا الاختلاف النوعي في طبيعة الممارسة السياسية في كل نوع من نوعي هذه المجتمعات، فإنه يظل أيضًا للخطابة والبلاغة دورهما حتى في تلك المجتمعات الاستبدادية والقمعية، وإن كانتا بالطبع تمارسان هذا الدور في ظل شروط مختلفة. ومن ثم وفق ملابسات ومواصفات وآليات مغايرة. ذلك أنه إذا كان كل من الخطابة والبلاغة السياسية في المجتمعات الديموقراطية يستهدف بالأساس الإقناع على أسس تبدو أميل إلى العقلانية منها إلى الانفعالية، وإن كانت بالطبع لا تخلو قط في الكثير من الأحوال من بعض درجات الانفعالية وإثارة المشاعر، بحيث يمكن القول إنه غالبًا ما تحتل واجهةَ المشهد القيمُ العقلانية الإقناعية المبنية على أساس أن الاختيارات السياسية تتم تأسيسًا على، وانطلاقًا من نظرية الفعل العقلاني كنظرية حاكمة للممارسة السياسية، وتتراجع القيم الانفعالية والشعورية إلى الخلفية، مع الأخذ في الاعتبار أن درجات العقلانية والانفعالية تتفاوت من قائد إلى آخر، ومن خطاب إلى خطاب، لكن في المجمل يمكن القول إن الأمر يبقى على هذا النحو إذا ما قورن بالخطابة والبلاغة السياسية في المجتمعات غير الديموقراطية، إذ تتصدَّر القيم الانفعالية التي تتعدد تجلياتها، والتي غالبًا ما تخاطب ما هو غرائزي وعقائدي ورغبوي، واجهة المشهد أكثر مِمَّا تُخاطِب ما هو عقلاني أو منطقي، بما يجعل القيم العقلانية تتراجع إلى الخلفية، بل وربما ما تغيب تمامًا تلك القيم لصالح الانفعالية والإثارة.
ومن ثم يمكننا الحديث عن نوعين من حكم الكلمة، حكم تغلب عليه العقلانية والمنطقية في مقابل حكم تغلب عليه الانفعالية والإثارة، أو حتى تكاد تغيب عنه تمامًا تلك العقلانية، على هذا النحو الذي جعل عبارات مثل ’’خطب فارغة‘‘ أو ’’كلام خطب‘‘ عبارات متداولة بكثرة في مجتمعاتنا؛ بما يشير إلى خلو تلك الخطب من أي صورة من صور المصداقية.
بل إن المتأمل للخطابة السياسية في مجتمعاتنا يلاحظ أن الخطابة السياسية فيها تستدمج إلى حد بعيد في تكوينها الخطابة الاحتفالية؛ ذلك أنها تمزج في العديد من الحالات بين الخطابة السياسية والخطابة الاحتفالية؛ إذ كثيرًا ما تجمع ما بين مدح الذات وإطرائها، وهجاء وتوبيخ الآخرين المعارضين بدرجة عالية.
لقد أخذت الدراسات المعرفية تكشف لنا مدى تغلغل الاستعارة والكناية والمجاز في ممارساتنا الذهنية والفكرية، وكيف أنها تلازم خطاباتنا على تنوعها واختلافها وتباين مجالاتها بداية من خطابات الحياة اليومية الاعتيادية ووصولاً إلى خطاباتنا الفلسفية والعلمية.
ولا شك أن مجال السياسة والخِطاب السياسي هو واحد من أكثر المجالات تشغيلاً وتوظيفًا للاستعارة والمجاز والكناية، وسواها من التقنيات البلاغية الأخرى كالتشبيهات والتمثيلات والكنايات التلطيفية، والتكرار بأشكاله المتعددة والمتنوعة، واستخدام الأضداد والتقابلات الخ هذه الترسانات البلاغية العديدة والعتيدة؛ والمتابع للخطابات السياسية يمكنه أن يلحظ بيسر أنه لا يكاد خطاب سياسي يخلو من حضور ما لهذه الأنواع البلاغية وسواها، خصوصًا الاستعارة والمجاز والكناية، والكناية التلطيفية، والصور النمطية الجاهزة وهو ما دفع اليوم في ظل ما أسفرت عنه الدراسات المعرفية للغة إلى إعادة ازدهار وتنامي دراسات البلاغة السياسية ودراسة خُطب الرؤساء والقادة، فضلا عن تحليل برامج الأحزاب، وجماعات الضغط، وخطابات بعض النواب في المجالس النيابية؛ خصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة.